الفصل 122: الرعب—سلسلة القتل
كان ليون يتجول في شوارع مدينة "هيمسبورغ " بملامح يكسوها التسلية كانت خطواته وئيدة رغم أنه كان في مهمة للبحث عن اثنين آخرين من "الجرذان ". كان يمشي على سجيته في استرخاء.
وفجأة ، التفت برأسه نحو فنانة شارع ؛ كانت تقف في ثبات ممسكة بفرشاتها ، ونظارتها مستقرة فوق طرف أنفها ، ترتدي ملابس رسمية تلطخت ببقع الحبر وشرائط الألوان.
كانت تفوح منها رائحة خفيفة من زيت بذر الكتان والطلاء الجاف ، تحيط بها كالهالة الغامضة. لم تهتز نظراتها الهادئة وهي تتفحص جسده بتمعن ، بينما كانت ريشة فرشاتها ترتجف قليلاً ؛ كانت تقيسه ، تشرحه ، ولا تراه رجلاً بل لوحة حية تنتظر التجسيد.
أثار ذلك فضول ليون بما يكفي ليتوقف ويخطو نحوها. اقترب من الفنانة ، وهمس صوته في أذنها قائلاً:
"هل تحاولين رسمي ؟ لقد رأيتكِ تُقَلِّبين النظر فيَّ وتحدقين بي بوقاحة. "
رفعت نظارتها بإصبع واحد في حركة دقيقة ، وأجابت بصوت منخفض لم يعتره الوهن:
"بالطبع ، فالفنان أمثالي حين يرى شيئاً يستحق الذكرى ، يخلده بفرشاته ، ولن أتراجع عن ذلك. "
أومأ ليون برأسه قليلاً ، وكانت ملامحه عصية على القراءة.
"أنتِ حقاً شخصية فريدة. "
"وأنت يا سيدي رجل نبيل بحق. دعني أرسمك ، هذه المرة على حسابي. "
وعلى الرغم من رده الهادئ وعرضها المغري ، وفي اللحظة التالية تماماً ، وبسرعة خاطفة ، اندفعت يده للأمام وأطبقت على معصمها بقبضة حديدية. انحنى نحوها ، مداعباً وجنتها بأنفاسه ، بينما اتسعت ابتسامة عريضة على وجهه. حَدَّقت عيناه الغامضتان كالشفرةين ، ونطق بكلماتٍ سامة:
"أتحسبين أنني لم أعرفكِ ؟ "
"عن أي شيء تتحدث يا سيدي الفاضل ؟ لا ينبغي لك إمساك يد سيدة دون إذنها. "
"ههه... أنتِ مخادعة ماكرة. لولا قدراتي ، لما خَطَرَ لي أبداً أنكِ أنتِ. "
تراقص قلب المرأة كطبل الحرب بين ضلوعها. كيف عثر عليها هذا الوحش ؟ كان تنكرها مثالياً. وبدلاً من أن تبدو متوترة ، استسلمت لهذا الانجذاب ، واثقة بأن ذلك سيُشَتت انتباهه. لم تزدها موهبتها الفطرية في الرسم إلا إقناعاً ؛ فكل تفصيلٍ كان مُدبَّراً ، وكل حركةٍ محسوبة بدقة.
لكن هذا الرجل الوسيم -الذي لم يكن سوى شيطانٍ في ثوب بشر- قد كشف أمرها. ومع ذلك لم تستطع الرد ؛ كان عليها أن تواصل التظاهر ، ربما هو ما زال يراوغ ، فتنكرها كان لا تشوبه شائبة.
عاد صوت ليون كأنه وخزة شوكة ، والابتسامة العريضة لا تزال ترتسم على وجهه:
"رجل يحمل زجاجة بيرة فارغة في زقاقين مجاورين... "
*تباً.. هذا الوحش يعرف.*
لم تنتظر أكثر من ذلك ؛ فمشهد مقتل قائدهم وسحق حنجرته على يد هذا الرجل نفسه ، ومض في مخيلتها. لم تحاول حتى الإفلات من قبضته ، بل صبَّت 90% من طاقتها السحرية في هجومٍ واحدٍ ؛ أرادت إشعال لهبٍ هائل من مسافة صفر. حيث كان قريباً جداً ، ولم تظن أنه سينجو من الاحتراق كانت تلك فرصتها الوحيدة للفرار.
تدفقت موجة عارمة من السحر في جسدها ، أكثر من 50 وحدة -وهي أكثر مما يكفي لضربة قاتلة- لكن لم يتجسد من جسدها سوى رذاذٍ ضئيل من اللهب.
بالنسبة ليون الذي كان يستخدم جسده السحري من فئة "السيد الكبير " كان لديه من الوقت ما يكفي للرد. حيث كان مؤسفاً ؛ فقد كان بحاجة لأيدٍ عاملة ، لكنها اختارت مهاجمته. لو أنها حاولت التفاوض ، ربما كان ليعفو عنها.
