الفصل الثلاثون: لستَ وحدك - الفتاة الغامضة
انطلقت الرمحُ كأنها شهابٌ ثاقب ؛ خطٌ من ريحٍ عاويةٍ وجليدٍ متلألئٍ شقَّ ممرَ القبو بسرعةٍ فائقة ، تاركاً وراءه أطيافاً باهتة في الهواء. التفت الذئبُ الأحمرُ في منتصف عَدْوِهِ بعد فوات الأوان ، مستشعراً الخطر ، وحاول المراوغة ، لكنَّ المنيّة كانت قد اختارت نهايته.
دويٌّ هائل: اخترقت الرمحُ خاصرةَ الذئبِ مباشرة ، مخلّفةً ثقباً غائراً في جسده. تهشمت الأضلاع ، وتمزق اللحم ، وتفجر الدم في قوسٍ عنيفٍ قبل أن يجد الوحشُ فرصةً لإطلاق صرخته. و سقطَ الذئبُ في منتصف خطوته ، وفارقت روحُه الحياةَ قبل أن يرتطم جسدُه بالأرض. استمرت الرمحُ في اندفاعها ، مخلفةً وراءها أثراً من الصقيع والقوة حتى ارتطمت بالجدار البعيد بـ «دويٍّ» أصمّ ، مرسلةً موجةً صادمةً ترددت في أرجاء الغرفة.
تعثرت الذئابُ الزرقاء الخمسة التي كانت تتبع قائدها ؛ تهاوت قوائمها واختل توازنها ، ثم انزلقت متوقفةً وآذانُها مائلةٌ للخلف ، وأعينُها متسعةٌ برعبٍ فطري.
زفر «ليون» بهدوء ، وثبّت بصره على الجثة. «سقط واحد». لم تكن هناك رحمة. حيث كان «ليون» قد بدأ حركته بالفعل ؛ فقبل أن تستعيد الذئابُ توازنها من أثر الموجة الصادمة ، تلاشت هيئته ؛ كان ساكناً في لحظة ، ولا يمكن إيقافه بعد ذلك. تجمعت الرياحُ حوله صارخةً وهو يُفعّل «تعزيز الجسد من رتبة المبتدئ» ، موجهاً الهواءَ المضغوطَ عبر أطرافه كدرعٍ صِيغَ من عاصفة.
لم يستل خناجره ، فلم يكن بحاجةٍ إليها. حول قبضتيه كان الهواءُ ينضغطُ أكثر فأكثر حتى غدا مرئياً وصلباً ، كقفازين من قوةٍ خامٍ تضجُّ بطاقةٍ قاتلة. حيث كانت القفازاتُ تتلألأ بوهجٍ خافت ، حيث تلتفُّ لولبياتٌ دقيقةٌ كشفرات الحلاقة لتشكل قلوباً كثيفةً للصدمات.
ضرب الذئبَ الأول في منتصف قفزته ؛ لم تكن اللكمة مجرد ضربة ، بل كانت انفجاراً.
تحطمٌ وارتطام: تكسرت العظام ، وتفجر اللحم. حيث طار جسدُ الوحشِ جانبياً كدميةٍ من قماش ، ولفظ أنفاسه قبل أن يلامس الأرض.
لم يتوقف «ليون» ، بل انقض على الثاني ، ثم الثالث. حيث كانت كل ضربةٍ دقيقةً وقاسيةً وحاسمة. حيث كانت الرياحُ حول قبضتيه تصرخ مع كلِّ ضربة ، مهشمةً الجماجم وفاصمةً العمودَ الفقري بضربةٍ واحدة. وبحلول الوقت الذي توقف فيه عن الحركة كانت الذئابُ الخمسةُ قد سقطت جميعها ؛ قُتلت بلا سلاح ، بلا عناء ، وبلا رحمة.
التفت «ليون» نحو الجدار المحطم حيث انغرزت رمحُه الجليدية. ورغم قوة الاصطدام المتفجرة -التي مزقت اللحم ، وصدعت الصخر ، وشتتت «المانا» كموجةٍ صادمة- كانت الرمحُ لا تزال هناك ، سليمةً ومعافاةً تماماً.
