الفصل الرابع والخمسون: أحملُ سيفاً.. فهل يجعلُني ذلك مبارزاً بالضرورة ؟
حين وقف ذلك الشاب الذي يحملُ نصلاً ضخماً أمام "أوريزين " اعترف الأخير في قرارة نفسه أنه شعر بفضولٍ يداعبُه قليلاً. حيث كان قد سمع بهذا الفتى "ميهوك " من قبل ؛ فهو تماماً كـ "رورونوا زورو " في المستقبل ، مبارزٌ يجوبُ الآفاق متحدياً كل قويٍ يلقاه ، طامحاً لأن يغدو أعظم مبارزٍ في العالم. و لكنه لم يتوقع أن يظهر هذا الفتى بهذه السرعة....
قبل ثلاثة أيام—
حين وصل الفتى لأول مرة واكتشف غياب "أوريزين " أصرّ على البقاء متربصاً أمام حي الملاهي لثلاثة أيام وليالٍ طوال. و في نهاية المطاف لم يعد أحد العاملين قادراً على تحمل وجوده ، فبادره بالسؤال عن سبب بقائه ، حينها كشف الفتى عن غايته: إنه هنا ليتحدى "أوريزين-ساما ".
وعندما وصل الخبر إلى "سامي " لم تأخذه على محمل الجد ؛ فاسم "أوريزين " يتردد صداه عبر البحار ، ولو كان عليهم أن يهتموا بكل طائشٍ يقرع أبوابهم للنزال ، لأصابهم الجنون من كثرة المتاعب. وهكذا ، ظل "دراكول ميهوك " -أعظم مبارزي المستقبل ، وأحد "التشيبوكاي " المستقبليين ، وأحد الأباطرة القادمين- يقبعُ مثل تمثال حارسٍ عند مدخل الحي ، وعيناه الثاقبتان كعيني الصقر تمسحان وجوه المارة ، بحذرٍ يفوق حذر حارس أمنٍ يراقب سائقي التوصيل ، خشية أن يغفل للحظة فيفوتَ هدفه.
وما لم يعلمه الفتى.. أن "أوريزين " كان قد اخترق المكان بلمح البصر وظهر داخل حمام الحي. فبعد أن قضى أياماً في تطوير قدرات "فاكهة الشيطان " الخاصة به ونجاته على جزيرة مهجورة ، عاد "أوريزين " وقد أنهكه التعب. وتحت ترحيب مدير الحمام المرتعد والمصدوم ، خلع ملابسه ونزل إلى الينابيع الساخنة ، ليبدأ لحظاتٍ نادرة من الراحة والاستجمام.
"طرق طرق— "
"ادخل. "
وصلت "سامي " ومعها فريقٌ من الخادمات الجميلات ومائدةٌ عامرة بكل ما لذّ وطاب ؛ فقد رُتِّبَ كل شيء في لمح البصر ، خدمةٌ ملكية من الألف إلى الياء. حيث كان "أوريزين " يتكئُ بكسلٍ على سطحٍ وثير ، يتبادل أطراف الحديث عن مستجدات البحار ، حين وردت إلى مسامعه أخبارٌ مفاجئة:
"أتقولين إن ميهوك ينتظرني خارج حي الملاهي منذ عدة أيام ؟ "
لمعةٌ غريبة تراقصت في عيني "أوريزين ". وبعد لحظةٍ من التفكير ، ارتسمت ابتسامةٌ على طرف شفتيه وقال:
"إذن ، دعونا نلتقِ به. "...
وحين رأى الشاب الذي انتظر أياماً ليحظى بنزاله ، أن خصمه كان يستمتع بوقته في حي الملاهي طيلة تلك الفترة ، ارتعش جفن "ميهوك " مرتين. ومع ذلك رفع نصله الأسود "يورو "!
"...أوريزين صاحب المسدس الأسود! اقبل تحديي! "
"تحدي ؟ ولماذا ؟ "
"لأهزمك! أنا الرجل الذي سيصبح أعظم مبارزٍ في العالم!!! "
في الحقيقة كان الشاب "ميهوك " يفتقر إلى الرزانة التي تميز بها في العقدين اللاحقين ؛ فقد كان متقداً حماسةً كزورو تماماً. جعل هذا "أوريزين " يتذكر "شانكس " الذي اعتاد تحديه مراراً على ظهر سفينة "روجر ". لكن بالنسبة لرجلٍ مثله -زاهدٍ لا يملك أدنى طموح- لم تكن هذه الأحلام المشتعلة تستهويه كثيراً. فالأمر ليس وكأن أحداً ينافسه على لقب "أعظم رامي في العالم ". بل على العكس ، وجد الموقف برمته يبعث على الضيق ؛ فلو انتصر ، سيلتصق به لقب "أعظم مبارزٍ في العالم " وسيضطر للتعامل مع جيشٍ من المتحدين.
أما أن يتظاهر بالخسارة ؟ فهذا ليس من شيمه ؛ فهو "إله الحرب " الذي لم يعرف الهزيمة. وبخصوص الخسارة الحقيقية ؟ فلم يفكر "أوريزين " فيها قط ؛ فهذه الكلمة غير موجودة في قاموسه.
"...حسناً يا ميهوك ، ليس الأمر أنني أرفض قتالك.. لكنني لستُ مبارزاً ، فما الجدوى من قتال رجلٍ مثلي ؟ "
عند سماع ذلك شعر "ميهوك " الشاب أن في ذكائه إهانة ، وانبعثت هالةُ سيفه الحادة من عينيه.
