Switch Mode

الترقية المصنفة SSS: جميع مهاراتي في المستوى 100 26

معركة ملحمية مع الوحش (2) +


الفصل السادس والعشرون: المعركة الملحمية مع الوحش (2)

تصادمت النيران مع الصقيع في حربِ إراداتٍ ضروس ، فاهتزت أركان الغرفة تحت وطأة صراعهما. انفجرت الحرارة مع كل أرجوحةٍ لمطرقة الوحش المنصهرة ؛ أمواجٌ من لهبٍ تتلظى عبر الحجارة ، وتُغلي الهواء مع كل ضربة.

لكن ليون لم يلن. تحرك كطيفٍ متراقص ، انسيابي ، حاد ، ومستعصٍ على النيل منه. ومضت خناجره بلون الفضة والزرقة ، مكتسيةً بجليدٍ عنصريٍ يطلق فحيحاً مع كل صدٍّ ، ويكثف الرياح حوله لتكتسب حدة الشفرات. تصاعد البخار عاوياً من شدة الاصطدام ، ليلفّهما في ضبابٍ من رذاذٍ مغليٍ وسحرٍ متناثر. لم يعد نزالهما مجرد عنف ، بل صار حرباً عنصرية.

وكان ليون يتفوق.. بصعوبة ، لكنه يتفوق بلا جدال.

كانت كل مواجهة تترك الوحش متفحماً بنيرانه الخاصة ، وممزقاً بصلب ليون البارد. راحت خيوطٌ من دماءٍ متوهجة ترسم أنماطاً على جلده الأبنوسي ؛ جروحٌ عبر الكتفين ، والفخذين ، والأضلاع. لم تكن جروحاً عميقة بما يكفي للقضاء عليه ، أو مميتة ، لكنها كانت تتراكم. جروحٌ ظلت مفتوحة ؛ لأن جليد ليون لم يكن يمزق فحسب ، بل كان يلتصق ، يتسرب إلى الأنسجة فيجمدها ، ويُبطئ قدرة الوحش على التجدد ، مما جعل كل حركةٍ تاليةٍ تزداد ثقلاً على الوحش.

كان ليون يترقب بعينيه كل تشنجٍ في عضلات خصمه و كل تحولٍ في توازنه ، وكل لهبٍ يتأجج حول أطرافه.

"أسرع. "

ترددت الكلمة في رأسه مع كل نبضة قلب. التفت الرياح حول جسده ، تعزز حركة قدميه ، وتضاعف من سرعة بديهته.

"أحدّ. "

انحنى الجليد عبر نصال خناجره ، مصقولاً حافتها إلى دقةٍ متناهية. ومع كل تصادمٍ بينهما كان يغرز نصلَه أعمق.

تَصاعد بخار أنفاسه في الحرارة ، وتبخر عرقه بمجرد ملامسته لجلده ، لكنه لم يتردد. حيث كان قلبه ساكناً ، وقبضته راسخة. أما عقله ؟ فكان كليزرٍ مصوبٍ بدقة.

"أنت قوي. "

لم تكن تلك الفكرة إطراءً ، بل كانت تحذيراً لنفسه. لأن الأمر لم ينتهِ بعد. حتى وهو يدفع الوحش إلى الوراء ، وحتى مع نجاح ضرباته كان ليون يشعر بذلك ؛ فالضغط لم يبلغ ذروته بعد ، وما زال في جعبة المخلوق المزيد.

ولكن لدى ليون أيضاً المزيد.

تخطى النيران ، وانخفض بجسده ، ثم شقَّ بطن الوحش بجرحٍ آخر ، ليتصاعد فحيح البخار ثانيةً. اندفع ليون إلى الوراء قبل أن تسحقه الضربة المرتدة للمطرقة. حيث صرخ درعه الريحي حين لامس اللهب خده ، حارقاً الهواء على بُعد بوصات. و لكن البرودة لم تتلاشَ ، بل خيّمت على الغرفة ؛ فحوّل جليدُه المكان الذي كان يوماً مملكةً للنار إلى ساحة معركةٍ يلفها الضباب.

تبدل ميزان القوى ، وأدرك ليون ذلك كما أدركه الوحش. فلأول مرة منذ بدء القتال ، تراجع الوحش خطوة إلى الوراء. ليس للمراوغة ، ولا لتغيير موقعه ، بل لإعادة التقييم.. ليلتقط أنفاسه.

