الفصل 63: لا تتحرك يا كوزان!
حين وصله التقرير توقف ضابط البحرية الموجود على الطرف الآخر من الخط عن التنفس فجأة. وبعد لحظة من الذهول ، برزت الأوعية الدموية في عينيه ، واصطبغ وجهه بعرق بارد ، ثم صك على أسنانه وهو يصرخ:
"مهلاً! أيها الجندي! هل أنت متأكد مما رأيت ؟! هذا ليس بالأمر الهزلي!!! "
لكن قبل أن يُتمَّ سماع التقرير ، تبدلت ملامح "دن دن موشي " (حلزون الاتصال) فجأة ؛ من القلق إلى هدوء مريب ، مرتدياً ابتسامة خافتة ، مع بريق قرمزي يتلألأ في عينيه. ذاك التحول الفوري جعل فروة رأس الضابط تشعر بالخدر ، وتسلل الرعب إلى أعينه دون إرادة منه....
فوق سطح بناية شاهقة كان "أوريزين " يتفحص باسترخاءٍ حلزون الاتصال الذي انتقل آنياً إلى يده. و في هذا البناء الشاهق الذي لم تمسه نيران المدافع ولا دخانها ، اتكأ أوريزين بمرفقه على السياج في ملامح لا مبالية. ورغم وضعيته المريحة لم يجرؤ أيٌّ من جنود البحرية أو عملاء الـ "سي بي " المحيطين بالمبنى على اتخاذ أي خطوة.
كان حذر البحرية ينبع من الرجل الماثل أمامهم ؛ مجرم خطير ذو صيت سيئ ، دمر يوماً ما نصف "مارينفورد " وهو معتوه تعجز أقوى الكفاءات القتالية في البحرية عن التصدي له. أما عملاء الـ "سي بي " التابعون للحكومة العالمية مباشرة ، فقد كان خوفهم نابعاً من توجيه سري للغاية صادر عن أعلى السلطات:
[إذا واجهتم تدخل "أوريزين " أثناء مهمتكم ، أوقفوا جميع العمليات فوراً ، وانتظروا تعليمات إضافية من القيادة قبل المضي قدماً.]...
على الطرف الآخر من حلزون الاتصال لم تكن توترات ضابط البحرية أقل من تلك التي يعيشها مَن هم في الأسفل. وبينما كان يتردد في إنهاء المكالمة والركض لإبلاغ رؤسائه ، جاءه صوت لطيف عبر الحلزون:
"موشي موشي~ "
"هل أنت ضابط بحرية ؟ أرجوك صلني بكوزان ، وأخبره أن صديقاً قديماً يبحث عنه~ "
"إذا أغلقت الخط ، فقد انتهيت ؛ فقد حفظت ملامح وجهك بالفعل. "
عند سماع ذلك اصفرَّ وجه الضابط ، وشعر كأنه ابتلع دواءً مرّاً لا يستطيع لفظه. و لقد أصدرت القيادة أمراً صريحاً: يُمنع على البحرية الاشتباك مع أوريزين دون أمر مباشر. وإذا استفزه وتسبب في هجومه على البحرية ، فهو لا يعلم إن كان أوريزين سيعاقب ، لكن المؤكد أن حكومة العالم ومارينفورد ستلاحقانه!
اللعنة!!! و لماذا أنا بهذا النحس ؟!
دون اكتراث لأي شيء آخر ، انطلق راكضاً نحو السفينة الحربية التي رست للتو ، وهو يحتضن حلزون الاتصال المبتسم بين يديه بحذر....
حين رأى الضباط المتمركزون عند السفينة الحربية هذا الرجل يهرع نحوهم ، مدوا أيديهم لاستجوابه ، ليجدوا أنه تجاهلهم تماماً واقتحم السفينة....
على ظهر السفينة كان "كوزان " على وشك النزول حين رأى مرؤوساً يندفع نحوه. ما كان اسم هذا الرجل يا ترى ؟ آه ، صحيح... "ديك " ؟ وبالنظر بتمعن كان الرجل يحمل حلزون اتصال.
لم يدرك كوزان حينها أن "ديك " كان يشعر ببؤس لا يوصف ؛ فالمصائب التي يخشاها المرء هي التي تجده دائماً!
في الأيام التي تلت غزو مارينفورد ، حين رأى ذلك الوجه الوسيم في الأخبار ، أدرك الخطأ الفادح الذي ارتكبه ؛ فقد كان "أوريزين " ذو المسدس الأسود هو الرجل الذي أدخله بنفسه إلى مارينفورد!
