الفصل 1237: الفصل 600_2
في غياهب الظلام الدامس كان كأنه شمسٌ بازغةٌ توشك على اختراق الأفق.
"هوو... "
شهق فانغ تشنج بحدة ، وزفر أنفاساً لاهبةً بيضاء. حيث كان يشعر بدمائه تغلي في عروقه وتفور ، ودرجة حرارته ترتفع باضطراد. و تدفقت تياراتٌ ساخنةٌ بجنونٍ عبر أطرافه وعظامه. و في غضون ذلك تراءى لوعي فانغ تشنج مشهدٌ غريبٌ في أعماقه ؛ ففي ذلك الفراغ الذهني كانت تعلو شمسٌ ذهبيةٌ متوهجة ، تشعُّ بضوءٍ وحرارةٍ لا مثيل لهما ، وكأنها المصدر الحقيقي لكل القوة التي تسري في جسده.
في العتمة ، رفع فانغ تشنج رأسه ببطء ، وبدا في أعماق عينيه وكأن لهبين ذهبيين ماديين يشتعلان بضراوة. حدق في الظلال المرتجفة التي انكمشت في الزاوية أمامه ، واتسعت ابتسامةٌ على محيا ركني فمه تدريجياً:
"هيا ، مرة أخرى ، لِمَ لا تعيدونها ؟ "
خطا خطوةً للأمام ، فتهشمت تحت نعل حذائه بقايا الطوب والأنقاض على الأرض بصوتٍ أجشٍّ متكسر. ومع هذه الحركة ، اندفع الهالة الذهبية الخافتة التي تغلف جسده نحو الأمام ، باعثةً حرارةً لاهبةً قادرةً على إشعال الهواء.
أصيبت مجموعة الظلال بالذعر من هذا المشهد ، وأطلقت صرخاتٍ حادةً ومضطربةً من الرعب ، وتراجعت جميعها في آنٍ واحد. تفرقت شتاتاً كالحشرات التي داهمها لهيب النار ، وتكدست بيأسٍ وهي تهرع للاختباء تحت قواعد الآلات الصدئة وفي شقوق الجدران العميقة حتى إن وهجها الأحمر المخيف أخذ يضطرب ويتلاشى.
في هذه اللحظة ، بلغت روحه القتالية ذروتها. ثم أخذ فانغ تشنج نفساً عميقاً ، فارتفع صدره عالياً ، ثم أمال رأسه إلى الخلف وأطلق زئيراً رعدياً دوّى في الظلام المليء بالخيال الوحشية:
"اغربوا عن وجهي!! "
كانت صيحته الغاضبة كزئير الأسد ، تحمل قوةً ردعيةً لا تُقهر. ومع صدى الزئير ، انفجر البريق الذهبي المنبعث من جسده بالكامل ، متحولاً إلى موجةٍ ملموسةٍ من الحرارة اللافحة التي اكتسحت المكان بدويٍّ هائل. أما الظلال المتبقية التي أصابتها هذه الهالة القوية والمتقدة ، فقد تبخرت وتصاعد منها الدخان وكأنها واجهت شمساً محرقةً أذابت الجليد. حيث صرخت من هول الفزع ، وزحفت بيأسٍ إلى فوهات الأنابيب ، والبرك ، والزوايا ، لتتلاشى تماماً في لمح البصر.
عاد الهدوء إلى محطة المياه ، وبدت الظلمة المحيطة وكأنها قد انجلت قليلاً ، كاشفةً عن الخطوط العريضة لما حوله. وقف فانغ تشنج وحيداً في الساحة الفسيحة ، وصدره يعلو ويهبط بعنف. حيث كان جسده بأكمله ينضح حرارةً وبخاراً ، وتتصاعد منه خيوطٌ من الدخان الأبيض من جبينه وكتفيه. بدا كأنه رجلٌ حديديٌّ خرج لتوّه من فرنٍ صهر ، فكان جلده محمراً من شدة الحرارة وعروقه بارزة.
استعاد فانغ تشنج هدوءه ، وشعر بالحرارة اللاهبة في داخله لم تخمد بالكامل. حيث كانت هذه القوة غريبةً عليه وفي الوقت ذاته مألوفةً بالفطرة ، وكأنها متصلة بدمائه. شهق بعمق ، ونظر إلى يديه بعدم تصديق: هل ضرب هذه الأطياف بالفعل حتى تلاشت ؟
نظر إلى ظهر يده ؛ فقد اختفى التورم الأحمر الذي خلفه المطر الأسود الحارق ليلة أمس تماماً تحت تأثير تلك الحرارة ، ولم يترك وراءه أي أثرٍ لندبة. أشرقت عينا فانغ تشنج ، وشعر بالأمل يوقد في قلبه ؛ فإذا كان بإمكان هذه القوة تبديد تلك الوحوش ، إذن فمن المؤكد أن شوه مينغ وغيره من الأعضاء الممسوسين لديهم فرصةٌ للنجاة.