زفر ليون ببطء. لم يبتسم ، ولم يستفز خصمه. اكتفى برفع خنجره ، ثم خطا خطوة إلى الأمام. لأن الضربة التالية.. ستكون القاضية.

تفاقمت أنفاس ليون ، وزمجرت الرياح حول خناجره كعاصفةٍ تعبر في ضيق الفولاذ. زحف الصقيع فوق النصال ، صار أكثر كثافة من أي وقت مضى ؛ جليدٌ نقيٌ يتلألأ كالكريستال ، يكسر وهج الحرارة في هالاتٍ مسننة. لم تعد الخناجر تبدو كأسلحة ، بل كامتدادٍ لأسطورة ؛ سيوفٌ قصيرةٌ من الغضب العنصري ، تهتز برغبةٍ قاتلة.

عدّل قبضته ، وشعر بالطنين يسري في ذراعيه. القوة ، الدقة ، والغاية. استشعر الوحش المقابل له ذلك أيضاً فانزلقت قدمه إلى الوراء بوصةً واحدة ؛ إقراراً منه بأنه يرى النهاية.

لكن ليون لم يتباطأ ، لأن الوحش كان يشرع في شيءٍ آخر. انضمت يداه معاً ، مشكلتين مهداً من لهبٍ متصاعد. تضخم السحر ، وتشوّهت الغرفة. و بدأت كرةٌ من النار تتشكل بين يديه ؛ صغيرة في البداية ، لكنها بدأت تنمو ، وتتكثف ، وتلتف حول الجاذبية. لم تكن ناراً فقط ، ولا حرارةً فقط ، بل كتلةً أشبه بشمسٍ مصغرة.

ضيّق ليون عينيه الفضيتين.

"لا. "

تلاشى ليون. انكسرت الرياح ، وانطلق للأمام بسرعةٍ خاطفة غبشت الهواء حوله ، وتمزق رداؤه من شدة الزخم. لامست قدمه الأرض مرة واحدة ، وما تبقى كان تحليقاً. لم تكتمل كرة النار ، لكن ذلك لم يهم ؛ فقد قذفها الوحش على أي حال.

صرخت شمسٌ ناقصة التكوين عبر الغرفة ، لكن ليون لم يرمش. أنزل نصلَه بضربةٍ قاطعة.

شرااااك!

انشق العالم بين ضوءٍ وبخارٍ حين شطر الخنجر المغلف بالجليد الشمس إلى نصفين. تهاوت النيران حول الشق ، وانفجرت كقلبٍ يتمزق. دوّى الضغط صاخباً ، لكن ليون كان قد اخترقها بالفعل. تصاعد الدخان من ردائه ، وفحّ جلده من أثر الحرارة القريبة ، لكن عينيه كانتا مسمرتين على هدفٍ واحد: الحنجرة.

جاءت مطرقة الوحش نحوه مجدداً ، بزاويةٍ من الأعلى ، هوت كالمقصلة المشتعلة. التوى ليون تحتها ، تاركاً الرياح تحمله بعيداً عن مسارها. أخطأت المطرقة ، لكن ضربته هو لم تخطئ. اندفع خنجره للأمام ، والجليد يفرقع على حافته. ثم استدار جسده ، توازنت كتفاه ، وكل عضلةٍ فيه تأهبت للاندفاع.

"هذه هي النهاية. سأغرزه في العنق.. وينتهي الأمر. "

ثم.. لا شيء.

توقفت ذراعه في منتصف الحركة ، على بُعد بوصاتٍ فقط. لم يلمس الشفرة شيئاً لم ينزلق ، ولم يخترق. تجمد! كما لو أن المكان نفسه قد تكثف وتصلب.

"ماذا.. ؟ "

دفع ليون بكل قوته. انزلقت قدماه ، وتوتر عموده الفقري ، لكن الشفرة أبى أن يتحرك. اهتز بعنفٍ في قبضته ، مقيداً بجدارٍ غير مرئي التف حول عنق الوحش كدرعٍ من ضغطٍ مطلق. حيث كان الهواء كثيفاً ، ليس من الحرارة ، ولا من السحر ، بل من شيءٍ آخر.

أطلق خنجره صرخةً ، وظهرت شقوقٌ في الجليد. تصدعت بشرة الوحش تحت فكه أيضاً ؛ ظهرت جروحٌ سطحية من شدة الضغط ، لكن ذلك لم يكن كافياً. و اتسعت عينا ليون.