لو علم قائد الأسطول أو الأدميرالات بالأمر... لسيق إلى محكمة عسكرية... لا ، بل الأرجح أنه سيُعدم فوراً! لذا لم يخبر أحداً ، بل وأسكت كل الجنود الذين رأوا وجه أوريزين ذلك اليوم. ظن أن الأمر انتهى ، وكان يطمع في نيل وسام شرف ، لكنه لم يتخيل قط... أن تطارده هذه الكارثة مجدداً!
الآن و كل ما أراده هو تسليم الحلزون والرحيل بعيداً عن هؤلاء الوحوش. و لكن الأقدار كان لها رأي آخر. فبينما كان على وشك تسليم الحلزون لكوزان ، ظهر طيفان من العدم. أحدهما كان يرتدي ابتسامة شريرة ، وربت على كتف "ديك " ناظراً إلى عينيه الجاحظتين وقال بهدوء:
"شكراً مجدداً ، أيها القائد ديك ، على إرشادي بلطف. "
"يا لهول الكارثة! " (بدلاً من مثل "جمبري القلب ورئة الخنزير "). بدا "ديك " وكأنه على وشك الانهيار ، وكأنه يرى مستقبله المظلم يتشكل أمام عينيه....
وبالطبع لم يكن "ديك " وحده من ذُهل بظهور أوريزين المفاجئ. اتجهت أنظار الجميع نحو الشخصية الطويلة الوسيمة بزيها العسكري الأسود ، وهي تحمل سلاحاً ونصلاً ، وتبتسم قائلة:
"طال الغياب يا رفاق~ "
فُغر فم كوزان ذهولاً للحظة ، ثم تقطب وجهه وتشنجت قبضتاه:
"هذا... مستحيل! "
"أشارت المعلومات إلى أن ’المسدس الأسود‘ غادر أرخبيل شابوندي قبل أيام فقط. كيف يمكن أن يكون هنا في الأزرق الغربي ؟! ؟! "
بينما كان كوزان مذهولاً كان كبار ضباط البحرية أبطأ في رد الفعل ، وارتسمت على وجوههم ملامح عدم التصديق. فقبل أيام فقط ، وفي اجتماع رسمي ، استعرضوا آخر آثار "المسدس الأسود "!
الآن ، اتجهت أنظار الجميع نحو الشاب ذي الشعر الأسمر الطويل والمنسدل. و لكن أوريزين اكتفى بابتسامة خفيفة. ورغم هدوئه المعهود لم يشعر كوزان بإعجاب ، بل بقشعريرة باردة تنبعث من جسده ، وبدأ الصقيع يتشكل حوله.
"ما زلت حيوياً كما عهدتك ، كوزان. "
حياه أوريزين كصديق قديم ، متجاهلاً رغبة القتل الملموسة في عيني كوزان....
عضَّ الأدميرالات المساعدون والقادة من حوله على شفاههم ، وتحملوا البرد ليتسابقوا نحو كوزان ويقيدوه:
"لا يمكنك فعل ذلك أيها الأدميرال كوزان! أوامر حكومة العالم تمنع منعاً باتاً أي اشتباك مع ’أوريزين‘ ما لم يصدر تصريح صريح بذلك!!! "
نظر كوزان ببرود إلى الأسفل ، وتشكل الصقيع على نظارته الشمسية وهو يرمق زملاءه قائلاً بحدة:
"لا توجد أوامر بالهجوم ؟ أليس نداء الإبادة (نداء المدمر) أمراً ؟ أليس أوريزين موجوداً في جزيرة أوهارا ؟ "
تجمد الضباط في أماكنهم:
"هذا... "
"إذن أنا فقط أتبع الأوامر ، أيها السادة. "
وبمجرد أن انقضت هذه الكلمات ، انفجرت دفعة من بتلات الجليد تحت قدمي أوريزين ، ومع ذلك لم تصب هدفها. تلاشى أوريزين في لمح البصر. أما "ميهوك " الذي لم ينتقل معه ، فقد تفادى الهجوم فوراً مستخدماً "هاكي التنبؤ " وأعاد تمركزه في جانب آخر من السفينة.
"أوي أوي ، كوزان. طال الغياب. أهكذا تستقبل شخصاً ما ؟ "
"لا تنسَ ، يا أوريزين... كل ما أشعر به تجاهك هو رغبة قاتلة لا تنتهي!!! "
تقوست شفتا أوريزين في ابتسامة ساخرة ، وفي طرفة عين ، ظهر خلف كوزان. استشعر كوزان الأمر بـ "هاكي التنبؤ " وبدأ بالاستدارة والمباغتة ، لكن قبل أن يتمكن من ذلك همس صوت هادئ في أذنه:
"لا تتحرك يا كوزان. "...
حدثت ظاهرة غريبة ؛ تجمد جسد كوزان في مكانه ، وشُلَّت حركته للحظة وجيزة ، وكأن الزمن قد توقف.