الفصل 189: في طريقي إلى المهرجان
على أرضٍ لم يكن يصح وصفها إلا بالخراب التام ، بدلاً من تلك المساحات الخضراء الممتدة ، استلقى جسد "ليون " العاري وعيناه مغلقتان.
في الأعالي كانت تتناثر سحبٌ بيضاء ممتدة ، في مشهدٍ فريدٍ لهذا البعد المكاني الذي لم يعرف الغيوم قط ، حيث لم يكن يُرى فيه سوى زرقةٍ لا متناهية بقدر ما يمتد البصر. حيث كان حجم تلك الغيوم يضاهي حجم السحابة الرمادية السابقة ، لكنها بثت في النفس شعوراً مغايراً تماماً ؛ فلم تكن تنذر بالسوء أو توحي بالرفض ، بل كانت دافئة ومرحبة.
وفي غياب شمسٍ تتربع في الأفق كانت الغيوم تسكبُ أشعةً دافئةً مباشرةً على جسد ليون ، بانتظار استيقاظه. لم يطل الانتظار ، ففي الدقيقة التالية ، ارتجفت أجفان ليون وانفتحت عيناه الغامضتان.
"أوه... " صوتٌ مخنوقٌ صدر عنه..
فتح عينيه بكسل ؛ وللحظة لم يسترجع أي شيء من ذاكرته ، ولكن بمجرد أن أبصر المشهد من حوله ، تدفقت ذكرياته كالسيل الجارف منذ اللحظة التي نال فيها طاقة مقدسة على نحو غير متوقع.
"ظننت أنني لقيت حتفي إثر هجوم ذلك العملاق المدرع بالذهب... فكيف أعود حياً ؟ ولماذا تبدو السحب في السماء بيضاء ؟ "
نهض ببطء ، مستشعراً خلو المكان من أي تهديد. عندها لاحظ اختفاء ريشة العنقاء من حول عنقه ، فأعمل فكره سريعاً وتوصل إلى نتيجة.
*إذن ، بعد موتي ، انتهى الاختبار ، وعُدتُ للحياة بفضل ريشة العنقاء التي كانت بحوزتي.*
كان يظن سابقاً أن ريشة العنقاء قد استُنفدت ، وهو ما جعله يشعر باليأس ، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك. لم يدرك ليون ما حدث بالضبط ، لكنه لم يتذمر من ذلك.
*تباً ، تلك الريشة الغامضة هي التي أنقذت حياتي. أحسنتِ صنعاً يا رفيقتي ، سأظل ممتناً لتضحيتك ، ولم يداخلني الشك في قدرتك يوماً.*
لكن شيئاً واحداً ظل يؤرق ليون. لم يرغب في الشكوى ، لكنه لم يتلقَّ أي مكافأة مقابل الضربة الخامسة عشرة التي وجهها لذاك "العلبة المعدنية " الذهبية. ارتجف جسده لا إرادياً وهو يستعيد ذكريات عجزه التام أمام ذلك العملاق المدرع. *طرقٌ.. طرقٌ.. طرقٌ.*
*أحتاج إلى أن أصبح أقوى بكثير مما أنا عليه الآن. لا أريد أن أشعر بذلك العجز الذي انتابني في تلك اللحظة أبداً... ذلك الرعب الذي اعتصر قلبي... لن يتكرر ذلك أبداً.*
لقد صار أقوى بمئات المرات مما كان عليه ؛ فالنجاة من ذلك الكابوس بحد ذاتها إنجازٌ عظيم ، لكن كان من الأفضل لو حصل على مكافأة ذلك الكابوس الأخير.
*آه! أحتاج إلى تلك المكافأة... لكن... أنا حيّ... رغم كل الصعاب التي تكالبت ضدي. لا بد أن لهذا معنى.*
كان يهم بمتابعة أفكاره حين بدأت حروفٌ قديمة بالظهور فجأة أمامه. *وميض!* وبمجرد أن رآها ، لمعت عيناه فرحاً.
*مكافأتي!*
لكن ، عوضاً عن أن تأتي إليه أو تطلق برقاً ذهبياً كما حدث في التحول الأول ، بدأت تلك الحروف تتجمع في موضع واحد. و لقد انتقل ذلك الشعاع الضوئي الغريب الذي لاحظه سابقاً ، والذي كان يغمره ، إلى المكان الذي تجمعت فيه تلك الرموز القديمة.
ثم لاحظ أن السحابة الضخمة في السماء بدأت تتضاءل وتتقلص ، حيث تحول شعاع الضوء إلى حزمةٍ من الطاقة الذهبية المكثفة التي كانت تُقذف باتجاه موضع الرموز الغامضة ذات الطابع القديم.
تراجع ليون غريزياً ، فقد كانت الطاقة هائلة وفائقة. *طنين..*
بدت الرموز وكأنها تتحكم في الطاقة ، ولم يستوعب كيف تتشكل هذه الكمية الضخمة من الطاقة التي تجاوزت في قوتها ذلك التنين السابق ، أما عن العملاق المدرع ، فلم يكن لدى ليون أدنى فكرة عن مدى قوة ذلك الكائن.
بدأت الطاقة تتخذ شكل صورة ظلية لرجل ، مما أثار ذعره. و بدأ العرق يتصبب منه بغزارة. *قطرة.. قطرة..* لم تكن لديه الرغبة ولا القوة لمقاتلة وحشٍ كهذا ، ذاك الذي فتكت به سابقاً وكأنه ذبيحة.
*أرجوك ألا تكون عدواً...*
لم يملك في تلك اللحظة إلا الدعاء ، لكن حقيقة أن تلك الرموز القديمة التي منحته القوة من قبل كانت طرفاً في الأمر—وأن الأجواء لم تكن مشؤومة كما كانت من قبل—منحته بعض الأمل.
تلاشت السحابة تماماً ، وما وقف أمامه كان جسداً ذهبياً يبدو كنسخة طبق الأصل منه ، مع رموز غريبة تتوزع في كل أرجائه ، لتخلق تناغماً ساحراً.
كل رمزٍ كان ينبض خفوتياً ، هامساً بأسرار أقدم من السماء التي تعلوهما. حيث كانت كل تقبيله تتلألأ بالقوة ، كأنها ذكرى نُقشت منذ لحظة الخلق.
*ربما... ربما هذه هي نقطة التحول. ليس عدواً ، بل مفتاح لشيء أعظم.*
توخى ليون الحذر وألا يقترب ، لكن ذلك الشيء لم يتحرك قيد أنملة ، كما لم يشعر منه بأي نوايا سيئة أو ما شابه ذلك.
*يبدو الأمر وكأن هذا الشيء ليس حياً حتى... ولكن لماذا يبدو تماماً مثلي... ماذا علي أن أفعل الآن ؟*
للحظة ، فكر في ترك هذا الشيء هنا والذهاب إلى المهرجان الذي ربما يكون قد بدأ بالفعل الآن. ومع ذلك فإن كلاً من قلب "المانا " الخاص به ، ونواة المانا العنصرية—التي قادته إلى فئة "نموذج العناصر "—كانت خيارات ما زال يشعر بالامتنان لها حتى يومنا هذا.
*لا أشعر بنبض القلب الجديد بعد ، فذلك الشيء كاد ينهي حياتي مراراً وتكراراً في وقت قصير.*
لم يكن يثق بالقلب كثيراً ، لكن في "نواة المانا الشاملة للعناصر " كان يضع ثقته كاملة ، فهي التي أنقذت حياته داخل القبو ، وهي التي أوصلته إلى ما هو عليه الآن. وبدونها كان من المرجح أن يحصل بالكاد على فئة من الرتبة (ب).
حياةٌ متواضعة ، لا وصول للنظام الكوني ، ولا فرصة ليرتقي إلى عوالم أعلى أو حتى ليصبح خالداً.
*كنت سأصبح شخصاً ما على أية حال لكن بالتأكيد لم أكن لأصل إلى ما أنا عليه الآن.*
لم تكن تلك الكرة مجرد كنز ؛ بل صارت أكثر من ذلك بكثير ، وحقيقة أنها كانت تلمح له بالاقتراب من نسخته الغريبة جعلته يثق في قرارها. تحرك ببطء مقترباً من النسخة ، ولم يحدث شيء. ظلت واقفة هناك كقطعة ساحرة مصنوعة من الطاقة الذهبية والرموز الغريبة الممتدة في كل مكان.
حرصاً على سلامته ، قرر تجرع الإكسير قبل لمس ذلك الشكل الذهبي. *جرعة..*
أحدثت يده تلامسها الأول مع الشكل عند منطقة الصدر. *طنين..*
ثم حدث ما حدث...
——
كان ليون خارج الفضاء البعدي ، مرتدياً ملابسه الرسمية المعتادة. بدا واثقاً بنفسه أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من عدم تركيزه على رسالة النظام أو تفحص تفاصيلها إلا أنه شعر بشعور رائع.
القوة.
السيطرة.
الجسد.
كان كل شيء يبدو مختلفاً. تغيّر إدراكه للعالم بأسره ، وكانت الطاقة المقدسة بانتظار أوامره كحيوان أليف مطيع—كان بوسعه أن يشعر بها.
*فلنذهب لزيارة مهرجان أكاديمية الصعود الآن... لا بد أن "سيخارجين " في حالة قلق.*
تلاشى طيفه في الهواء. *هبوب!* لم تُستهلك أي كمية من المانا ، ولم تظهر أي شقوق على الأرض بينما كان يشق طريقه نحو الأكاديمية. لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ معدودة ليصل إلى هناك دون الحاجة حتى لاستخدام تحكمه الدقيق في القوة الطبيعية.
كان بإمكانه أن يذهب أسرع ، لكنه لم يرغب في تدمير الطريق الذي سيسلكه.