الفصل الثامن والعشرون: قبوٌ وراء النصر
تلاشت أصداء المعركة الأخيرة كأنفاسٍ على زجاج.
وقف ليون ساكناً ، وقد غُرِزت قدماه في دائرة من الحجر المحروق. حيث كان الهواء ما زال يضطرب بخفة من ارتداد هجمته الأخيرة ، لكن الصمت كان يزحف عائداً - ثقيلاً ومطلقاً.
لم يتحرك ، ولم يُخفِ حذره.
ما زال الصقيع عالقاً بأجزاء من القاعة ، مشكلاً خيوط عنكبوت على الصخر الأسود المنصهر. تصاعد فحيح البخار بنعومة من الأرضية المليئة بالفوهات حيث ارتطم رمحه. حيث كانت جثة الوحش الممزقة ملقاة أمامه مباشرة ، نصفها العلوي مطمور في الحجر المتصدع ، وجسدها مشطور وما زال يتوهج بخفوت ببقايا العناصر السحرية.
ترددت همهمة هادئة في عظام ليون.
لم تكن تتلاشى.
زفر من أنفه ورفع يده ، ببطء وثبات. تلألأت المساحة أمامه ؛ لقد تفعلت حقيبة تخزينه. انطوى الهواء للداخل قليلاً كما لو كان يعرف وجهته. وبمجرد التفكير ، تلاشت جثة الوحش وشظايا مطرقته المحطمة في ضوء ذهبي.
حتى وهي حطام كان للسلاح ثقل ، وحرارة ، وتاريخ. حيث كان ما زال يشعر بصدى قوته وهي تختفي في بُعده الخاص.
ربما سيحاول إعادة بنائها لاحقاً ، وربما لا.
كان بإمكانه بيعها كمواد خام أو إيجاد استخدام آخر لها.
في الوقت الراهن كان الأمر برمته... قد انتهى.
أدار ليون معصمه ، وبسط أصابعه.
لا ارتجاف ، لا ألم.
كان من المفترض أن يستنزف طاقته. ذلك الرمح -الذي امتزجت فيه الرياح بالجليد المكثف ، وأُطلق بكل قوته- كان يتجاوز أي شيء أطلقه من قبل. و لقد صدع الحجر ، وعطل السحر ، وأنهى معركة ضد كائن كاد يسحقه.
ومع ذلك... لم يشعر بالخواء. بل لم يقترب من ذلك حتى.
لم تبدأ طاقته السحرية بالتعافي سرعة فحسب ، بل إنها لم تنخفض قط عن مستوىً يمكنه استشعاره.
هل استهلك ربعها ؟
تسلل إليه هذا الإدراك كإحساس ، لا كمنطق. فلم يكن هناك مؤشر يخبره بحجم الطاقة المتبقية ، بل مجرد شعور في أطرافه. طنين في جوهره. وضغط خفي لقوة تنتظر بهدوء تحت جلده.
لم أقترب حتى من الحدود القصوى.
ارتجف فمه ؛ كانت شبه ابتسامة. لم يشعر بالانتصار ، بل شعر... بالفضول.
أنزل يده والتفت عائداً نحو العرش الذي تصدع سطحه ، بينما كان الحجر تحت قدميه ما زال يلفظ بخاراً خفيفاً. و بدأت هالة المعركة تهدأ ، لكن شيئاً ما تحرك خلف المنصة.
حيث لم يكن هناك شيء ، باتت الآن هناك مساحة.
فتحة ضيقة في الجدار. انكمش الحجر الأسمر للداخل كبابٍ لم يحتج يوماً إلى مفصلات.
ضاقت عينا ليون قليلاً.
خطا بضع خطوات للأمام ، مميلاً رأسه. لا ريح هنا ، ولا بقايا سحر. بدا الهواء ساكناً ؛ ليس راكداً ، بل محفوظاً. انخفضت درجة الحرارة نصف درجة ، برودة ملحوظة لكنها لا تبعث على الارتجاف.
امتد الممر الجديد نحو الظلال. حيث كانت الأرضية من أوبيتو الأملس ، تتخللها خطوط ذهبية دقيقة ، ومحفورة بنقوش تلتف كأغصان الكرمة. بعضها توهج بضوء أزرق خافت ، ينبض كل بضع ثوانٍ. لم يستطع قراءتها ، لكن إيقاعها ذكره بنبضات القلب ؛ بطيئة وصبورة.
تابع السير.
كلما توغل أكثر ، تغير الجو.
لم يكن الأمر مرتبطاً بالخطر.
ولا بالتوتر.
بل بالعراقة.
كأن هذا الجزء من القبو لم تلمسه يد منذ قرون. كأنه لم يكن "مقدراً " له أن يُرى حتى هذه اللحظة.
تعالت الهمهمة كلما تقدم. لم تكن صوتاً ، بل إحساساً. اهتزاز هادئ يسكن بين ضلوعه وعموده الفقري.
ثم ظهر الضوء.
ناعم ، ذهبي.
انساب من قاعة دائرية واسعة أمامه ، لامساً وجهه بدفء خافت. وصل إلى القوس ، مستنداً بيدٍ خفيفة على الإطار الحجري ، وعبره.
تكيفت عيناه بسرعة.
كانت الغرفة صغيرة ، مستديرة ، ذات سقف مقبب. حيث كانت الجدران تتلألأ بوهج طبيعي ، يتوزع الضوء عبر الحجر المصقول. وفي المركز...
