الفصل السادس والأربعون: النظام يريدني فقيراً!
قرأ "ليون " كل تقبيله من تفاصيل العناصر والمهارات والإكسير والتقنيات التي ظهرت في الصفحة الأولى. حيث كانت الواجهة تتلألأ بوهج خافت ، كأشعة الشمس وهي تراقص صفحة الماء المتموج ، مما أضفى على الفهرس هالةً أثيرية.
لو ملك "ليون " القوة السببية ، لرغب في امتلاك كل ما في تلك القائمة ، لكنه أدرك أن ذلك ضربٌ من المحال. ومع ذلك كان ثمة عنصر واحد جذب بصره وأسر اهتمامه:
١٩. بذور مهد العناصر (عنصر إلهي)
تُزرع في الجسد ، فتعمل تدريجياً على تعزيز جميع الطاقات العنصرية التي يمتلكها المرء.
السعر: ٧٩٠,٠٠٠,٠٠٠
البائع: حارس الأبعاد
"عنصرٌ من الرتبة الإلهية يمكنه تعزيز الطاقات العنصرية بمرور الوقت! بما أنني أمتلك تقارباً مع كل عنصرٍ ممكن ، فهذا العنصر بمثابة هبةٍ من السماء لي. "
لم يسمع "ليون " من قبل عن عنصرٍ من الرتبة الإلهية ، لكنه استنتج أنه لا بد أن يكون أعلى شأناً من الرتبة الأسطورية. حيث كانت المشكلة تكمن في السعر ؛ فقد كان مذهلاً بـ ٧٩٠ مليوناً من وحدات السببية ، والبائع لم يكن سوى "حارس الأبعاد ".
هذه المرة ، توخى "ليون " الحذر ألا ينطق الاسم بصوتٍ عالٍ. فمهما كان ما حدث في المرة السابقة حين تمتم بـ "السيد الزمان والمكان " فإنه كان يكره ذلك الشعور الذي أعقب نطق الاسم ، ولم تكن لديه أدنى رغبة في تكرار ذلك الخطأ.
بعد أن استزاد من معرفة هؤلاء الكيانات الكونية الذين قد يمتلكون قوةً لا تُتصور ، استذكر "ليون " تقبيلهً مهمة "عندما كنت أوقظ فئتي كان لدي خيار المفاضلة بين هذه الفئات ذاتها. حيث كانت مصنفة برتبة (سسس) مثل فئتي تماماً.و الآن أدركت أخيراً لماذا أُدرجت تلك الفئات القوية تحت تصنيف (نادرة للغاية) بدلاً من (فريدة). "
"كانت تلك فئات فريدة ، ولكن لو اختارتها لأصبحت نادرة للغاية ؛ لأنني حينها سأكون شريكاً في الفئة ذاتها مع تلك الكيانات. "
وهذا يعني أن فئته "نظير العناصر " –ذات الرتبة (سسس)– تقع في المستوى نفسه الذي تقع فيه فئاتهم. لم يستغرق الأمر طويلاً ليدرك مدى قوة هؤلاء الكيانات ؛ فواحدٌ منهم يبيع كنزاً من الرتبة الإلهية ، وتلك الفئة الخاصة بذلك الكيان كانت خياراً متاحاً له. فئته تمتلك إذن إمكانية بلوغ الذروة ، وقد غمره شعورٌ عارمٌ بالسعادة حين أدرك ذلك.
في الزاوية اليمنى العليا من الشاشة الذهبية المتلألئة التي تطفو أمامه ، وُجد صندوق بحث. حيث كان "ليون " يعلم أنه لا يستطيع تحمل تكلفة أيٍّ من تلك الكنوز في الوقت الحالي ، لذا أراد البحث عن شيء أرخص ثمناً وأكثر نفعاً في الحاضر.
