الفصل 206: الأم والملك
استدار ليون ببطء ، وصدى قرمشة الصقيع تحت حذائه يتردد كأنما زجاج هش يتكسر في سكون مطبق. مضى بخطواته عبر الحجارة التي غشاها الجليد ، تاركاً وراءه صمتاً مهيباً ، وفناً مروعاً من فنون الانتقام المحقق.
وعند وصوله إلى حافة الساحة ، نظر إلى الأسفل. حيث كان ضجيج الاشتباك المعدني قد خمد ، والجثة لا تزال تتصاعد منها خيوط دخانٍ من لحمٍ متفحم. والأهم من ذلك أن رأسه لم يكن متصلاً بجسده ، بل كان ملقىً على مسافة بعيدة.
لقد مات ، وعلى بُعد أمتار قليلة منه وقفت سيخارجين دون أن يمس جسدها خدش واحد. حيث كان تنفسها مستقراً ، ولم تظهر على بشرتها قطرة عرق. أما شعرها الطويل ، فكان يتمايل مع النسيم لم يلمسه غبار المعركة.
"أحسنتِ التصرف.. دقيقةٌ ومتقنة تماماً كما توقعت. "
استطاع ليون أن يجزم بأنه كان بإمكانها القضاء عليه أسرع من ذلك لكن رؤية علامات الرضا على وجهها جعلته يدرك أنها استمتعت بالنزال ، وتفهم السبب ؛ فبالرغم من كون الدوق أرسلين أضعف منها إلا أنه ظل خصماً قوياً يتطلب منها الجدية.
على عكس نزالها معه ، حيث كان يتمتع بأفضلية كبرى من حيث طاقة المانا واستخدام عنصره و ربما كان جسدياً أضعف منها آنذاك ، لكن ذلك لم يكن ذا أهمية أمام قدرات مثل "الفضاء " و "الحياة " مدعومة بكمية هائلة وغير منطقية من المانا.
وبعد امتصاصه للأحجار الكريمة ، تفوق عليها حتى في القوة الجسديه بفضل تعزيز مستواه من الفئة SSS ، وأصبح الآن يعجز عن تقدير مدى قوته الجسديه الحقيقية. حيث كانت أطرافه تنبض بقوة فطرية ، لا تهدأ ، وكأنها تنتظر مبرراً لتتفجر.
لم يستخدم المانا قط طوال تلك الفترة ، ولم يستخدم سوى جزء ضئيل من كامل قوته. و أدرك حينها أنه صار فائق القوة ؛ تلك المرأة الفاتنة التي بدت يوماً ما كتهديد —والتي يُرجح أنها من النطاق الأوسط— لم تعد تعني له شيئاً.
"لقد تجاوزت تلك العتبة بالفعل ، ولا عودة للوراء الآن. "
لم يضطر ليون لخوض قتال معها ليوقن بذلك بل كان يشعر به في أعماقه ؛ فهي لم تعد قادرة على إلحاق أي ضرر حقيقي به.
"أشعر أنني أصبحت قوياً جداً بسرعة مفرطة... لا أعتقد أن هناك الكثير لأراه في هذا المكان... بمجرد أن أنتهي من هذا وأسلب كنوز النطاق الأدنى بأكمله... سأرحل سريعاً إلى 'الضباب المُحَرم ' لأدخل النطاق الأوسط وأرى عالماً أكثر اتساعاً. "
لم يبقَ له هنا أي تحدٍ ، والأهم من ذلك أنه لم يعد قادراً على رفع مستواه وهو في هذا المكان. فالدناجن هنا شحيحة ومستوياتها متدنية ، وبناءً على ما أخبرته به سيخارجين ، فإن أقوى وحش يمكن العثور عليه هو "زعيم من المستوى العاشر " وهو أقوى بقليل فقط من الوحش الذي يتربع على العرش والذي سبق وأن وصفه لها.
"أحتاج إلى أحجار جوهرية ذات مستوى عالٍ... تلك الأحجار التي هنا منخفضة المستوى ولا تفي لرفع تصنيفي. "
ما أحتاجه لم يعد موجوداً هنا ، ولم يعد لهذا المكان ما يقدمه لي. فلم يكن يرغب في صيد آلاف الوحوش ليرتقي مستوى واحداً ، خاصة وأن العثور على الوحوش بحد ذاته بات تحدياً.
فجأة ، ومن خلال حسه المكاني المتوقد ، رصد ليون حضور وافدين جدد يبدو أنهم كانوا يعدون للوصول إليه ؛ ثلاثة أشخاص ، اثنان منهم امرأتان ورجل. لامس حضورهم إدراكه كاهتزازات خفيفة على مؤخرة عنقه.
"مزيد من الحركة ، دعنا نرَ إن كانوا أعداءً أم مجرد ظلال تتبع العاصفة. "
بدا أنه مضطر للمزيد من القتال. و لقد ساد هدوء مريب منذ أن حول ألاريك إلى تمثال جليدي ، ولم يجرؤ أحد على تحديه حتى بات الأمر مملاً. حيث كان يتوقع رداً أعنف ، لكنهم بدوا مذعورين للغاية من قوته.