بينما كان يفكر في ذلك أخذ فانغ تشنج نفساً عميقاً ، وأصبحت نظراته حادةً للغاية. نفض بقايا الأبخرة السوداء عن قبضتيه ، واستدار ، وخطا بخطواتٍ واسعةٍ نحو أعماق ظلام المصنع.
بعد أن سار لمسافةٍ قصيرة ، وخلف صفٍ من خزانات التصفية المهجورة ، التقط فانغ تشنج صوت لهثٍ ثقيل. حيث كانت هناك هيئةٌ نحيلةٌ ترتدي ملابس مموهة ، منحنيةً وتتسلل كالوحش في الظلال ؛ إنها وانغ لان ، رئيسة جمعية أبحاث الخوارق.
عند سماعها وقع الخطوات ، التفتت وانغ لان برأسها فجأةً ، ورغم أن عينيها قد تحولتا بالكامل إلى اللون الأبيض إلا أنها حددت موقع فانغ تشنج بدقة. ومع زمجرةٍ منخفضة ، دفعت بساقيها بقوة ، وقفزت كفهدٍ متعطشٍ للدماء ، متجهةً بيديها ذواتي الأظافر السوداء نحو وجه فانغ تشنج مباشرةً.
لم يتراجع فانغ تشنج ، بل واجه الهجمة بخطوةٍ جانبيةٍ هادئةٍ أفلتته من الهجوم الحاد. واستغلالاً لزخم اندفاعها ، رفع ساقه اليمنى بسرعة ، ووجه ركلةً أماميةً حاسمةً وقويةً أصابت بطن وانغ لان بدقة.
"باااانغ! "
طارت وانغ لان إلى الخلف ، وسقطت بثقلٍ على الأرضية الخرسانية المغبرة. وقبل أن تنهض كان فانغ تشنج قد اقترب منها بالفعل ؛ فثبّت بطنها بركبةٍ واحدة ، وأطبقت يداه ككماشتين حديداياتان على رقبتها. وبالطبع ، ولكي لا يعرض حياة زملائه للخطر ، كبح جماح قوته قليلاً ؛ فهي في نهاية المطاف ليست سوى ممسوسة ، ولا يمكنه بأي حالٍ استخدام الضربة القاتلة التي استخدمها ضد الظل لينهي حياة رفيقةٍ له.
"اخرجي من جسدها! " أمرها فانغ تشنج بحدة ، وزاد قبضته قليلاً.
كانت قصبة وانغ لان الهوائية مضغوطةً بقوة ، وكانت أطرافها تتخبط بعنف. خدشت أظافرها الأرضية الأسمنتية محدثةً صوتاً حاداً وهي تحاول فك أصابع فانغ تشنج ، لكن تلك القوة التي اكتسبتها من الكيان الشرير قُمِعت تماماً تحت تفوق فانغ تشنج المطلق ، فلم تعد قادرةً على إحداث تأثيرٍ يُذكر.
"هيسسس.. هيسسس.. هيهيهيهيه... "
فتحت فمها وأخرجت سلسلةً من المقاطع الصوتية الغريبة والمبهمة من حنجرتها. حيث كان صوتها يشبه فحيح أفعى سامة تخرج لسانها ، مما يبعث القشعريرة في الأجساد ويجعل الشعر يقف ذعراً. لم يفهم فانغ تشنج ما الذي تتمتم به هذه الوحوش ، ولم يرغب في فهمه ، بل اكتفى بالحفاظ على وجهٍ جامد ، وواصل تشديد قبضته ، وعيناه تفيضان بالعزم القاسي ، عازماً على استخدام الاختناق المادي لطرد الظل بالقوة.
