Switch Mode

بدءاً من لجنة الكفاءة 287

286 أطلال أثرية +


«ما هذا ؟!» ارتجفت ملامح نوسنوف قليلاً وهو يقول: «قصرٌ صينيٌّ قديم ؟»

بدا الذهول على وجه جاك وهو يعقب: «كيف يمكن أن توجد آثار لـ بني آدم على سطح القمر ؟».

هز نوسنوف رأسه بخفة مجيباً: «ليس بالضرورة أن تكون آثاراً لـ بني آدم ؛ فكثيرٌ من الأساطير حول العالم لها أصول متشابهة. فكلا الإلهتين أرتميس عند اليونان وتايين عند الصينيين حكمتا القمر واتخذتاه مسكناً لهما و ربما في حقبة سحيقة من حضارة غابرة كان هناك العديد من الكائنات الخارقة».

ظل لو رين صامتاً تجاه كلمات نوسنوف ، يراقب في هدوءٍ عصا الإضاءة وهي تهبط ببطء إلى الأسفل. وبفضل انعدام الجاذبية على سطح القمر ، مكنّ الضوء المنبعث من العصا لو رين من رصد البنية الكلية للصدع في الأسفل بدقة متناهية.

ولعل بقاءها مدفونة تحت الأرض هو ما حافظ على روعة مباني القصر وأروقته ؛ بل إن حالة الفراغ في القمر حمت هذا الموقع الأثري من عوامل التعرية ، مما منحه مظهراً جديداً تماماً ، جعل الناظر إليه يخال أنه لم يمر عليه سوى يومٍ واحد.

ما الذي يكمن في الداخل ؟

تأمل لو رين الأمر في صمت للحظات ، ثم -وسط نظرات الذهول من جاك ونوسنوف- قفز إلى الداخل دون تردد. ومع بقاء جهاز الاتصال قصير المدى قيد العمل ، انطلق صوت لو رين الهادئ ممزوجاً بفرقعة التداخل اللاسلكي ليتردد في آذانهم:

«إن لم تتبعاني ، فسأقوم بتفجير السفينة النجمية».

جاك: «...»

نوسنوف: «...»

بعد برهة ، تنهد نوسنوف قائلاً: «الآن أدركت أخيراً ماهية الشجاعة الحقيقية».

سخر جاك ولم يضف كلمة أخرى ؛ فمنذ البداية وحتى الآن ، وخلال محاولاتهما المستمرة لسبر أغوار بعضهما البعض كان لو رين وحده من استعصى عليه فهم خباياه.

كان جاك أول من تقدم بخطواته ، وبدأ بالهبوط ببطء. أما نوسنوف ، وقد وجد نفسه وحيداً ، فقد تبدلت ملامحه التعبيرية إلى سكونٍ مطبق ، وبرقت في عينيه نظرة باردة. «هؤلاء القوم دهاةٌ حقاً. و لهذا قلت دائماً إنني أفضل ألا أكون بصحبة أولئك الأذكياء ؛ فالتعامل معهم صداعٌ لا يطاق». تمتم نوسنوف بهذا بصوت خافت ، ثم ألقى بنفسه في الفراغ دون تردد ، ليهوي جسده نحو الأسفل.

في هذه الأثناء كان التمثال القابع في البعيد ، وبعد رحيل الثلاثة ، قد اهتز مرتين بشكل طفيف قبل أن يعود إلى جموده ، وكأنه لم يتحرك من قبل.

استمر لو رين في الانجراف نحو الأسفل ببطء ، ونظر إلى الدرابزين الجانبي ، فمد يده ساحر ميتبث به ، واضعاً قدميه على الممر.

«تنبيه: لقد دخلت قصر القمر.»

«تنبيه: قد توجد هنا أسرار خفية من شأنها التأثير على العالم.»

«تنبيه: يبدو أنك اكتشفت بقايا من العصور السحيقة.»

دوت تنبيهات النظام في عقله.

ظلام دامس ، حالك السواد. فلم يكن هناك أي ضوء في هذا المكان ، باستثناء ذلك المنبعث من بدلة لو رين الفضائية. وحتى مع تسليط الضوء من فوق رأسه نحو الخارج ، بدا أن قوى الظلام تلك تمتص الضوء بقوة غامضة ومريبة.

بلغ الصمت أقصى مداه ، باعثاً قشعريرة من الرعب في القلوب ، مع شعور دائم بأن شيئاً مجهولاً يتربص في العتمة ، يراقب هؤلاء الضيوف غير المرغوب فيهم.

لم تتغير تعابير لو رين ، بل سحب عصا إضاءة من حزامه ، وشقها ليطلق وهجها ، ثم أخذ يلقي بها إلى الأمام باستمرار ، ليضمن انحسار الظلام عن كل ركن في هذا المكان. وفي لحظة ، أضحى الفناء مضيئاً كضوء النهار ، فانقشع الظلام وظهر التخطيط المعماري بوضوح.

