الفصل 92: المعلّمة تسدي درساً قيّماً
عند سماع كلماتها ، انتاب سيخارجين الحيرة ؛ فحتى حين لم تكن قد واجهت رعب الوحش الكامن داخل الضباب المُحَرم لم تكن مراتب تقنياتها قد بلغت درجة "المهارة " ولم تكن تقنية "تعزيز المانا " سوى التقنية الوحيدة التي امتلكتها بتلك الدرجة.
كان ما زال يراودها شعور بأنها تقترب من قوة مجهولة لا تستطيع استيعابها بالكامل ، لكن من كلمات ليون ، بدا أنه لا يملك أدنى فكرة عما تتحدث عنه ، مما جعل سيخارجين تشعر بغرابة شديدة.
"هذا غريب! حيث كان ينبغي أن يراودك شعور بالاقتراب من قوة مجهولة تماماً كما شعرتُ أنا قبل أن أُدرك ’هالة البرق‘. "
أومأ ليون موافقاً على كلامها ، فقد كان الأمر بالفعل مريباً ؛ فهو متميز في كل شيء ، ومع ذلك لم يشعر بأدنى إحساس تجاه الوصول إلى "الهالة " وكأنها ليست موجودة بالنسبة له من الأساس.
لكن سيخارجين لم تكن ممن يتركون الأمر على علاته ؛ فقد كان لزاماً عليها أن تصل إلى جوهر المشكلة التي جعلت تلميذها العبقري يعاني كل هذا العناء مع "الهالة " فلو كانت مكانه لكانت على وشك تحقيق المستوى الأول منها الآن.
لقد كانت تدرك أنها اكتسبت "هالتها " في معركة حياة أو موت ، مدفوعةً بحاجة ماسة ، ولكن حتى لو لم يحدث ذلك كانت ستصل في غضون سنوات قليلة إلى تلك القوة المجهولة التي تُدعى "الهالة " على أية حال.
"لا تقلق يا ليون ، ستقوم معلمتك بالبحث في الأمر حتى تصل إلى أصل المشكلة ؛ لذا عليك أن تخبرني بكل شيء منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها تعلم العناصر وحتى الآن. اشرح لي كل التفاصيل مهما دقت. "
كان أمامهما كل الوقت في هذا العالم داخل ذلك الحيز ، ولم تكن تمانع إن استمعت إلى قصته ليوم أو حتى لأسبوع.
وبعد أن فرغا من الاستحمام ، جلسا على مقعدين خشبيين فاخرين وبينهما طاولة دائرية ؛ حيث جلست سيخارجين في طرف ، وليون في الطرف الآخر ، وعلى وجهيهما ارتسمت تعبيرات جادة.
كانت سيخارجين قد خزنت الكثير من الأشياء في مستودع ليون منذ علمت أنه يستطيع استخدامها هنا حتى في حالته الواعية ، ولم يكن المقعدان والطاولة إلا جزءاً يسيراً من تلك الأشياء.
وعلى مدى اثنتي عشرة ساعة متواصلة ، شرح لها ليون العناصر التي بدأ بها ، وكيف تعلم كل واحد منها ، وما كانت الأفكار الكامنة خلف ذلك.
وبعد ست ساعات فقط من الشرح ، حددت سيخارجين بدقة الخطأ الجسيم الذي كان يرتكبه ويعيق تقدمه. و كما شعرت بالدهشة ؛ فمع وجود عقلية مغلوطة كهذه ، كيف تمكن من تحقيق تلك النتائج ؟ أدركت الآن مدى الرعب الذي تمثله الموهبة من الرتبة السابعة في الواقع.
فلو امتلك العقلية الصائبة ، لكان قد حقق ضعف أو حتى ثلاثة أضعاف نموه الحالي ، بل لربما امتلك "الهالة " ليس في عنصر واحد فحسب ، بل في عناصر متعددة.
شعرت بالرضا لأنها أجرت هذا النقاش معه حتى بعد مرور الساعات الست لم توقفه ، إذ كانت طرقه في التفكير ملهمة لها ، ومنحتهما أفكاراً كثيرة ووسعت آفاقهما.