ومع ذلك وفي تلك اللحظة بالذات ، بدا أن موهبةً معينةً كانت مختومةً منذ زمنٍ طويل في أعماق عقل فانغ تشنج قد فُعّلت بهدوء. تلك الأصوات التي كانت مجرد فحيحٍ غير مفهوم ، تُرجمت في أذنيه فوراً إلى جملةٍ واضحةٍ وكاملة:
"أنت... لست... من هذا العالم... "
توقفت يد فانغ تشنج فجأة ، وحدق في عيني وانغ لان اللتين انقلبتا إلى الأعلى ، ثم سأل بلهجةٍ حازمة:
"عن أي شيء تتحدثين ؟ "
بدا أن الوحش الذي يستحوذ على جسد وانغ لان قد استشعر دهشة فانغ تشنج وريبته ، فالتوت ملامح وجهها بطريقةٍ غريبةٍ ورسمت ابتسامةً شريرةً ومروعة ، وخرج صوتٌ أجشٌ وغريبٌ من فمها مجدداً:
"سوف يتم... استهدافك... من قِبل السيد المقدس... قدرك... محتومٌ ولن تستطيع الفرار... "
عندما سمع فانغ تشنج ذلك عقد حاجبيه بشدة:
"أي سيدٍ مقدس ؟ وأي عالمٍ هذا ؟ أيتها اللعينة ، عن ماذا تتحدثين بالضبط ؟! "
وبينما يتكلم ، توترت عضلات معصمه فجأة ، وزادت القوة التي تعصر الحنجرة بضع درجاتٍ لا إرادياً. وما إن أتم كلماته حتى بدأت وانغ لان تتشنج بعنفٍ شديد ، وظهرت على وجهها علامات ألمٍ لا يطاق ، وانفتح فمها إلى أقصى حد.
"أغغغ—— "
تدفقت جرعةٌ كبيرةٌ من مياهٍ سوداء كريهة ، مختلطةً بدخانٍ أسود ، من فمها بغزارة ، وتناثرت على البلاط المجاور لتصدر صوت "فحيح ". ذلك الظل ، وبمجرد خروجه من الجسد ، احترق بفعل هالة الدماء اللافحة المنبعثة من فانغ تشنج ، فأطلق صرخةً حادةً ، ولم يجرؤ على البقاء ثانيةً واحدة ، ليتلاشى في الظلام المحيط كمن واجه عدواً طبيعياً.
رأى فانغ تشنج ذلك فأطلق سراحها بسرعة ووقف متراجعاً إلى الجانب. و سقطت وانغ لان على الأرض وهي تلهث طلباً للهواء النقي ، وعادت عيناها -اللتان انقلبتا سابقاً- تدريجياً إلى صفائهما الطبيعي ، وتلاشى ذلك المظهر الميت عن وجهها كمدٍّ يتراجع. فركت رقبتها ، وجلست بصعوبة ، ونظرات الحيرة في عينيها.
"سعال... سعال... فانغ تشنج ؟ ماذا حدث ؟ "
بلعت ريقها بصعوبة ، وشعرت بحنجرتها تحترق وتضيق كان شعوراً وكأن أحدهم قد خنقها بيده بقوة.
"هل ما زلنا في محطة المياه ؟ داتشوانغ ، وشوه مينغ ، ولين شيو ؟ "
نظرت فى الجوار ، وكان رأسها ما زال مشوشاً بعض الشيء. و نظر فانغ تشنج إلى آثار الكدمات الخضراء الواضحة على رقبتها ، وبقي هادئاً ، متظاهراً بعدم المبالاة ، ورد قائلاً:
"لقد كنتِ ممسوسةً من قِبل تلك الأشياء القذرة لتوكِ ، لكن لا تقلقي ، فقد وجدتُ طريقةً للتعامل معهم. "
"حقاً ؟ "
بمجرد سماع ذلك نحّت وانغ لان ألم حنجرتها جانباً ، ورفعت رأسها بفرح. لم يسهب فانغ تشنج في الشرح ، بل اكتفى بالإشارة بذقنه وقال:
"هيا بنا ، لنبحث عن الآخرين أولاً. "
بعد ذلك قاد فانغ تشنج وانغ لان ، وبحثا ذهاباً وإياباً في مبنى المصنع المعقد ، ووجدا تباعاً شوه مينغ ، ولي داتشوانغ ، ولين شيو الذين كانوا جميعاً ممسوسين وفقدوا وعيهم في زوايا خزان المياه ووحدة المولدات. وفي كل مرةٍ كان يجد فيها أحدهم كان فانغ تشنج يندفع نحوه دون تكلف ، ويوجه إليه اللكمات والركلات ، متحكماً في قوته بما يكفي لتبديد الظلال دون كسر أي عظام. وهكذا ، وباستخدام قوة التأثير المادي البحت ، نجح في "ضرب " تلك الظلال الممسوسة وإخراجها من أجساد زملائه بالقوة.