رمش «ليون» بعينيه مذهولاً: «أتمزح معي ؟». لم تُشرخ الرمحُ ، ولم تُثلم ، ولم يفتر حدُّها. حيث كان سطحُها يتلألأ بوهجٍ خافت ، وجليدُها يلمعُ كبلورٍ مصقول ، ناعمٍ ونقي. سلاحٌ وُلد من السحر والضغط والإرادة ، وبطريقةٍ ما ، تحمل كلَّ ذلك. تقدم خطواتٍ وأمسك بالمقبض ، وبسحبةٍ قويةٍ انتزعها من الجدار. أنَّ الصخرُ وتساقط الغبار ، بينما بقي السلاحُ بلا خدش.
أومأ «ليون» برأسه قليلاً ، وارتجفت زاويةُ فمه: «سترافقينني مجدداً». وبمجرد التفكير ، أعاد الرمحَ إلى مخزونه ، حيث استقرت كعهدٍ صامتٍ ينتظر التنفيذ القادم.
مضى «ليون» بثباتٍ عبر الممرات المتعرجة للقبو ، هادئاً ومركزاً. حيث كانت خطواته يتردد صداها بخفة ، ويداه لا تعرفان الراحة. كل وحشٍ يصرعه كان يأخذ وقته لاستخراج «نواة المانا» منه ، مخزناً إياها في سجلٍّ ذهنيٍّ منظم. وحين كان يصادف وحوشاً أضخم ، وخصوصاً الذئاب الكبيرة كان يحتفظ بجثثها كاملةً ، ويترك البقية.
لم يحصِ أعدادها في البداية ، لكن في مرحلةٍ ما... فقد العد. كم واحداً كان ؟ ثلاثين ؟ أربعين ؟ أم أكثر ؟ في لحظةٍ ما ، تداخلت الأرقامُ مع الحركة ، مع التنفس ، ومع الغريزة.
والآن ، حين دخل ممراً طويلاً ، خفف من سرعته ؛ لأن كل شيءٍ في هذا المكان -تغير الهواء ، السكون ، الرنين في الصخر- كان يخبره بشيءٍ واحد: الزعيمُ في الأمام. لم تكن مجرد غريزة ، بل المكانُ ذاته كان يعلن ذلك ؛ ذلك النوع من الصمت المشؤوم الذي يسبق شيئاً ضخماً وخطراً.
تسارع نبضُ قلبه قليلاً ، ليس خوفاً ، بل ترقباً. حيث كان مستعداً.
شيءٌ آخر جذب انتباهه. التفت جانباً ، وتغير تعبيرُ وجهه قليلاً. طوال الطريق كان يرى جثثاً ؛ ليست بشرية ، وليست حديثةً أيضاً. ذئابٌ صغيرة ، هي ذاتها وحوش البرق زرقاء اللون التي واجهها من قبل. اثنان منها ملقيان في زوايا مختلفة ، قُتلا بشيءٍ حاد ، وبطريقةٍ نظيفةٍ ودقيقة.
«لم أفعل ذلك» ، فكّر مغلّقاً عينيه. لم تكن محترقة ، ولم تكن مجمدة ، ولم تكن هناك آثارٌ لتسربٍ عنصريٍّ عشوائي ؛ لا أثر للبرق ، ولا صقيعٌ عالق ، ولا صخرٌ محروق أو دمٌ متجمد. ومع ذلك كان هناك شيءٌ ما ، أثرٌ لعنصرٍ آخر ؛ خفيٌّ وغير مألوف ، يشبه الكهرباء الساكنة تحت جلده. لم يستطع تمييزه ، ليس بعد. فقط... ميتاتٌ نظيفة. وهذا يعني أنه ليس الوحيد هنا.
استقرت هذه القناعة في عقله كعبءٍ هادئ ؛ ليس خوفاً ، بل حساباتٍ جديدة. لأنه إن كان هناك شخصٌ آخر قد تجاوز فخاخ هذا القبو المميت ، فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الزعيمُ ما زال في الأمام ، بل: مَن سيصل إليه أولاً ؟
سرّع «ليون» من خطاه. لم يُفعل عباءة الاختفاء ؛ فالمخاطرةُ كبيرة. و إذا كان أحدهم في الأمام -أو ما هو أسوأ ، يراقب- فهو لا يريد أن يُضبط في لحظة الانتقال بين المرئي وغير المرئي ، خاصةً وهو يستخدم كنزاً بمستوى «أثر». فهذا النوع من الأشياء يجذب الأنظار ، والتساؤلات ، والطمع.
