الفصل الخامس والتسعون: الوصول إلى بوابة مدينة هيمسبورغ
كان الجبلُ شامخاً مهيباً ، والآن شقه صدعٌ بعرض متر واحد من قمته حتى قاعدته ، فانقسم الجبل برمته نصفين بأزيزٍ مدوٍّ هز الأركان ؛ لدرجة أنه كان بإمكانه عبور الجبل من خلال ذلك الشق لو أراد. ذكّره هذا ببعض القصص الأسطورية عن شق البحر ، لكنه فعل ذلك بجبلٍ في ضربة واحدة.
لم يشعر بأدنى مقاومة تُذكر حينما تلاقت ضربتُه مع سطح الجبل الصخري ، على عكس المرات التي كانت تستخدم فيها سيفه من الفئة النادرة. بل راوده شعورٌ بأن ثمة شيئاً لو كان خلف الجبل بدلاً من الفراغ ، لكان قد نال نصيباً وافراً من وطأة الهجوم.
كانت سيخارجين تراقب من مسافة بعيدة ، وحين رأت الجبل ينقسم بقطعٍ نقيّ كأنه ضربة سيف واحدة ، انفرج فاها ذهولاً ؛ فقد بدا الأمر وكأنه أبعد ما يكون عن قدرة البشر. حيث كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها قوةً بهذا القدر من الغموض والتعقيد. و أدركت حينها أن الضباب المُحَرم لن يفلح في إيقاف ليون البتة. فبعد انقضاء المهرجان ، عقدت العزم على أنه لا طائل من البقاء في هذا النطاق الأدنى ، وقررت الرحيل إلى النطاق الأوسط.
---
بالنسبة لليون كان قد مضى عامان وثلاثة أشهر ، أما بالنسبة لها فلم يمر سوى تسعة أشهر. ما زال أمامها الكثير من الوقت للوصول إلى مستوى "الخبير العظيم " في تعزيز جسد المانا ، ولم يكن ذلك كل شيء ، إذ كانت تتدرب بانتظام على هالتها من المستوى الأول ، والتي كانت تُظهر تقدماً بطيئاً لكنه ثابت. حيث كانت تعلم أنها إذا بلغت المستوى الثاني في هالتها ، فستتمكن من الدفاع عن نفسها بسهولة ؛ لن تضاهي مستوى تلميذها الذي فاق البشر ، لكنها ستكون قوية للغاية.
كانت مسرورة بمعدل تقدمها ، وقد تخلت تماماً عن مقارنة نفسها بليون الآن. إن مشهد جبل شاهق ينقسم إلى نصفين بضربة من سيفه لم يزدها إلا فخراً وإجلالاً له.
---
مرت سبعة أيام في العالم الخارجي. أمضى ليون ما مجموعه ثمانية عشر عاماً داخل الفضاء البعدي للتدريب فقط. حيث كان من الممكن أن تكون تسعة عشر عاماً ، لكنهما كانا يضطران للخروج من الفضاء البعدي للحصول على الطعام والاحتياجات الأساسية. و كما أنهما في غضون كل أسبوع كانا يخصصان أوقاتاً للرومانسية معاً.
فُتح باب العربة فجأة بصوت صرير حاد ، مما دفع ليون وسيخارجين إلى فتح أعينهم. وبحكم كونهما في الداخل كان بوسعهما استشعار اقتراب أي شخص.
"سيدتى ، ثمة مشكلة في الخارج " سارعت كايلا بنطق هذه الكلمات ، وعلى وجهها تعابير الضيق ، والغضب بادٍ على ملامحها.
وما إن فتح ليون عينيه للحظة حتى تسرب منه ضغطٌ هائل — وومف — جعل كايلا تصطك أسنانها وتوشك على الجثو على ركبتيها ، لولا أن ليون سيطر عليه في أقل من ثانية. و نظرت كايلا إلى السيد الشاب ليون بغرابة ، فالضغط كان صادراً منه ، لكنها آثرت تجاهل الأمر ، إذ لم تشر إليه سيدتها ولا السيد الشاب بكلمة.
كان ليون الذي تسبب في ذلك الزلل ، قد عزم على التدريب لمدة شهر على الأقل داخل بُعد الزمن بجسده المادي ليعتاد على كل ما تعلمه ؛ لأن هفوة بسيطة منه قد تودي بحياة الناس ، لا عن قصد ، بل عن غير عمد.