كان تصميماً لساحة صينية بامتياز ؛ حدائق صخرية ، مقاعد حجرية ، طاولات من اليشم ، وجسر صغير مقوس يعلو بركة مياه. و لكن البركة كانت جافة ، والمقاعد الحجرية مقلوبة ، ولم يكن ثمة شيء شاذ آخر ، مما جعل المكان يبدو موحشاً للغاية.

وصل نوسنوف وجاك إلى جوار لو رين في نفس اللحظة ، وانحنى جاك ليفحص الدرابزين بدقة ، بينما كانت العين الإلكترونية في جانبه المُعدّل تُصدر طنيناً كهرومغناطيسياً خافتاً. و بعد وقت طويل ، وقف جاك وقال: «وفقاً للبيانات ، يبلغ عمر هذا المكان ستين مليون سنة على الأقل».

«ستون مليون سنة ؟» بدا نوسنوف غير مصدق.

«في ذلك الوقت كان البشر ما زالون قروداً.»

ارتسمت على وجه جاك مسحة من السخرية وهو يضحك بخفة: «هل تعتقد حقاً أن البشر تطوروا عن القرود ؟ ربما أُلهموا من قِبَل بعض الكائنات الاستثنائية».

لم يرد لو رين على كلمات جاك ، لكنه فندها في قلبه بصمت: «السمات الجسديه لـ بني آدم لا تتناسب مع كائنات الأرض ، ومن المؤكد أنها لم تتطور بشكل طبيعي».

حتى حقيقة أن هذا الفناء يعود لستين مليون سنة بدت لأمرٍ لا يصدقه العقل بالنسبة للو رين. اضطر لرفع صوته للتأكد: «ثندر ، هل أنت متأكد ؟»

هز «ثندر جاك» رأسه مجيباً: «لست متأكداً» ، وكأن الكلمات التي نطق بها قبل قليل لم تكن سوى هراء لا معنى له. ولما لاحظ لمحة استياء على وجه لو رين حتى أن نظرة نوسنوف إليه بدت غير راضية لم يجد بداً من التوضيح بحرج: «التداخل المغناطيسي القوي في هذا المكان شديد للغاية ، خاصة بعد دخول منطقة المباني هذه ، حيث ارتفعت حدته إلى مستوى آخر ، مما تسبب في اضطراب بعض أجهزتي».

لم يقل لو رين شيئاً آخر ، واتجه إلى بوابة الفناء ، دفعها ليفتحها أمام الظلام الدامس القابع خلفها. استخرج عصا إضاءة أخرى من حقيبته ، وشقها ، ثم ألقى بها ببطء نحو الداخل. و يمكن لهذه العصا أن تدوم طويلاً ، حيث يتجاوز هذا التفاعل الكيميائي أربعاً وعشرين ساعة قبل أن يخفت بريقها.

كانت المساحة المعمارية لهذا المكان شاسعة جداً. وعلى الرغم من أن أكثر من نصفها مطمور في جدار المنحدر إلا أن بعض الممرات كانت تحتوي بشكل مدهش على مساحات مفتوحة. ونتيجة لذلك لم يجرؤ لو رين على الإسراف كما فعل في الفناء السابق ، مكتفياً بإنارة مسار سيره فقط.

وبينما كان على وشك إلقاء عصا إضاءة أخرى إلى الأمام ، لمح ظلّاً يمر بسرعة على بُعد عشرة أمتار من جانبه. حيث توقف فجأة ، وعيناه حادتان ، وتحت تأثير تدفق «طاقة الشمس المشرقة» ، أشرقت عيناه بقوة ، منيرتين زاوية المبنى للحظة.

رؤية لو رين وهو يُظهر مثل هذه السلوكيات الاستثنائية أثارت تعابير متباينة لدى نوسنوف وجاك. وفي النهاية ، بادر نوسنوف بالسؤال: «لو رين ، هل وجدت شيئاً ؟»

أجاب لو رين: «ثمة شيء ما في الداخل».

أصدرت عين جاك الإلكترونية وهجاً أزرق شبحياً وهي تمسح المكان: «أجهزة الرصد الخاصة بي لم تلتقط أي شيء يستحق الذكر حتى باستخدام تحديد الموقع بالصدى ، لا يوجد هنا ما يستحق الاهتمام سوى هذه المباني».

تأمل لو رين الأمر قليلاً قبل أن يقرر أخيراً: «لننقسم ونبحث ، المكان شاسع ، والبقاء معاً قد يستغرق منا وقتاً طويلاً».

تبادل نوسنوف وجاك النظرات حين سمعا ذلك وأومأ جاك برأسه بخفة: «حسناً ، فالمكان يثير فضولي حقاً».

وعقب نوسنوف بضحكة خافتة: «أنا أتطلع بشغف لمواجهة شيء ما هنا».



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط