«أأنتظر الموت ؟» قهقه تشين غوانتشين بخفة وقال بزهو: «بل أنتظر الفرصة السانحة ، فليس الوقتُ بآتٍ بعد. إنك تدرك -يا هذا- أنَّ المصفوفاتِ حين تكتملُ صياغتُها يترسخُ بأسُها ، بيد أنَّ تلك اللحظة التي يبلغُ فيها التشكيلُ ذروته ثم يبدأُ فيها بالتراجع ، هي عينُها اللحظة التي تظهرُ فيها ثغرةٌ جوهرية».
أشار تشين غوانتشين إلى الأعلى مردفاً: «انظر إلى هذا المدى العظيم الذي يمتدُّ بين السماء والأرض ، بآلاف الأميال التي تفصلُ أرجاءَه ، والمرتبطةِ بوشائجَ روحانية ؛ فلو اعترى هذا التشكيلَ أدنى خلل ، لضاع كلُّ شيء ، ولتبددت ألفُ عامٍ من الزرعِ والنموِّ في غمضة عين».
لم يتردد لو رين ملياً ، وسأل: «وما العملُ إذن ؟»
عند سماع ذلك لم يملك تشين غوانتشين إلا أن يضحك في رفق وهو يداعبُ لحيته القصيرة: «ما عليك إلا الانتظار ؛ انتظر حتى تتشكلَ تلك الطاقةُ الشاذةُ في السماء. أظنُّ أن تلك القطعةَ من اللحم والدم ستتأثرُ تأثراً بالغاً ، مما سيفتحُ أمامنا باباً لفرصةٍ عظيمة».
وفي أثناء حديثه ، فرك تشين غوانتشين يديه وقال: «لقد قمتُ لتوّي بضربٍ من التنجيم لنفسي في القبو ، وبشرني بأنني سأنالُ عوناً من فاعلِ خيرٍ في هذه المحنة ، وما كنتُ أحسبُ ذلك سيتحققُ بهذه السرعة. أيها الزميلُ في طريق "التاو " إن كنتَ ترومُ تدميرَ هذا التشكيلِ العظيم...»
وأشار إلى رأسه قائلاً: «فلا بد لي من شرحِ الأمرِ لك. و انتظر ههنا قليلاً ، وسر معي».
استدار تشين غوانتشين ودلف إلى القبو. لم يندفع لو رين خلفه ، بل ضيّق عينيه وفتح «بصيرة القلب» متفحصاً ومستوثقاً من خلو المكان من أي مخاطرَ غير معتادة قبل أن يتكلم: «المدخلُ ضيقٌ للغاية ، إن كان لديك ما تقوله ، فقله هنا».
«يبدو أنَّ عليّ أن أبذلَ جهداً إضافياً». لم يبدُ على تشين غوانتشين أيُّ استغراب ، ففي نهاية المطاف ، هو من أقام ذلك القبو ، وإلا فكيف له أن يصمد أمام الهالةِ الشريرة لمدينة «جوليو» وتجلياتِ الشياطين والأرواحِ الأولى ؟ ولو أنَّ لو رين وافق على الدخول دون أدنى تردد ، لساوره القلقُ واشتبه في وجود مآربَ أخرى.
وعلى الرغم من قلةِ ما دار بينهما من كلمات كان كلٌ منهما يسبرُ أغوارَ الآخر دون أن يتخلى عن حذره. راقب لو رين ظهرَ تشين غوانتشين وهو يتوارى في ظلمةِ القبو حتى اختفى عن ناظريه ، ثم أشاح ببصره عنه. و لقد راودت لو رين فكرةُ مباغتته والأسرِ به ، وكان على وشك اتخاذِ خطوةٍ في هذا السبيل إلا أنَّ قلبه أطلق نذيراً مفاجئاً دون سابقِ إنذار ؛ فلو نفذ فعلتَه تلك ، لخشِيَ أن يلقى من الطرف الآخر مفاجأهً ليست بالهينة ولا باليسيرة.
لم يكن لو رين يبالي لذاته ، ولكن في مثل هذه الظروف كان توحيدُ كافة القوى المتاحةِ لمواجهة «غوانغ تشنج زي» خيراً من مواجهةِ أي تطوراتٍ غيرِ محسوبة.
«إنَّ التاريخَ مرآةٌ تُبصرُ بها الحقيقة» ؛ فعلى مر العصور ، سعى من سعى لتجاوزِ حلقةِ التناسخ عبر حملِ أرواحٍ لا تُحصى للوصول بها إلى الضفةِ الأخرى ، وما فاز منهم إلا القلة. وتلك هي الضريبةُ التي يفرضُها «مسارُ البشر». ومع أن الحديثَ عن طاقة «التشي» قد يبدو غامضاً إلا أنها حاضرةٌ بالفعل في مستوى لو رين الحالي ونظرته الثاقبة. فكلما ازداد نماءُ البشر في عالمٍ ما ، تكثفت طاقةُ «التشي» فيه.
وكما هو الحال في «العالم السفلي» ، فإن تجميعَ طاقةِ مليونِ نفسٍ لبناءِ مدينةٍ عظمى يعززُ من «غشاء اليانغ» باستغلال هذا العامل. وإن لم يطرأ طارئ ، فمع ازدياد سكان سلالة «داكيان» ، سينمو «غشاء اليانغ» ويغلظُ حتى يغطيَ العالمَ السفلي بأسره يوماً ما ، محولاً الأرضَ والسماءَ ، وناقلاً العالمَ السفلي إلى عالم «الفناء» ، ليصبحَ عالماً للخلاص.
ولكن ، ويا للأسف! أحلامٌ زاهية ، وواقعٌ مرير ؛ ففي العالم السفلي ، باتت الطاقاتُ الشيطانيةُ والخبيثةُ نظاماً قائماً لا يسمحُ بمثل هذا التوسع.
بينما كان غارقاً في أفكاره ، رأى تشين غوانتشين يخرجُ حاملاً حقيبةً كبيرةً مليئةً بالأعلامِ الصغيرة ، وقد نُقشت عليها رموزٌ ذهبيةٌ يبعثُ لمعانُها الخافتُ هالةً من الغموض. حيث كانت تلك الأعلامُ زاهيةً عظيمة ، يخالُ للمرء أن تلويحةً منها قد تشعلُ ناراً لظى. وفي حقيبة تشين غوانتشين كان هناك ما يقربُ من ألفِ علم.
رفع لو رين حاجبه متسائلاً: «أتطلبُ مني زرعَ هذه الأعلامِ الصغيرةِ داخلَ المدينة ؟»
أومأ تشين غوانتشين برأسه في حماسٍ طفيف: «بالضبط. و لقد أمضيتُ قرابةَ ثلاثين عاماً في صياغتِها. فلنُقم له تشكيلاً داخلَ التشكيل ، ولنضرب ضربتَنا حين يحينُ الأوان».
أمعن لو رين النظر ، يوازنُ بين صدقِ ما يقوله الطرفُ الآخر وبين الجدوى من التعاون معه. ومع أنه هو من سعى إليه بادئَ الأمر إلا أنَّ الطرفَ الآخر قد كشف له بوضوحٍ عن منهجه في كسرِ الحصار ، مكتفياً بأن يتبعَ لو رين توجيهاتِه.
كانت عينا لو رين غائرتين حين سأل: «أخبرني عن منهجك في "مسكن الإلهام الأسمى "».
«حسناً!» وافق تشين غوانتشين دون أدنى تردد ، مدركاً أنَّ لو رين لن يذعنَ له دون أن يُشركَهُ في سره ، خاصةً وأنَّ المعلوماتِ التي كُشفت تُظهرُ أنَّ الطرفَ الآخرَ قادرٌ على النجاةِ بشتى الطرق ، وإلا لما كان بهذا الهدوء. ومن وجهة نظرٍ ما ، فإن بقاءَ لو رين هنا ما هو إلا سعيٌ لكسرِ هذا المكان. ومن خلال مراقبة «بصيرة القلب» ، بدت حقولٌ مغناطيسيةٌ فوضويةٌ متداخلة ، ورغم اضطرابِ تقلباتِ الطاقةِ الغريبة إلا أنها رسمت طريقاً مبهماً.
وضع تشين غوانتشين حقيبةَ الأعلامِ أرضاً ، وأدى تحيةَ «التاو» بوقارٍ ، ثم قال: «أنا تشين غوانتشين ، وهذا هو لقبي في التاو ، أرثُ سلالةَ «شانغتشنج لينغشياو» ، وأتخصصُ في قمعِ الرعدِ والغرائب ، وقتلِ الشياطين ، وأمتلكُ كلَّ قوى الفناءِ والإبادةِ في العالم».
أصغى لو رين دون مبالاة ، فبقدرِ ما بدا كلامُه فخماً كان في نظر لو رين سواءٌ أكان من أتباع «التاو» أم «البوذية» ، فكلاهما يكثرُ من تعظيمِ قولِه. بدا أنَّ عليه تقديمَ برهانٍ ملموس.
لم يجد تشين غوانتشين مفراً ، ففاض بكلماتِ الحقيقةِ التي بلغت ألفَ حرف ، وأمضى قرابةَ ساعةٍ في شرحِها ببساطةٍ وكلمةٍ بكلمة. وفي تفسيرِه ، توسعت حروفُ الحقيقةِ الثمانمئةِ لتصلَ إلى محتوىً يناهزُ خمسين ألفَ كلمة ؛ وبعد ساعةٍ ونصف ، أنهى كلامَه أخيراً.
وحين جفَّ لسانُه من كثرةِ الحديث ، تناول قرعاً من خصرِه ، ونزع سدادتَه ، واحتسى جرعةً من الخمر ، ثم لعق شفتيه وقال: «هذه "سوترا قلب الإلهام الأسمى " هي ما أبدعتُه بعد قراءةٍ مستفيضةٍ لشرائعِ التاو ، واستلهاماً لتقنياتِ طولِ العمرِ من مختلفِ طوائفِ التاو ، آملاً أن تكونَ لك عوناً».
تشبه هذه التقنيةُ إلى حدٍ كبيرٍ «تقنيةَ تنفسِ السلحفاة» ؛ إذ تُديرُ طاقةَ الحياةِ داخلياً ، وتبني دفاعاتٍ عن طريقِ دمجِ الإرادةِ بحقلِ الحياةِ المغناطيسي. وكأنها تطويرٌ لعقدةِ «الأرضِ العشر» ، فهي منهجٌ متقدمٌ ومعقدٌ للغاية ، يدمجُ حكمةَ طولِ العمرِ بأسلوبٍ مبتكرٍ وفريد.
غير أنَّ هذا المنهجَ يقطعُ كلَّ صلةٍ بالعالمِ الخارجي ، مكتفياً بالدورانِ الداخلي ، ومحفزاً الخلايا على الانقسامِ الذاتي ، كما يغذي الروحَ بالجسدِ دون أن يتركَ شيئاً يتسربُ للخارج. وبالمعنى الدقيق ، إنه «جسدٌ ذهبيٌ لا تشوبُه شائبة».
بيد أنَّ هذا الجسدَ الذهبيَّ يعزلُ كلَّ شيء ، ويمنعُ الإمدادَ الخارجي ، واستغلالُ طاقةِ الجسدِ الكامنةِ قد يُفسدُ هيكلَ الحصار ، مما يُبطلُ المنهجَ برمته. شروطُه قاسية ، لكن للمكوثِ الطويلِ فهو يستحقُ العناء. للأسف ، بالنسبة لو رين ، فالأمرُ بلا طعمٍ ولا يُؤسفُ على فقدانِه.
فقد يقضي الإنسانُ العاديُّ حياتَه محاولاً التدربَ عليه دون أن يخطوَ خطوةً واحدة ، أما أولئك ذوو الإمكاناتِ العظيمةِ فيزهدون في مثلِ هذه الأساليبِ التي تنمُّ عن جبنٍ في طلبِ البقاء.
وبعد أن أمضى قرابةَ الساعتين لم يتوقف لو رين عن التدبر إلا حين أشارَ النظامُ إلى بعضِ الرؤى التي اكتسبها من «سوترا قلب الإلهام الأسمى». وحكم النظامُ بصحةِ ما جاء به تشين غوانتشين. نهض لو رين من وضعيةِ الجلوسِ متربعاً ببطء ، وراح يراقبُ تشين غوانتشين وهو يتفحصُ الأعلامَ الصغيرة ، وقد ارتسمت على وجه الأخيرِ لمحةٌ من الأسف.