الفصل 144: أسرارٌ غابرة
ما الذي رأته وجعل كائناً أزلياً مثلها يصاب بالذهول ؟
أيُّ قوةٍ تلك التي جعلت كياناً قديماً ككيانها يرتعد ؟
كان الجواب ماثلاً أمامها مباشرة.
شاشة.
كانت شفافة ذات لون فضي ، تألق أمامها - منسوجة من خيوط الزمن ، وتتوهج على حوافها رموز غامضة باهتة. وفي داخلها كان "السيدُها " في المستقبل يقف كإلهٍ بين ديدان ، ومئات المتسولين جاثون على ركبهم. تقطع أنفاسها ، واستيقظت حرارة بدائية في روحها العتيقة.
لقد شهدت كل ما حدث منذ اللحظة التي دخل فيها إلى هنا.
وإن قول هذا لا يفي بما فعلت ، فقد راقبت بوقاحة كل لحظة من وقته - كل ثانية ، وكل نبضة قلبٍ لـ "السيدِها " هنا.
مهما فعل: حين كان يأكل ، وحين ينام ، وحين يتنفس ، وحين يتدرب ، وحتى حين يمارس الجنس -
لم يفتها شيء ، فقد كان ذلك هو ترفيهها الوحيد.
----
كعادتها كانت تراقبه وهو يدخل بصحبة مئات المتسولين. و أدركت سريعاً خطته لبناء شعبه في هذا المكان ، وكانت حركةً ذكية. حيث كان عليها أن تثني عليه لذلك ؛ خطوةٌ واحدة ستمنحه ميزة هائلة مع مرور الوقت.
لكن لم يكن ذلك ما أصابها بالذهول.
إنه الضوء.
نورٌ ذهبي سماوي غمر سيدها.
ذلك الضوء - إلهي ومطلق - كان ينساب على جسده في موجات بطيئة ، مطرزاً كل حركةٍ ببريقٍ مقدّس. حيث كان الهواء حوله يلمع ، نابضاً كقلبٍ مصنوع من ضوء النجوم.
كانت تعرف ماهية ذلك - إنها الطاقة المقدسة.
والحقيقة الصادمة هي أن سيدها يمتلك تقارباً مقدساً ، ولم يكن ضعيفاً مقارنةً بتقارباته الأخرى.
الرتبة السابعة.
كيف كانت متأكدة ؟ بما أنها تمتلك صلةً بعنصر الزمن فقط ، فقد حددت أنه يمتلك تقارباً من الرتبة السابعة في عنصر الزمن.
أما بالنسبة للعناصر الأخرى ، فقد كانت الإجابة واضحة ؛ لقد راقبته بما يكفي لتدرك أن كل تقاربٍ يمتلكه هو من الرتبة السابعة.
وكم عنصراً رأته يستخدم ؟ أكثر من أن يُوصف بـ "العبقري " حتى.
لم تكن هناك سوى كلمة واحدة تصفه.
وحش.
طفرةٌ في الطبيعة.
حتى مع صدمة امتلاكه لعناصر تضاهي ندرتها ندرة عنصر الزمن نفسه -
لم يكن ذلك مصدر صدمتها. بل حقيقة أن الطاقة المقدسة التي تشكلت حوله لم تكن مستعارة من أولئك الذين يُسمون بالآلهة ، أو بعبارة أدق ، الكائنات الخالدة.
كيف يمكن أن يكون هذا ممكناً ؟
لقد شعرت به - ليس بالرؤية ، بل بتموجٍ في نسيج الوجود ذاته. تشكّل ضغطٌ في صدرها بينما تبلورت تلك القوة الذهبية من التبجيل الجماعي لأولئك المتسولين. لم تكن ألوهيةً مستعارة - بل كانت وليدة ، صِيغت من إيمانهم به كإله.
الإيمان ليس شيئاً ينمو لدى المرء بسهولة. وحقيقة أن لديه أتباعاً يؤمنون به كما لو كان إلههم ، أثبتت لها مدى تميز سيدها وجاذبيته.
لم يكن سيدها يعي حتى ما فعله ، وهو أمرٌ لا يمكن لمح أطرافه إلا من خلال معرفةٍ تُعد من المُحَرمات في كل العوالم دون "العالم الأزلي ".
حتى في "العالم الإلهي " لم تكن هناك سوى همسات عن مصطلح "عنصر الإله " المرتبط بالعنصر المقدس.
أولئك الألوهيون الأدنى ، وحتى معظم "الألوهيين النخبة " لم يدركوا أن مصطلح "عنصر الإله " لم يكن مجرد كلمات ؛ بل كان يحمل في طياته أسراراً قديمة الجذور أخفاها من يقيمون في العالم الأزلي.
ارتجف جسدها العتيق من مجرد التفكير في الأمر.
ومع ذلك حطّم سيدُها حقيقة كل كائن إلهي ، دون أن يشعر بذلك.
الطريق لدخول العالم الأزلي ، واختراق الحاجز النهائي للألوهية النخبة -
كانت تعرفه هي أيضاً ، كونها واحدةً من القلائل الذين يتمتعون بقوةٍ في ذروة الألوهية النخبة.
ومع ذلك كانت الخطوة التالية تبدو بعيدة جداً.
لكنها خالدة ، ولديها حياةٌ لا تنتهي. عاجلاً أم آجلاً ، ستدخل العالم الأزلي.
حتى وإن كان ذلك "العاجلاً " يعني مئات الآلاف من السنين - أو ملايين ، أو حتى مليارات السنين - لم تكن تملك إجابةً على ذلك الآن.
لكنها تؤمن بأن رحلتها لن تنتهي عند العالم الإلهيّ فقط.
إيمانٌ تتمسك به.
لم يكن عبثاً أن يُقارن عنصر الزمن بالعنصر المقدس.
إذا كان التحكم في الزمن يمنح المرء قدراتٍ خارقة للعادة - تلك التي تجعل الآخرين يشعرون باليأس حين يواجهونها - فإن العنصر المقدس بحد ذاته أمرٌ سخيف.
إنه قادر على فتح طريقٍ يختلف عن كل ما عداه ، ليس للجميع ، بل لسيدها فقط.
لأن أولئك الذين يستعيرون القوة الإلهية من كائناتٍ أعلى يحتاجون إلى "فئتهم " (فئه) ، وهذا قد يجعلهم يكسرون حاجز القوة من حيث العوالم مؤقتاً ، لكن لا شيء أكثر من ذلك.
أما الطريق الذي سلكه سيدها العظيم الآن.
فبإمكانها رؤيته.
وتشعر به في أعماق كيانها.
طريقٌ يختلف عن الطريقة المعتادة بالاعتماد على "الفئة " للارتقاء عبر عوالم الزراعة (تدريب).
حتى وإن كانت طريقتها في اكتساب القوة مختلفة عن البشر ، فقد كانت تمتلك "فئة " خاصة بها.
حتى التنانين لديها فئات ، تختلف عن الأعراق الأخرى بطريقتها الفريدة في اكتساب القوة.
قرأت النص القديم الذي تعلمت منه عن "عنصر الآلهة ":
"تتلاشى ما تُسمى بالفئات التي تحدد هوية كل كائن أمام من هم مقدسون. "
"دربٌ لا يشبه سواه يتكشف لأولئك الذين لم يخترهم البشر ، بل الكون ذاته - من أجل الألوهية - إن هم استيقظوا على ما يكمن في داخلهم. "
حتى هي لم تفهم المعنى الحقيقي لهذه الكلمات الغامضة ، إذ لم تكن تعرف - رغم وجودها لآلاف السنين في هذا الكون الذي كان مجرد ذكر اسمه يجعل العالم الإلهيّ يرتجف - ما كانت تحاول تلك الكلمات قوله.
لم تكن تعرف.. حتى رأت ما رأته الآن.
دربٌ نحو الألوهية - أستطيع رؤيته في سيدي - يتحقق فقط حين تكون أنت مصدر إيمانك الخاص ؛ هذا هو معنى ما يكمن في داخلهم.
ليس كما رأت طوال آلاف السنين ، حيث كان يُكتشف حاملو العنصر المقدس ، فتتحرك الكنيسة بأكملها فقط للحصول على ذلك الكائن ، بغض النظر عن عرقه.
يجعلونه تابعاً لكنيستهم ، وليس مجرد تابع عادي ، بل بمنحه منصباً رفيع المستوى.
ويا للمفارقة: أكثر الفصائل عنصرية في الكون تفعل كل ما بوسعها للحصول على الشخص الذي يمتلك العنصر المقدس ، غير مكترثين إذا كان ذلك الكائن من العرق الذي يدينونه يومياً كأعراقٍ دنيئة.
لأنهم يصنفونه كـ "مقدس ". في أعينهم ، هو يتجاوز العرق.
لطالما وجدت الأمر متطرفاً بعض الشيء - كيف يتحركون ، بغض النظر عن رتبة التقارب المقدس للشخص ، وكأنها مهمة كنيستهم بأكملها.
أو بعبارة أخرى - ما هو الشيء الهام جداً لديهم ، والذي يجعل من يقيمون في العالم الأزلي يرغبون بشدة في انضمام أي شخصٍ لديه تقاربٌ مقدس إليهم ؟
لا تملك إجابةً على هذا السؤال الآن ، لكنها أدركت أخيراً ما كان يدور حوله الدرب المذكور في النص القديم ، وعلاقته بالعنصر المقدس.
بسبب سيدها.
ومع ذلك فإن مصطلح "عنصر الآلهة " المذكور أثار في نفسها تساؤلاً.
هل الآلهة المذكورة في النصوص تشير حقاً إلى كائنات مثل الألوهيين الأدنى الذين يمكن اعتبارهم آلهة في العوالم السفلية ؟
أم كان شيئاً أعظم ؟ كدليل على العالم الأزلي - النظام الكوني - النصوص القديمة -
قد لا يكون الأمر كما تتخيل ، بل شيئاً أعظم.
ذلك العالم التالي الذي حاولت الوصول إليه لملايين السنين ، والذي لو بلغته ، لن يستطيع هذا القفص تقييدها.
ومع ذلك لم تكن ترى الطريق أمامها.
غمرها رعبٌ مفاجئ ، كما لو أن...
طريق الألوهية وعنصر الآلهة...
هل يمكنه حقاً صنع طريقٍ فريد للعالم الذي يعلو عالمهم ؟
لا!!!
لا يمكن أن يكون ذلك - هاها! سيكون أمراً في غاية السخف...
طردت تلك الأفكار من رأسها ، فمن شأنها أن تدفعها للجنون.
----
واصلت استبصارها ، محاولةً لمحة مستقبله.
كمية هائلة من المانا تدفقت باستمرار وتلوت فى الجوار ، عازمةً الفضاء إلى زوايا مستحيلة. و بدأ رمزٌ متوهج يُنحت في الهواء - قديم ، حلزوني الشكل ، دائم التغير ، وكأن الكون يكافح ليستوعبه.
لكنه كان ما زال بعيداً عن الاكتمال.