الفصل 130: عبدُ الإله
كان "ليون " يشعر بخيطٍ يربطه بالرجل الماثل أمامه ، رابطةٌ روحية دقيقة لكنها لا تقبل الإنكار. فكلُّ شعورٍ يعتري هذا الرجل -من خوفٍ ، وفضولٍ ، وحتى جوعٍ قارض- كان يتموّج عبر ذلك الاتصال كأنه إشارة.
كان ما زال يرغب في إجراء بعض الاختبارات على "علامة العبودية " لكنه قرر قبل ذلك أن يمنحه بعض الطعام. والآن ، بما أن هذا الرجل قد صار عبداً له ، فلم يعد لماضيه أهمية ؛ فما عليه سوى اتباع أوامر "ليون " والعمل لديه ، أحب ذلك أم كره.
ظهرت في يده وعاء فارغ من مخزونه ، وأتبعه في يده اليسرى "ملعقة الحساء اللانهائي " التي استخدمها لملء الوعاء.
ناول الوعاء لعبده ، ورأى نظرة الصدمة على وجه الرجل ، إذ لم يصدق ما شهدته عيناه للتو.
لكن "ليون " لم يأبه لذلك الآن ؛ فالرجل لا يستطيع خيانته بسبب "علامة العبودية ". وثانياً ، هو موجود داخل فضاءٍ بُعدي يتدفق فيه الزمن بسرعة تعادل ألف ضعفٍ مقارنة بالخارج. حيث كان "ليون " يؤمن بأن هذا الرجل قد يموت من الشيخوخة قبل أن تتاح له فرصة المغادرة ؛ هذا بالطبع إن سمح له بذلك.
ومع ذلك لم يرَ "ليون " في الأمر قسوة. ففي هذا العالم الذي يبنيه ، مُنح العبد فرصة للبدء من جديد ؛ إذ سيجد الطعام والمأوى وغايةً يعيش من أجلها حتى وإن كانت تلك الغاية مقيدة بالأغلال.
فتح "ليون " شاشة حالته ليتفحص مدى تقارب الرجل (الأفينيتي) ، دافعه في ذلك الفضول أكثر من التوقعات.
[تقارب الماء (الرتبة 3)]
كان تقارباً ضعيفاً للغاية. وبخلاف ذلك لم يكن لديه ما يظهره ؛ إذ لم يمتلك سوى مهارات من الرتبة العامة وتقنية واحدة كانت هي الأخرى من الرتبة العامة.
وحتى إحصائياته كانت متدنية.
لم يعتقد "ليون " أنه سيحتاج يوماً إلى مساعدة هذا الرجل في العالم الخارجي.
كان هناك صبيٌّ واحد فقط وجده في الأحياء الفقيرة بأكملها ، اعتبره جديراً بالرعاية ، لأن تقارباته كانت قد أدهشت "ليون " قليلاً عندما زار تلك الأحياء لأول مرة.
بخلاف ذلك الصبي لم يكن هناك أي شخص يمتلك تقارباً من الرتبة الخامسة. و وجد قلةً من الرتبة الرابعة ، لكن معظمهم كانوا من الرتبة الثالثة ، وبعضهم حتى من الرتبة الثانية.
ومع ذلك إن أتيحت له الفرصة ، فهو يرغب في أن يوقظ معظمهم فئتهم (كلاس) ؛ فهذا سيوفر له قوة عاملة أقوى ، وسيزيد من أعمارهم أيضاً.
كان ما زال لديه الكثير من المهام ، مثل القيام بجولة تسوق في "المتجر الكوني " لبناء أساس عالمه داخل الفضاء البُعدي.
لم تكن هناك حتى أشجار يمكنهم قطعها لاستخدامها كمواد لبناء المنازل. سيقوم بتلك المشتريات اليوم بعد أن يفرز كل الكنوز التي نهبها ، ويفصل ما يريد بيعه عما يريد الاحتفاظ به.
"أنا حقاً أبني عالماً من لا شيء. "
أمسك "جيمس " بوعاء الحساء وبدأ يلتهمه بسرعة ، مقرباً وجهه من الوعاء.
وفي اللحظة التي لامس فيها الحساء لسانه ، اتسعت عيناه ؛ فقد كان غنياً ، دسيماً ، ومتبلاً بدقة فائقة ، وكأنه شيء من عالمٍ لم ينتمِ إليه قط. سرت الحرارة في صدره كأنما أُشعلت نارٌ في أعماقه.
أخذ يمضغ الحساء بنهم وعلى وجهه تعبيرٌ من السعادة الغامرة.
بعد أن أنهى الوعاء تماماً ، نظر بتردد إلى الرجل الذي صار عبداً له.
شعر "ليون " بالتردد عبر الاتصال الروحي ، فملأ الوعاء بالحساء مجدداً دون أن ينبس ببنت شفة ، مما جعل "جيمس " يحني رأسه قليلاً بابتسامة صادقة.
وبينما كان "جيمس " يأكل ، صدح صوت "ليون " الآمر:
"هذا المكان سيكون منزلك ، إلى جانب بقية الناس الذين ستقابلهم قريباً. وظيفتك هي العمل معهم مع ضمان الحفاظ على النظام. حيث يجب ألا يتقاتل الناس أو يقتل بعضهم بعضاً. فجميعهم من غير الموقظين. "
استمع "جيمس " وهو يتناول حساءه ، إلى التعليمات التي يمليها عليه سيده الجديد.