طبع ذهنياً كلمة "الزراعة " في شريط البحث. حيث كانت مجرد فكرة يكفى لتفعيل البحث ، وهي ميزةٌ قدرها كثيراً ؛ إذ كانت عملية للغاية. غير أن النتائج لم تُظهر ما كان يبتغيه. حيث كان يبحث عن دليل يشرح رتب الزراعة التي تلي رتبة "المبتديء " –أو ما هو أعلى منها– لكنه لم يجد شيئاً.
حاول البحث بعبارات مختلفة "ترتيب الزراعة " "هيكل العالم " "تسلسل الأكوان الهرمي " "تقدم المستوى الدنيوي "...
بعد ساعتين طويلتين من التصفح العبثي بين مدخلاتٍ عديمة الجدوى ، وجد أخيراً شيئاً أثار اهتمامه حقاً:
#. السيرة الذاتية للسيد العظيم "لونجستاف " (كتاب – نادر)
كارثة في قالب سيرة ذاتية ، خطها يراع عبقريٌّ يدّعي أنه أغوى تنيناً ، وهزم مبارزاً قديساً ، وواعد جنية. يحتوي الكتاب على الكثير من الرسوم التوضيحية لرجالٍ عراة الصدور ، وحواشٍ حول "تقنيات " لا علاقة لها بالفنون القتالية بالتأكيد. "رحلتي من أدنى درجات عالم الصعود إلى العالم الإلهي ".
السعر: ١٠٠ وحدة سببية
البائع: السيد "لونجستاف " المنجز بلا حدود.
أدرك "ليون " أن هذا الكتاب ليس بالضبط ما كان يصبو إليه ، لكن السطر الأخير في الوصف كان له وقعُ الخطّاف الذي اصطاد انتباهه "من عالم الصعود إلى العالم الإلهي ".
كانت تلك عوالم تتجاوز بلا شك عالمه الدنيوي الحالي ، وبما أنها سيرة ذاتية ، فمن المرجح أنها لا تحتوي فقط على ترتيبات الزراعة ، بل أيضاً على رؤى خفية ومعارف غامضة لم يصادفها من قبل. والأهم من ذلك ؟ كان سعره زهيداً بشكل مثير للسخرية مقارنة بكل شيءٍ آخر ؛ مئة وحدة سببية فقط.
لكن لشرائه كان عليه مقايضة شيءٍ ما مقابل وحدات السببية. واتجه تفكيره إلى خيارٍ واحد ؛ ومن الغريب أنه لم يرَ جوهر المانا وحشٍ واحداً يُعرض للبيع في المتجر ، وهو أمرٌ أثار استغرابه. فبيع تلك الجواهر كان سيجعل الأمور أسهل ، والارتقاء بالمستوى سيكون أسرع بكثير لأي شخصٍ يملك ثمنها.
لذا قرر ألا يستبدل الجواهر بالسببية ، وبدا أن سبائك البلاتين هي الخيار الأمثل للمقايضة. أخرج صندوق الكنوز بالكامل من مخزنه.
كان ضخماً ومزخرفاً ، مطوقاً بذهبٍ متوهج ، ومنقوشاً بأسلاك فضية أنيقة وكتابات رونية قديمة كانت تتلألأ كضوء الصباح الملامس للماء الساكن. لم تكن الهالة المنبعثة منه عدائية ، بل كانت كثيفة ، مشبعة بالقدم والحضور ، كأنه انتظر دهراً كاملاً لهذه اللحظة.
رؤية الصندوق مجدداً جعلت "ليون " يشعر بالرضا. تشكلت ابتسامة خافتة ؛ فقد كان ثرياً ، بل تجاوز الثراء.. كان مليارديراً. وضع يده على الصندوق واستدعى النظام الكوني ذهنياً ، طالباً منه حساب القيمة السببية للشيء الذي أمامه.
بدأ رقم ذهبي يتلألأ فوق الصندوق ، يرتفع ببطء من الصفر ، رقماً تلو الآخر حتى توقف عند ٢٨٩,٠٠٠.
"كان هذا أكثر مما توقعت. "
ومع ذلك كان الأمر منطقياً ؛ فهذا القدر من الثروة كفيلٌ بتغيير مسار الممالك أو نتائج الحروب.