وما أثار اشمئزازه أكثر ، هو حين نظر للتو إلى الملك ؛ فكان ما زال جالساً على كرسيه بنفس تعبير الصدمة ، كأنه تائه في عالم خاص به. حيث كانت مفاصل أصابعه بيضاء من شدة الضغط على مسند الكرسي ، جامداً كأنه تحول إلى حجر.
"إذا كان الخوف قادراً على شلّ حتى الملك ، فإن الألقاب لا تعني شيئاً. "
"تباً ، لقد مات ابنه أمام عينيه مباشرة ، وما زال الرجل في حالة ذهول. لم أرَ في حياتي جباناً كهذا. "
لم يكن ليون قديساً ، فقد قتل ألاريك ، وربما يبدو في أعين البعض شريراً. فلم يكن ينوي تبرير أفعاله أو الاعتذار عنها ، فذلك جزاء ألاريك على ما اقترفه. وإذا أرادوا الانتقام ، فسيستقبلهم بصدر رحب.
لكن عليهم أن يكونوا مستعدين لمواجهة العواقب.
استدار ليون ليرى الضيوف الثلاثة الذين توقفوا عن المسير فور وصولهم إلى هذا الطابق. لم يتفاجأ في أدنى درجاته ، لكن عندما وقعت عيناه على وجه إحداهم—
تذكرها ، استرجع عقله ذاكرته. "ما كان اسمها ؟ أوه ، ليورا! "
كانت هي ذاتها الفتاة المصابة التي التقاها داخل الدانجن. حيث كانت قد أخبرته أنها من عائلة نبيلة صغيرة ، عائلة فاليون. وبدا الآخران شبيهين بها ، فاستنتج بسهولة أنهما والداها.
"يبدو أنني أخطأت في افتراضي... لم يأتوا هنا لقتالي ، بل للقتال بجانبي... "
التقت عيناه بالمرأة ذات الشعر الأشقر البلاتيني والعينين اللتين تشبهان عيني فيورا ؛ باللون الذهبي الفاتح. حيث كانت والدة فيورا ، وقد رمقته بابتسامة غريبة لم يدرك كنهها ، فتجاهلها.
ومع أنه لم يكن بحاجة لمساعدتهم في شيء إلا أنهم جاءوا لنصرته رغم علمهم أن مملكة بأكملها تتآمر عليه لقتله. و لقد خاطروا بحياتهم ، وكان بإمكانهم تجاهل كل شيء حتى ينقضي الأمر ؛ لم يضطروا للقدوم أصلاً.
أدرك أن فيورا هي السبب في مجيئهم ؛ فرغم ضعفها ، جاءت لتقدم يد العون. بات ليون يعلم الآن أن هذه الفتاة تمتلك قلباً نقياً للغاية.
لكن شيئاً واحداً أثار دهشته أكثر من الابتسامة الغريبة التي أطلقتها والدة فيورا—لقد بدت ساذجة بعض الشيء ، لكن ذلك لم يغير حقيقة واحدة في نظره.
"كيف بحق الجحيم هي بهذا القدر من القوة! ؟ "
ألم يكن يُفترض أنهم من عائلة نبيلة صغيرة... كيف لأمها أن تكون بهذا المستوى من القوة ؟
كانت قوتها مثيرة للاستغراب ، فهي تقريباً بمستوى تلك الجميلة الأخرى التي رآها حين كان يسلب القصر الملكي ، والتي كانت تجلس بعيداً قليلاً عن مكان وقوفه. تلك المرأة وتلك الفتاة ذات الشعر الأخضر —التي كانت جميلة أيضاً— تمتعتا بسحر خاص يختلف عن المرأة ذات الشعر الأشقر اللامع.
لكن كلتيهما كانتا في غاية الجمال.
أما قوة والدة فيورا —رغم أنه لم يستطع تحديد مستواها بدقة— فقد بدت في مستوى مقارب لتلك الجميلة الشقراء التي رآها سابقاً. حيث كانت قوتها تفوق قوته قبل تحوله العرقي ، وبإمكانها بسهولة تدمير مملكة شامبين بأكملها وحدها بهذا المستوى.
قد تكون فيورا ضعيفة ، لكن والدتها... كانت بالتأكيد ستنقذه لو كان بلا حول ولا قوة.
"من تكون هذه ؟ "
ظل هذا السؤال بلا إجابة.
"أرأيتِ يا فيورا ؟ لقد وصلنا قبل أن ينتهي المرح ، حبيبك ما زال سليماً! "
ارتجفت حاجب ليون ، لكنه لم ينبس ببنت شفة. ومع ذلك كان لصوتها ثقلٌ كبير—أكثر بكثير مما يليق بامرأة من عائلة نبيلة صغيرة.
غير أن تركيزه انتقل إلى أمر آخر ؛ فجأة ، وقف ملك شامبين من مقعده أخيراً وبدأ يسير نحوه. لم يستطع ليون قراءة أي شيء من تعابير وجهه.
"إنه يتحرك... هل حسم أمره ، أم أن ثقل الندم قد أدركه أخيراً ؟ "
توجهت الأنظار نحو الملك ، لكنه لم يلاقِ نظرة أحد.
كانت خطواته يتردد صداها بنبرة حاسمة وغريبة. راقبه ليون ، ليس بدافع الفضول عما سيقوله ، بل ليرى إن كان قد استجمع شجاعته أخيراً ، أم أنه فقد صوابه تماماً.