"لا.. "

اندلعت النيران حول صدر الوحش. تراجع ليون فوراً ، والرياح تلتف تحت قدميه لتحمله بعيداً تماماً في اللحظة التي انفجرت فيها هالة المخلوق للخارج كرد فعل.

مزق نبضٌ من اللهب الهواء حيث كان ليون يقف ، محيلاً الصخر إلى رماد ، والضباب إلى غبار. و هبط ليون على بُعد عشر خطوات ، يلهث بصعوبة. العيون مقفلة ، والشفرة خفيض ، والقلب يخفق. استقام الوحش ببطء ، فكه مشقوق ، والدخان يتصاعد من جراحه. رفع يده ، ومسح خيطاً من دماءٍ متوهجة عن خده ، ثم ابتسم.

شدَّ ليون يده على مقبض خنجره.

"تلك.. لم تكن مهارة دفاعية. حيث كان ذلك شيئاً آخر. درع قوة لم يسمح لي بالمرور. أول تذوقٍ لمقاومةٍ حقيقية.. ليست من المطرقة ، ولا من النار ، بل من جوهر هذا المخلوق. "

هدأ ليون أنفاسه. لم يأتِ ضحك الوحش ، ساد الصمت ، وبقيت حقيقة واحدة بينهما: أن هذه المعركة لم تنتهِ ، ولم تقترب من النهاية حتى.

ضيّق ليون عينيه. حيث كان الوحش يلهث ، صدره الأبنوسي يعلو ويهبط ، والبخار يتسرب من شقوق جسده. الجروح لم تلتئم ، والنيران حوله خبت ، وحتى قبضته على المطرقة تغيرت ؛ صارت أكثر تماسكاً ، نعم ، لكنها أصبحت أبطأ وأكثر تعمداً. حيث كان متعباً.. ليس منتهياً ، لكنه اقترب من ذلك.

لم يبتسم ليون ، ولم يستفز خصمه ؛ لأن ذكرى تلك القوة غير المرئية التي خنقت نصله في منتصف الضربة لا تزال تطارد عضلاته. حيث كان ما زال يشعر بذاك الضغط الخفي ، كما لو أن الوجود نفسه -وليس الوحش- قد قبض على معصمه.

لن يمنحه فرصة ثانية ، وهو في الحقيقة لا يحتاج إليها. لأن هذه المرة لم يكن ليون يستهدف الحنجرة.

تطلعت عيناه إلى الأعلى ، بعيداً ، حيث يمتد السقف في الظلال ، عالياً بما يكفي لتتلاشى حوافه في الحرارة والدخان. و لكن هناك.. مخبأً في الظلام كنصلٍ إلهي ينتظر السقوط.. كان يحوم.

رمحٌ.. لا ، بل سلاح عدالة ، يتلألأ بضوءٍ قطبيٍ باهت. صُنع من جليدٍ نقيٍ ومضغوط ، بشكله الأملس الخالي من العيوب ، يستدق إلى رأسٍ قاسٍ يمكنه اختراق السماوات. وحوله ، تلتف خيوطٌ من الرياح كأفاعٍ حية ، تسحب الهواء المحيط في دوامةٍ عاصفة. سلاحٌ لم يُصنع بالسحر فقط ، بل بالقصد والإرادة.

كان ليون يصيغه في صمت ؛ بينما كان يقاتل ، ويراوغ ، ويحاول البقاء. و مع كل حركة ، ومع كل نَفَس كان يوجه السحر للأعلى.. ببطء ، وهدوء ، واستعداد.

ومضت عيناه باللون الفضي ، فلاحظ الوحش ذلك. و نظر للأعلى ، ولأول مرة ، تبدلت تعابير وجهه. لمحة من الإدراك.. لم يعد يرى في ليون تهديداً فحسب ، بل رآه شيئاً آخر: رأى فيه مفترساً.

مدَّ ليون يده نحو السماء. ارتجفت الغرفة ، وزمجرت الرياح ، وتوهج رمح الجليد بضوءٍ أزرق.

همس ليون بصوتٍ كقطاعة الفولاذ "قلتُ إنني سأسحقك كحشرة ، والآن حان وقت البرهان. حاول بكل ما أوتيتَ من قوةٍ أن توقف هذا ، أيتها الوحش. "



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط