الفصل 244: حضورٌ مروّع - 2
واجهها ليون بنظراتٍ ثابتة ، رغم أن عقله كان يموج بالاضطراب. و لقد أفلتت تماماً من نطاق إدراكه المكاني ، وظهرت من العدم ، ثم جلست على العرش بسلطةٍ عفويةٍ جعلتها تبدو وكأنها خُلقت لتكون ملكةً عليه. ومع ذلك لم يكن هناك تاجٌ ، ولا شارات ملكية ، ولا أي شيء يشير إلى أنها ملكة أو حتى من ذوي النبالة.
أجاب ليون بصوتٍ هادئ رغم يقظته المتوقعة "كان بوسعنا طرح السؤال ذاته عليك. حيث يبدو أن هذا القصر قد تعرض لـ... حادثةٍ غير معتادة ، ومع ذلك تبدين وكأنكِ لم تتأثري بشيء ".
ارتسمت على شفتي المرأة ابتسامةٌ لم تصل إلى عينيها ، وقالت "حادثة! يا له من وصفٍ دبلوماسيٍّ بديعٍ لوصف ما جرى ". اتكأت إلى الخلف على العرش بجسدٍ مسترخٍ ، لكن نظراتها لم تزيغ عنه قط. وأضافت "أجل ، لقد وقعت حادثة ، منذ بضع سنواتٍ خلت. أما عن سبب عدم تأثري بها... " هزت كتفيها برشاقةٍ وقالت "ربما وصلتُ بعد وقوعها ، مثلك تماماً. أو ربما جُبلتُ من طينةٍ مختلفة ".
تسمّرت نظراتها على ليون وازدادت حدة ، وومض في تلك الأعماق السوداء شيءٌ ما - مفاجأهٌ سرعان ما أخفتها. وفي داخلها ، توالت الأفكار التي كانت تحرص على كتمانها خلف مظهرها الهادئ "أيُّ مسخٍ هذا الرجل ؟ " كل حاسةٍ تمتلكها ، وكل غريزةٍ صقلتها عبر سنواتٍ لا تودُّ إحصاءها كانت تصرخ برسالةٍ واحدة: إنه لا يُقهر. حيث كان هذا الشعور قوياً ومطلقاً لدرجةٍ هزت كيانها في الصميم. و لقد واجهت كائناتٍ قويةً من قبل ، وواجهت مخلوقاتٍ قادرةً على تسوية مدنٍ بالأرض ، لكن غرائزها لم تتفاعل يوماً بهذا اليقين حيال تفوقِ شخصٍ ما.
ومع ذلك أبقت هذا الكشف طي الكتمان ، وظل تعبير وجهها ينمُّ عن فضولٍ خفيفٍ بدلاً من الذعر الذي كان تشعر به. و لقد عاشت طويلاً بما يكفي لتعرف أن إظهار الضعف -خاصةً أمام من صنفته غرائزها ككائنٍ مفترسٍ من الدرجة الأولى- ليس بالأمر الحكيم.
تابعت بسلاسة "لم تجب على سؤالي. الأسماء ستكون بدايةً جيدة ، وما غايتكم هنا ؟ قصر 'مايلز ' لا يستقبل الكثير من الزوار هذه الأيام ، كما قد تكون لاحظت من... الديكورات في الخارج ".
بدأت سيخارجين بالحديث ، لكن ليون رفع يده قليلاً ليُصمتها. حيث كان يدرس المرأة بعناية ، محاولاً فهم ماهيتها. لم تكن بشريةً بالكامل كان واثقاً من ذلك. الطريقة التي تفادت بها استشعاره ، والأريحية التي احتلت بها العرش ، وغياب الخوف التام رغم وقوفها أمام غريبين مسلحين ؛ كلها دلائل على أنها شيءٌ آخر ، شيءٌ قد يكون له صلة بالتماثيل وبالفساد الهاوي الذي يستشعره في أرجاء القصر.
قال ليون أخيراً ، وقد اختار أن يقدم هذا القدر من المعلومات "أنا ليون ، وهذه سيخارجين. أما عن غايتنا... " صمت قليلاً ، مفكراً في حجم ما يجب الإفصاح عنه "كنا نعبر من هنا ولاحظنا الطبيعة غير المعتادة لهذا المكان. و يمكن القول إنها 'فضول المهنة ' ".
لم يكن لينوي إخبارها بأنه هنا لسرقة كنوزهم ؛ فهو ليس بتلك السذاجة.
ضحكت المرأة مجدداً ، وتردد صدى ضحكتها في قاعة العرش الخاوية "فضول المهنة.. يا له من وصفٍ غامضٍ ورائع ". نهضت من العرش بنفس الرشاقة الانسيابية ، ونزلت درجةً واحدةً لتقترب أكثر من مستواهما ، رغم أنها ظلت مرتفعةً عنهما. وقالت "حسناً يا ليون ويا سيخارجين ، دَعوا لي فرصة تقديم نصيحةٍ مهنيةٍ لكما: الفضول في الأماكن التي لمستها الهاوية غالباً ما تكون له عواقب وخيمة ".
جعل ذكر "الهاوية " العارض عيني ليون تضيقان. و لقد كانت تعرف بالضبط ما حدث هنا ، وماهية تلك التماثيل ، وما يعنيه ذلك الفساد. حيث كان السؤال الآن: هل هي ضحية ، أم جانية ، أم شيءٌ آخر تماماً ؟
لاحظ ليون قائلاً "ومع ذلك تبدين مرتاحةً تماماً هنا ".