لقد أيقنت أن التدريب بعد هذا سيكون أكثر نفعاً لها ، وليس لليون وحده.
وبمجرد رؤية تلك النظرة الواثقة والمفعمة بالزهو على وجه معلمتها ، عرف ليون أنها قد وضعت يدها على موطن الخلل.
لم يسألها ، فجاء صوتهما ممتزجاً:
"كيف يمكنك أن تكون ذكياً وأحمق في الوقت ذاته يا تلميذي ؟ "
لم يدرِ ليون أهيشعر بالرضا أم بالسوء ، لكنه لم يقاطعها وهي تتابع حديثها.
لم تفارق تلك النظرة المزهوة وجهها ، فقد شعرت سيخارجين بأنها "سيدي " حقيقية تسدي درساً قيّماً لتلميذها لأول مرة ، درساً سيمنحه نمواً هائلاً إن كان هو الأساس الجوهري لكل السحر.
ولمدة ثلاثين دقيقة كاملة ، بقيت تلك النظرة المزهوة على وجه سيخارجين ، والتي لم يجدها ليون الآن إلا لطيفة ، فقد كانت تستمتع بكل لحظة من هذا الأمر.
وكلما استمع إليها ، بدا له تفكيره سخيفاً وفي الوقت ذاته صائباً ، فقد كان يعرف حقيقة العنصر إلى حد ما ، لكن معارفه العلمية بدت في هذا السياق غير منطقية بل وساذجة.
وبعد أن أنهت شرحها الذي قلب وجهة نظره حول العناصر رأساً على عقب ، طرحت عليه سؤالاً واحداً لتجعله يرى مدى سخافة منطقه:
"أيها التلميذ ، لنفترض للحظة أن ما تفوهت به من هراء -مستمداً من فهم عالمك السابق للبرق- يحمل شيئاً من الحقيقة ، وهو جوهر العنصر كما يحدده العلم والشكل. أخبرني إذاً: إذا كانت حقيقتك المزعومة مطلقة ، فلماذا أستطيع استدعاء البرق ذاته بخيط رفيع من المانا دون أن أعرف شيئاً عن تلك المبادئ المعقدة التي تحدثت عنها ؟ "
لم يجد ليون إجابة ، وأدرك كيف كان تفكيره مناقضاً لجوهر عالم السحر والمانا.
"المانا والعناصر بحور عميقة ، وليست أشياء يمكنك تحديدها بسهولة. إن ظننت أنك فهمتها ببعض القصاصات المعرفية ، فهذا ليس فهماً ، بل هو غرور وحمق محض. "
"يجب أن تتجه عقليتك نحو المجهول ؛ لا تكن مكبلاً باليقين السطحي لماضيك ، فهو ثقل يخنُق النمو. "
"عامل المانا والعناصر كأنها بلا حدود ، فأنت تخطو نحو المجهول ، وذلك... يجب أن يكون نقطة انطلاقك. "
"السبب الوحيد الذي جعلك تصل إلى هذا المستوى من التحكم بالعناصر مع تلك العقلية هو موهبتك الفذة وتجاربك التي عززت نموك. "
نظر ليون في أعماق عينيها وقال:
"شكراً لكِ ، يا معلمتي. "
بعد سماع كلماتها وإدراكه لمدى خطأ نهجه السابق ، شعر بالتحرر ، فقد ألقى جانباً تلك القواعد المنطقية التي قيدته من عالمه القديم. و يمكنه استخدامها لتغذية فضوله وتوليد أفكار جديدة ، لكن في عالم السحر هذا ، قد لا تكون تلك المعرفة العلمية سوى ذرة غبار في كون تسكنه كائنات إلهية.
أما سيخارجين ، فبمجرد سماع كلماته ، لوحت بيدها إشارة إلى أن ذلك كان واجبها كمعلمة وكعائلة ، لكنها شعرت بالسعادة لأنها تمكنت من تقديم هذه المعرفة الأساسية والجوهريّة. حيث كانت تدرك أنه بمجرد وصولهما إلى "هيمسبورغ " سيكون ليون أكثر رعباً مما توقعت.
فذلك التغيير الصغير والجوهري في وجهة نظره سيجعل تدريبه أكثر فاعلية بمراحل كثيرة.