في محاولة منه للذكاء ، قرر "ليون " إخراج خمس سبائك بلاتينية. حيث فكر أن هذا سيكون كافياً ليعيش برفاهية مدى الحياة دون القلق بشأن الطعام والكساء ، بشرط ألا يسرف في الترف. و لكن ، حين تفقد القيمة السببية للصندوق مرة أخرى ، وجدها قد انخفضت إلى ٩٨,٠٠٠ وحدة فقط.
"لقد خسرت للتو ثلثي القيمة الأصلية! "
لم يكن ذلك عادلاً ، فمن المؤكد أن الصندوق كان يحوي أكثر من ٣٠٠ بزاقه ، وأخذ خمس سبائك فقط أدى إلى انخفاض القيمة السببية بشكلٍ درامي.
"يا له من نظام لئيم. "
أعاد السبائك الأربع إلى الصندوق وتفقد القيمة مجدداً ، آملاً في استعادة بعض قيمته. النتيجة هذه المرة كانت: ١٨٩,٠٠٠. مئة وتسعة وثمانون ألفاً. أقل بمئة ألف كاملة من التقييم الأصلي و كل ذلك بسبب فقدان بزاقه واحدة.
"تباً لهذا النظام ، يريد أن يراني متسولاً! "
أدرك "ليون " أنه سيندم لاحقاً. و لقد حاول التمسك ببزاقه بلاتينية واحدة –بزاقه واحدة فقط– وبسبب ذلك خسر مئة ألف وحدة سببية. فلم يكن بوسعه تقبل تلك النتيجة حتى لو كلفه الأمر البكاء دماً كان عليه التراجع عن خطئه.
باستسلامٍ صامت ، جثا على ركبتيه فوق الأرض الباردة. حيث كان ثقل قراره يضغط على صدره. بحذر ، وبنوعٍ من الإجلال ، فتح الصندوق المزخرف مرة أخرى وأعاد البزاقه الأخيرة إلى الداخل. ظلت يداه تلامسان السطح المتوهج للصندوق الذهبي الفاخر ، تداعبان النقوش الدقيقة والرونية المتوهجة برفق ، كأنه يودع صديقاً قديماً.
ارتجفت أصابعه ، وتلألأت عيناه –لم تكن دموعاً بالضبط ، لكن حوافها كانت رطبة ، ببريقٍ هش يوشك أن يسقط في أي لحظة.
همس بصوتٍ بالكاد يستطيع رفعه "افعلها.. قايض هذا بالسببية. "
ومض إشعار أمامه ، حاداً ومباشراً:
[هل أنت متأكد من رغبتك في مقايضة هذا العنصر بالسببية ؟]
رد بصوتٍ متهدج "نـ-نعم ". كان صوته يتقطع ، وكأن الكلمة عالقة في حلقه ويؤلمه نطقها.
"آه.. وداعاً يا صديقي العزيز. "
في اللحظة التي تمت فيها الموافقة ، تلاشى صندوق الكنوز الذهبي الضخم ، ليس في انفجار ضوئي ، ولا بقعقعة سحرية. فلم يكن هناك اضطراب في الهواء ، ولا وميض سحري ، ولا همس من العدم.
ببساطة ، حدث خلل ، وكأنه لم يوجد قط. اختفى في لحظه ناعمة.
وهكذا ، ارتطمت الحقيقة بصدر "ليون " كالمطرقة.
"لقد أصبحت فقيراً مجدداً. لم أكن مليارديراً إلا ليومٍ واحد. "
ظهر إشعار آخر أمامه:
[لقد كسبت ٢٨٩,٠٠٠ وحدة سببية.]
على الأقل تلك الرسالة خففت من وطأة الصدمة. قليلاً.. قليلاً فقط. و لكن الندبة كانت قد طُبعت بالفعل. إن ألم فراق ثروةٍ بهذا الحجم سيظل يتردد في زوايا روحه لفترةٍ طويلة.