وفي تلك اللحظة ؟ كان ما زال يرتدي ملابسه الداخلية فقط تحت العباءة. لم يعد الأمرُ يتعلق بالحياء ؛ فدروعه القديمة وثيابه لم تعد تناسب جسده الجديد ؛ فقد تغير بنيانُه كثيراً بعد اندماج «الكرة». صار أطول ، وأنحف ، وأكثر... اختلافاً. لذا بقيت العباءةُ عليه ، ليس كأثرٍ سحريٍّ أو درع ، بل كقطعة ثيابٍ وحيدة.
ضاق الممرُ كلما تقدم ، وأضاءت الصخورُ المنحوتةُ ببلوراتٍ زرقاءَ خافتةٍ مغروسةٍ في الجدران. حيث كان رنينُ المانا يجري تحت حذائه ، ثابتاً وخافتاً كأنفاس القبو. ثم... رآها.
بوابةٌ ضخمةٌ في نهاية الممر ، تعلوه بثلاثة أضعاف ، مغلقةٌ بإحكام ، ونقوشٌ قديمةٌ تلتفُّ على سطحها كخريطةٍ للعروق ، تشعُّ قوةً هائلة.
لم يكن ذلك أول ما لاحظه ؛ فعند قاعدة البوابة كان هناك شخصٌ يجلس. يرتدي عباءةً داكنة ، والقلنسوةُ منسدلةٌ على وجهه ، ووضعتُه توحي بالاسترخاء مع التأهب. حيث كان يجلس على الصخر البارد ، ظهره مسندٌ إلى البوابة ، ويدٌ واحدةٌ تستقر على ركبتيه.
توقف «ليون» على بُعد خطوات ؛ صامتاً ويقظاً. «حسناً ، يبدو أنني لستُ وحدي بعد كل شيء».
ولم يكن يعلم بعد... إن كان ذلك خبراً ساراً... أم مشكلة.
لم يستعجل «ليون». كانت خطواتُه هادئةً ومحسوبةً ومتروية ؛ بدافع الغريزة أكثر من الحذر. فلم يكن بحاجةٍ لرؤية وجه الشخص ليدرك ما يعنيه هذا. شخصٌ ما وصل إلى البوابة الأخيرة.
«ظننتُ أنني سأكون الوحيد الذي يصل إلى هنا». أحرقته تلك الفكرة أكثر مما توقع. فلم يكن الأمرُ يتعلق بالغرور أو الكبرياء ، بل بالفرصة. غرفةُ الزعيم كانت أكثر من مجرد قتالٍ أخير ؛ كانت عتبة. وهزيمةُ الزعيم منفرداً قد تزيد فرصه بشكلٍ كبير في إيقاظ رتبةٍ أندر وأقوى. حيث كان ذلك جوهر «قبو الاختبار» ؛ الجهد ، المخاطرة ، والمكافأة.
إذا شاركه تلك الغرفة الآن... شدَّ على فكّه برفق. «لا. لن أُقاسم هذه الغنيمة». اقترب أكثر ، متوقفاً على بُعد أمتارٍ قليلة من الشخص الجالس. تحرك الشخصُ قليلاً ؛ التفت برأسه ، وعدّل من وضعيته ، معترفاً بوجوده دون أن ينطق بكلمة. حيث كانت عباءتُه سميكة ، مستهلكةً ولكنها عالية الجودة ، من النوع الذي يُمنح للمغامرين المدرّبين. قناعٌ بسيطٌ خالٍ من أي تعبيرٍ يغطي وجهه ، محجباً كل ملامحه.
تأمله «ليون» بعناية. حيث كانت وضعيته مسترخيةً ولكن ليست متكاسلة. متوازنة. حيث كان في حالة استراحة... مستعدة.
ثم لاحظ شيئاً آخر. قوام الشخص ؛ نحيل ، مدمج ، كتفان أعرض قليلاً من كتفيه. زاويةُ الرسغين ، وطريقةُ تقاطع الساقين ؛ تفاصيل لا يلاحظها معظم الناس.
لكنه تدرب على يد «سيخارجين» ، و«سيخارجين» لم تكن تدع التفاصيل الصغيرة تفوتها.
«...إنها فتاة». أصبح ذلك واضحاً الآن.
أما كل ما تبقى ؟ فظل لغزاً.
أبقى «ليون» يديه بجانبه لم يستل أسلحته ، ولم يعطِ ظهره أيضاً. ليس الآن. ليس حتى يعرف سبب وجودها هنا ، وما إذا كانت تنوي الوقوف في طريقه.