أما سيخارجين ، فلم تتأثر كثيراً بالضغط ، لكنها شعرت به بوضوح. ومع ذلك كانت تدرك أن هذا ليس سوى قطرة في بحر مقارنة بما شهدته في السنوات الست الماضية من تدريبها. و لقد نجحت في الوصول إلى مستوى "الخبير العظيم " في تعزيز جسد المانا ، أما بخصوص هالتها من المستوى الثاني ، فقد كانت على مشارف بلوغها ، لكنها لم تصل بعد. حيث كانت تشعر بأنها بحاجة إلى خصم قوي ليستخرج منها تلك القوة كما حدث في المرة السابقة.
نظرت إلى كايلا التي بدت مضطربة. و لقد دخلوا مملكة "شامبانيا " قبل يوم ، والآن توقفت عربتهم عند بوابة العاصمة "هيمسبورغ " التي كانت تستطيع رؤيتها من النافذة.
"ما المشكلة يا كايلا ؟ ولماذا لم يُسمح لنا بدخول المدينة ؟ " سألت سيخارجين بصوت حاد. حيث كانت تستطيع تخمين ما يحدث ؛ فقد وقع الأمر متأخراً عما توقعت ، فابن الدوق لا بد وأنه كان على علم بموعد قدومهم منذ فترة ، ولا بد أنه يدبر لمكيدة ما ويتحرق شوقاً للانتقام.
'إذن لقد تحركوا حين أصبحنا في قلب أرضهم. أذكياء حقاً ، لكن ذلك لن يغير شيئاً. '
"سيدتى حتى بعد رؤية شعاركِ وسماع اسمكِ ، أصروا على تفتيش العربة ، زاعمين أنهم تلقوا أوامر بتفتيش كل من يدخل المدينة بغض النظر عن رتبته ؛ وذلك لوجود شائعات داخل المدينة بأن ثمة عصابات تحاول إثارة الفوضى منذ وقت المهرجان ، وفقاً لمعلوماتهم. "
حتى كايلا كانت تعلم أن هذا محض هراء ، وتدرك سبب ما يحدث. حيث كانت قلقة بعض الشيء ، فمهما بلغت قوة سيدتها ، فإن دخول أرض العدو بهذا العدد القليل من أتباعها ليس تصرفاً حكيماً.
"هل نعود يا سيدتي ؟ فالمهرجان لا يستحق المخاطرة بالسقوط في فخ كهذا. " لم تكن تريد للسيد الشاب ليون أن يصبح هدفاً لهذه المؤامرة.
جاء صوت سيخارجين واثقاً "لا تقلقي يا كايلا. أعرف ما يقلقكِ ، وسأتعامل مع الأمر برمته على خير ما يرام. " لم تشكك كايلا في كلامها بعد سماع ذلك — مهما بدا الأمر لا يصدق — فهي تعلم أن كلمات سيدتها لا تذهب سدى أبداً.
ارتسمت على وجه ليون ابتسامة مشرقة حين سمع كل هذا ، فقد منحه ذلك أسباباً إضافية للتحرك ضدهم. حيث كان يدرك أنه مستهدف ، وقد أسعده معرفة ذلك.
سار ليون بصحبة سيخارجين نحو الحراس ، متمشياً على جانبها الأيمن — لا خلفها ، بل بجانبها. الحراس الذين كانوا يرون "قائدة دسك مور " ذائعة الصيت التي يخشاها العالم بأسره ، والمعروفة بكونها واحدة من أقوى الشخصيات في العالم ؛ حين رأوا حضورها الذي لا يُسبر غوره ، وكل خطوة تملؤها القوة والوقار — طق... طق... طق — وأحذيتها ترتطم بالأرض الحجرية بجمالٍ مخيف.
لعنوا حظهم العاثر ، فوجهها البارد وعيناها الحادتان أنبأتاهم بأن أي زلل من جانبهم يعني أنها ستقتلهم بلا ريب. فلم يكن لدى جميع الحراس سوى فكرة واحدة في أذهانهم ، وقد شحب وجه كل منهم:
'من هذا اللعين الذي يحاول تحويل حياتنا إلى جحيم ؟ نحن لا نتقاضى أجراً كافياً لنحتمل هذه القذارة. '