"تشقُّ السماء بضربةٍ واحدة ، وتصمد في وجه ثلاثة وحوشٍ من البحرية.. ثم تقول إنك لستَ مبارزاً ؟ "
"ومن قال إن مجرد حمل السيف يجعلك مبارزاً ؟ أنت أحياناً تطهو الطعام ، فهل يعني هذا أنك طاهٍ ؟ "
"... "
عجز "ميهوك " عن الرد.
"... "
صمتٌ طويل.
وبدا أن "ميهوك " اقتنع بأن "أوريزين " لن يقاتله ، فخفتت حدة عينيه ، وظهرت على وجهه الغض مسحةٌ من خيبة الأمل وهو يستعد لمغادرة هذا المكان الذي خيب ظنه. ولكن ، فجأةً ، قال "أوريزين " جملةً أوقفته مجدداً:
"يمكنني قبول التحدي ، بشرطٍ واحد. و إذا خسرتَ.. "
وقف "أوريزين ". فبمجرد ذكره لكلمة "طاهٍ " منذ قليل ، تذكر شيئاً ما. و في نهاية المطاف ، سيخرج إلى البحر ، وحتى لو لم يؤسس طاقم قراصنة ، فهو سيسافر ويشهد الكثير من العجائب ، ومما لا شك فيه أنه لن يفعل ذلك وحيداً. صحيحٌ أنه يستطيع العيش بقسوة كما فعل على الجزيرة المهجورة -بين سمكٍ مشوي ولحمٍ محمص- لكنه لا يستطيع العيش هكذا للأبد.
وجود رفيقٍ يتبادل معه الحديث سيقطع رتابة الوحدة. ولو أحضر فتاةً من حي الملاهي ، فسيضطر لحمايتها باستمرار ، وهو أمرٌ مثيرٌ للأعصاب. لذا ما يحتاجه هو طاهٍ يعتمد عليه ، قوي ، ومكتفٍ ذاتياً ، لديه خبرة في الملاحة الفردية ، ولا يميل للضياع.
والآن ، من عساه أن يكون ؟ يا له من لغز!
"شرط ؟ "
توقف الشاب ذو الشفرة السوداء ، والتفت ببطءٍ ليحدق في "أوريزين " الذي كان يخطط لشيءٍ ما ، وكأنما سمع نكتة. و لكن تلك العينين الصقريتين كانتا تحملان عزماً لا يلين وروحاً قتاليةً جامحة.
"أعلن عن شروطك!
إذا سقطتُ أمام نصلك ، فإذاً.. "
أشار بيده إلى صدره بصوتٍ وقور:
"يمكنك أن تأخذ حياتي.. لا يهمني الأمر!!! "
أدت تلك الاستجابة إلى ارتجاف عين "أوريزين " بعنف. اللعنة ، كم كان جاداً حد التطرف!
"وماذا سأفعل بحياتك ؟ فقط رافقني إلى البحر لبضع سنوات ، اطهُ لي بعض الطعام ، وما شابه ذلك من الأمور. "
أمعن ميهوك الشاب التفكير قليلاً ، ثم وافق على الفور.
"حسناً. و لكن بعد أن أهزمك ، سأواصل البحث عن خصمي القادم. "
ابتسم "أوريزين " وهو يمشي باتجاه ميهوك.
"إذن سيتعين عليك الانتظار لسنواتٍ عديدة. "
"تقصد أنني ما زلت بحاجةٍ لبضع سنواتٍ من النمو قبل أن أستطيع هزيمتك ؟ "
"...لا ، أقصد أنني بمجرد أن يتحسن مزاجي بعد بضع سنوات ، سأدعك تذهب. "
"... "
لم يقل "ميهوك " شيئاً ، لكنه أحكم قبضته على سيفه. يا له من رجلٍ متغطرس!
بالطبع لم يكن الاثنان بصدد بدء المبارزة في منتصف أرخبيل "شابوندي ". ركّز "أوريزين " طاقته ، وبدأت المساحة من حولهما تلتوي.
"هذا.. " لاحظ "ميهوك " التغير.
"استرخِ ، إنها فقط قدرة فاكهة الشيطان الخاصة بي. "
في الماضي ، ركز "أوريزين " بشدة على تطوير "الهاكي " وأهمل قدرات فاكهته ، لكن بعد تدريبه الأخير ، اكتشف بعض الخدع المذهلة ، مثل الانتقال الآني له وللآخرين ، أو جلب الأشياء البعيدة إليه فوراً.. باختصار ، مزيجٌ من تقنيات التلاعب بالزمان والمكان.
وبعد بضع قفزاتٍ هوائية ، وصل الاثنان سريعاً إلى جزيرةٍ تغطيها الغابات. فظهر طيفهما في ساحةٍ عند أطراف الغابة ، وضيّق "ميهوك " عينيه الصقريتين كعادته ، وكان على وشك أن يخطو للأمام—
إلا أنه شعر بشيءٍ.. غريب تحت قدميه. لزوجة ؟
"... "
"هههههههه—آسف! إنها المرة الأولى التي أصطحب فيها شخصاً معي ، انتهى بي الأمر بوضعه فوق كومةٍ من الفضلات. "
ضحك "أوريزين " بمشاكسة وهو يعتذر.