أجابت وعيناها السوداوان تلمعان بمتعةٍ مظلمة "الراحة مسألة نسبية ، لكن نعم ، لقد تصالحت مع هذا المكان. السؤال الآن هو ما الذي سأفعله بكما ؟ لقد رأيتما أكثر مما ينبغي. ارحلا ، لكن... " بقيت نظراتها معلقةً على ليون ، بينما ظلت تلك الصدمة الخفية تتردد في أعماق عقلها "شيءٌ ما يخبرني أن محاولة إجباركما على الرحيل ستكون... غير مستحسنة ".
ساد الصمت قاعة العرش إلا من همس الرياح عبر النوافذ الزجاجية الملونة. وقفت المرأة على المنصة ، جميلةً ومروّعةً في آنٍ واحد تحت ضوء قوس قزح. وفي الوقت ذاته ، ظل ليون وسيخارجين في وسط القاعة ، والتوتر يتصاعد بينهما كبرقٍ غير مرئي.
أياً كانت هذه المرأة ، وأياً كانت صلتها بالقصر وسكانه الحجريين ، أدرك ليون أنهما قد تعثرا في أمرٍ أكثر تعقيداً بكثير من مجرد غارةٍ بسيطةٍ على خزانة. والسؤال الآن لم يعد هل سيغادران القصر كزائرين ، أم سيصبحان إضافتين لمجموعة تماثيله ؛ فليون لن يسمح بحدوث ذلك أبداً.
بلغ التوتر في قاعة العرش نقطة الانفجار ، متبلوراً في لحظةٍ بدا فيها العنف ليس فقط محتملاً ، بل حتمياً. حيث كانت عضلات ليون مشدودةً كالنوابض ، مستعدةً للانطلاق في أي لحظة. واستقرت يد سيخارجين على مقبض سلاحها ، بينما تحولت وقفتها بمهارةٍ إلى وضعية الاستعداد للقتال. أما المرأة الغامضة على العرش فكانت تراقب كليهما بعينيها السوداوين اللتين لا قرار لهما ، ولم يكشف وجهها الجميل عن أيٍ من نواياها.
ثم وبنبرةٍ عفويةٍ تشبه طرد خادمٍ بعد تقديم الشاي ، قالت "ارحلا ".
هل كان ذلك ثقةً منها بقدراتها أم تمثيلاً ؟ وحدهما يعلمان الإجابة.
علقت الكلمة في الهواء ، غير متوقعةٍ لدرجة أن ليون وسيخارجين لم يتحركا للحظة. و لقد كانا مستعدين للتهديدات ، وللمفاوضات ، ولعنفٍ مفاجئ ؛ لأي شيءٍ سوى هذا الطرد الهادئ.
اتكأت المرأة إلى الخلف على العرش ، ملوحةً بيدٍ أنيقةٍ نحو الأبواب التي دخلا منها "هيا ، ارحلا عن هذا المكان. خذا فضولكما وأسئلتكما وغادرا. قصر 'مايلز ' لا يملك كنوزاً لكما ، ولا إجاباتٍ تودّان سماعها ، ولا معارك تستحق القتال ".
خفّت قبضة سيخارجين على سلاحها قليلاً ، وحل الارتباك محل استعدادها للقتال. و نظرت إلى ليون ، تحاول تقدير رد فعله تجاه هذا التطور غير المتوقع. و في ذهنها كانت تحسب زوايا الهجوم ، وطرق الهروب المحتملة ، والتبعات التكتيكية للقتال في مساحةٍ فسيحةٍ كهذه. أن يذهب كل ذلك التحضير... هباءً كان أمراً صادماً.
ضاقت عينا ليون قليلاً ، يمسح المرأة بحثاً عن أي علامةٍ للخداع أو فخٍ ما. و لكنها بدت غير مهتمةٍ بالصراع حقاً ؛ كانت وضعية جسدها مسترخية ، رغم أنها بوضوحٍ أدركت الخطر الذي يمثله ليون. ولعل ذلك الإدراك هو ما دفعها لطردهما ؛ فقد عرفت ما هو قادرٌ عليه حتى وإن لم تفهم كنه قوته تماماً.
سأل ليون بصوتٍ محايدٍ بعناية "بهذه البساطة ؟ نقتحم قصركِ ، ونشهد ما نشهده هنا " وأشار بحركةٍ غامضةٍ إلى قاعة العرش وما يتبعها من قصرٍ يعج بالتماثيل "ثم تطلبين منا ببساطةٍ الرحيل ؟ "
ارتسمت على شفتي المرأة نفس الابتسامة التي لا تصل إلى عينيها "هل تفضل أن أجعل الأمر معقداً ؟ أن أطالب بالقتال ؟ أن أهدد بعواقب وخيمة ؟ " اومأت ، وشعرها الأسود يتناثر كظلٍ سائل "لقد عشت طويلاً بما يكفي لأمتنع عن خوض صراعاتٍ لا داعي لها. تريدان الرحيل -أستطيع رؤية ذلك في وقفتكما ، وشمّه في الهواء المحيط بكما. و هذا المكان يزعجكما ، كما ينبغي له. لذا ارحلا. اعتبراها لحظةً نادرةً من المنفعة المتبادلة ".
كان عقل ليون يحلل الاحتمالات بسرعة. و لقد كان يشعر بفضولٍ جامحٍ تجاه ما حدث هنا ، وعن الصلة بين التماثيل وفساد الهاوية ، وعن هذه المرأة التي استطاعت تفادي إدراكه المكاني والتي تعرفت على قوته دون أن تختبره. حيث كان القصر لغزاً ملفوفاً في خطر ، أحجيةً كان جزءٌ منه يرغب في حلها.