كانت مهمة بسيطة يمكنه القيام بها بسهولة ؛ التعامل مع غير الموقظين والمساعدة في بناء الأشياء هنا. ومع أنه لم يمتلك خبرة في أي شيء خارج القتال إلا أنه كان متحمساً للتجربة.
لم يعتد بناء أي شيء ، بل كان دأبه الهدم. و لكن أي خيارٍ كان لديه ؟ الأوامر أوامر ، وهذا الرجل ليس شخصاً يجدر اختباره مرتين.
علاوة على ذلك ومن خلال القيد في روحه ، شعر أنه لا يستطيع عصيان الأمر. فلم يكن يعلم ما قد يحدث إن حاول ذلك لكنه لم يكن أحمق ليختبر الأمر.
وأكثر من خوفه من العقاب المجهول كان يخشى غضب سيده التي أجهز على الآخرين من فريقه كما يُجهز على الذباب.
لم تكن لديه أي روابط شخصية مع الآخرين ، لذا لم يؤثر فيه موتهم ، فمعرفته بنجاته كانت تكفى.
وبكونه قاتلاً مأجوراً لم يحاول يوماً تكوين عائلة ؛ فقد كان يتيماً منذ البداية ، لذا لم تكن لديه هموم أخرى.
تابع "ليون " حديثه ، وقد أصبح صوته حاداً:
"إن حاولت إيجاد ثغرات أو محاولة القيام بأي شيء ، سأقتلك دون تردد. لذا تأكد من الالتزام بأفضل سلوك. "
جعل صوته "جيمس " يرتجف ، فأجاب سيده بسرعة وهو يجرع ما تبقى من الحساء دفعة واحدة:
"لن أفعل أبداً ما يغضبك ، يا سيدي. سأنفذ جميع أوامرك. "
بخلاف تأثير ربط الروح الخاص بـ "علامة العبودية " كان "جيمس " مرعوباً حقاً من هذا الرجل. فلم يكن أحمق لدرجة أن يصبح هدفاً له مرة أخرى حتى في أحلامه.
كان "ليون " راضياً عن الإجابة ، فأومأ برأسه وعلى وجهه نظرة ارتياح.
رأى أن القاتل المتسول قد انتهى من الأكل ، فبمجرد فكرة ، انتقل بهما آنياً إلى مسافة 50 كيلومتراً من هنا ، حيث كان بقية الناس.
"انظروا! انظروا! الكيان الإلهيّ العظيم هنا! "
تعالت الصرخات في أرجاء التجمع بينما التفت الناس نحو "ليون ".
"إنه هو مجدداً! "
"لقد عاد! ذلك الذي أعطانا الطعام! "
سقط فك رجل عجوز من شدة الذهول ، وقبض بيده من الحماس. وشدّ طفلٌ ثوب أمه هامساً "أمي ، أهذا هو الإله الذي كانت تتحدث عنه الكنيسة ؟ "
سقطت امرأة على ركبتيها ويداها ترتجفان ، وبدأت أخرى في البكاء بصمت "لقد عاد حقاً... "
تغيرت الأجواء تماماً ؛ فحيث كان الخوف ، حلّ الرهبة ، وحيث كان الشك ، حلّ الأمل.
لقد أيقنوا جميعاً ، بعد مجيئهم إلى هذا المكان ، أن الرجل ذا الشعر الأبيض الفضي ليس بشراً ، بل هو كائن إلهي أو إله حقيقي ، ممن كانت الكنائس تبشرهم به مرة كل شهر.
لم تكن الكنيسة تعطيهم الطعام إلا مرة في الشهر ، أما في بقية الوقت ، فكان عليهم البقاء على قيد الحياة بالسرقة أو التسول ؛ فلا مهام أخرى لهم ، حيث كان معظم الناس لا يرونهم بشراً مثلهم ، بل أعباءً قذرة يجب تجاهلها أو نبذها.
تدلى فك "جيمس " في عدم تصديق. فلم يكن الأمر مجرد ظهورهم فجأة أمام حشد من المتسولين -أشخاص يشبهونه تماماً في حالته الراهنة- بل في المسميات التي كانوا ينادون بها سيده.
"الكيان الإلهيّ العظيم. "
"الإله. "
أعيد شريط الأحداث منذ لقائه بسيده أمام عيني "جيمس " بوضوح ، من اللحظة الأولى وحتى الآن.
ثم جاء الإدراك ؛ مفاجئاً ولا يقبل الجدل.
ومضت في عيني "جيمس " شرارة من الخوف ، والرهبة ، والخشوع وهو ينظر إلى سيده التي بدا الآن أكثر هيبة ، وبدت عليه مسحة من الألوهية.
"يا لحماقتي... تجرأتُ على إهانة إله. ومع ذلك بقيتُ حياً.
لكنني الآن أخدمه. يا لحسن حظي! فليُمجَّد اللورد! "
وفي أعماقه لم يستطع "جيمس " التخلص من الشعور بأن هذا لم يكن سوى البداية.