قاعدة.
وعليها...
صندوق.
ضخم. مستطيل. ذلك النوع من الأشكال الثقيلة والمقصودة التي توحي بالخلود. حيث كانت زواياه مغلفة بشرائط ذهبية ، وحوافه مطرزة بخيوط من الفضة. اصطفت كتابات على الغطاء في أنماط دائرية ؛ بعضها باهت وبعضها ساطع. لم تكن الرموز مجرد زينة ، بل نبضت مرة واحدة ، خافتة وحية.
توقف ليون على بُعد ثلاث خطوات.
لم يتكلم ، ولم يطرف له جفن.
تصلب الشعور في صدره ؛ ليس من تهديد ، بل من هيبة.
لم يشعر بأنه مكافأة.
بل شعر وكأنه اعتراف.
قرفص ببطء ، دون أن يحيد ببصره عن الصندوق ، وأطلق خيطاً من الريح ؛ دقيقاً كالشعرة ، وحاداً كنصل سكين.
انجرف التيار للأمام ، لامس المزلاج ، ودفعه.
نقرة.
لا شرر ، لا لعنة ، لا رفض.
مجرد صوت بسيط.
لقد قُبل الأمر.
وجه الريح للأعلى ، ملتفاً حول الغطاء. رفعه.
ببطء.
أصدر الغطاء صريراً وهو يكشف عن محتواه تدريجياً.
تسلل الضوء عبر الفتحة ؛ عنبري ذهبي خافت.
وعندما انفتح بما يكفي للرؤية ، انحنى ليون للأمام.
ثم تجمد.
حدق. لا حركة. لا تنفس.
هو فقط.
و...
البلاتين.
صفوف.
سبائك.
مكدسة جنباً إلى جنب و كل واحدة منها مختومة ومثالية ، مرتبة بعناية توحي بأنها احتفالية.
لم يتكلم لعدة ثوانٍ ، مدركاً ما وجده للتو.
ثم قال بهدوء:
"...هذا بلاتين. "
خرجت الكلمات جامدة.
رمش بعينيه.
"سبائك من البلاتين. "
لم يجبه أحد ، بالطبع.
ليست عملات.
بل سبائك. عشرات منها. لا ، مئات و ربما أكثر.
حدق بعينين ضيقتين. انحنى أكثر. أعاد العد.
لا. لا تزال هناك.
"...هيه. "
أرجع جسده للخلف مستنداً على عقبيه. ما زال مقرفصاً. ما زال يحدق.
بلا تعابير.
ثم قال برفق:
"...أنا غني. "
توقف.
أمال رأسه.
انتظر.
"...لا. "
"...أنا ثري. "
اكتسب صوته عمقاً. حل الإدراك محل الارتباك.
"ثراء فاحش ، كارثي ، ثراء يجعل التاجر يغشى عليه بمجرد دخولك. "
أطلق ضحكة خافتة ومذهولة ومرر يده في شعره.
تذكر سيخارجين حين أرتْه يوماً عملة بلاتينية واحدة ، مصقولة ومحفوظة في علبة مبطنة بالمخمل. و قالت إن قيمتها تتجاوز مئة قطعة ذهبية.
عملة واحدة.
واحدة.
وهو يملك... ماذا ؟
لم يرغب في العد. انقلبت معدته عند التفكير في الحساب.
"...هذا غير معقول. "
لكن ابتسامته اتسعت رغم ذلك.
ليست شماتة ، وليست طمعاً.
فقط: يا للجحيم ، ما هي حكاية حياتي هذه ؟
مد يده وأغلق الغطاء برفق. حيث كان الصرير أكثر نعومة هذه المرة ، كما لو أن الصندوق كان متفهماً.
أراح يده فوقه.
تمتم قائلاً "أصبحتَ ملكي الآن. ابقَ هادئاً ، ابقَ أنيقاً ، ولا تبدأ بالتوهج دون سبب. "
بإيماءه من معصمه ، اختفى الصندوق في حقيبة التخزين.
لم يكن الضجيج الذي أحدثه دراماتيكياً ، لكنه بدا ثميناً بالنسبة له.
وقف ليون. وترك الصمت يخيم مجدداً.
لم يكن بحاجة للاحتفال. حيث كان الفوز كافياً.
قادته خطواته حول القاعدة ، حيث بدا الجدار البعيد منهاراً - حتى اقترب أكثر.
نفق.
منحدر.
مألوف ، وإن لم يكن تماماً كالسابق ، لكنه يذكره بما مضى.
توقف عند الحافة. أمال رأسه للأسفل.
منزلق.
تقوست أصابعه مرة واحدة.
ومضت الصور: السقوط ، الألم ، تلك القاعة بالعرش والوحش الذي كسر عظامه كغصون جافة.
أخذ نفساً واحداً. ليس عميقاً. ليس ثابتاً.
بل واقعياً.
"...لم أعد مثلك. "
جاءت الكلمات بهدوء.
قرفص مجدداً. وضع كفيه على فخذيه.
تجمعت الرياح بخفة حول حذائه ؛ ليس فوراناً ، بل استعداداً.
نظر إلى داخل النفق.
لم يرتعد.
ولم يتردد.
ثم دفع نفسه للداخل.
بلا ذعر أو صراخ ، انزلق بسلاسة عبر النفق.
هبط في الظلام - بكتفين منتصبتين ، وعينين مفتوحتين.
مهما كان ما ينتظره في القاع...
سيتعامل معه.