تلاطمت الأمواج السحرية داخل جسده ، وتوهجت قدرته من المرتبة السابعة في التحكم بالجليد. و في ثانية واحدة ، سرى بردٌ قاتل من يده عبر جسدها بالكامل ، ليجمدها في مكانها. تحولت إلى تمثالٍ من الجليد ، وقد تجمدت ملامح الصدمة على وجهها في لحظة الموت ؛ لم تستطع حتى أن تُبدي رد فعل.
ظهرت أمامه رسالة أخرى تجاهلها ، ثم تراجع خطوة للوراء ليتأمل ما صنعه: امرأة من جليد ، فاغرة فاها برعبٍ وصدمة.
"هذا بالتأكيد سيُخيف الأطفال و ربما أستخدم هذا كفزاعة. "
قرر ليون تخزين تمثال المرأة المذعورة في مستودعه ؛ فهو لا يستطيع تخزين الكائنات الحية ، لكن الموتى لا بأس بهم. و لقد أصبحت الفنانة هي الفن ذاته.. في أبهى تجلياته.
في المدينة المزدحمة ، شهد كثيرون سلسلة الأحداث الغريبة -منذ اللحظة التي طرحت فيها المرأة الرجل الذي كان يرسم في الشارع أرضاً- لكن الأمر لم يعنهم في شيء. ثم جاء رجل وسيم وأمسك بيد المرأة نفسها ؛ كان يبدو بمظهر النبلاء ، لذا لم يبلغ أحد الحراس ، فقد تحاشوا التدخل في شؤون النبلاء.
لكن في اللحظة التالية ، تحولت المرأة إلى تمثالٍ من الجليد في طرفة عين ، وفي الطرفة التالية ، اختفى التمثال ، ثم تلاشى النبيل أيضاً. حيث كان القلة الذين شهدوا المشهد مصدومين لم يصدقوا ما رأته أعينهم ، بدا الأمر كالحلم. لم يتم إخطار الحراس ، ومضى الناس في حياتهم.
وكان أحد أولئك الذين شهدوا كل شيء متسولاً يجلس في شارعٍ يبعد بضعة أزقة عن المكان. و خرج ليون من الزقاق الأقرب للمكان الذي كان يجلس فيه المتسول. كاد المتسول أن يعض لسانه ؛ فالألم كان لا يطاق ، والآن زاد الطين بلة.
*ابتعد! ابتعد أيها الوحش!! أرجوك فقط مرَّ من أمامي! لا تتوقف ، فأنا لا أستطيع الركض الآن!*
نظر ليون إلى أول متسول رآه في "هيمسبورغ " وانفجر ضاحكاً:
"هاهاها! مضحك جداً! "
ظل المتسول الذي غطى الأوساخ وجهه ، مطأطئ الرأس يرتجف ، لا يجرؤ على النظر إلى الوحش الذي أمامه. حيث كان ليون يرى ملابس المتسول الممزقة والطين الذي يغطي جسده كان مشهداً يثير الشفقة ، لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
إحدى يدي المتسول كانت مكسورة ، والأخرى ملتوية بشكل غير طبيعي ، لكن لم يكن هناك دم. فلم يكن هذا كل شيء ، فقد كان هناك كدمة سوداء على وجهه ، وساقاه مكسورتين عند الركبتين ، والمفاصل منحنية بطريقة شاذة. لو كان عليك تسميته ، فهو ليس مجرد معاق ، بل هو "المعاق " بامتياز.
"هاهاها! لا تستطيع حتى الركض الآن. " وعلى الرغم من أن ليون وجد الموقف مضحكاً إلا أنه اضطر لمدح الرجل في قرارة نفسه على تفانيه في الاختباء.
*تباً ، لقد أصبحت أضحوكة.* كان يخطط فقط لكسر يديه ، لكن عندما رأى "ميرا " تتحول إلى تمثال جليدي ، أصابه الرعب وفعل كل ما بوسعه فكسر ساقيه أيضاً. فلم يكن الركض خياراً ؛ فالوحش سيمسك به. فلم يكن الاختباء استراتيجية ، بل كان رد فعل ، أمل أحمق مغلف بأطراف مكسورة.
لكن بدا أنه لم يكن هناك خيار من الأساس. و في اللحظة التي استفزوا فيها هذا الشيطان كان حكم الموت قد صدر. و صلى في قلبه أن يكون ابن الدوق الأكبر هو التالي ؛ فهو الذي قادهم إلى فخ الإعدام هذا.
ارتطم رأسه بالأرض بقوة -ليست بسيطة- وسمع صوت ارتطام في الزقاق بينما بدأ يتوسل ليُنقذ حياته:
"سيدي ، أتوسل إليك! أرجوك دعني أعيش. ابن الدوق الأكبر كان وراء كل هذا ، أنا لم أكن سوى بيدقٍ يتبع الأوامر! "
"أرجوك! سأفعل أي شيء إن تركتني حياً ، يمكنني حتى أن أصبح عبدك... قد أكون ضعيفاً كالنملة مقارنة بك ، لكن لا زلت أصلح للقيام بالأعمال الشاقة! أي شيء آخر قد تحتاجني من أجله ؟ "
تلاشت ابتسامة ليون ، وانحنى قليلاً وهو يرمقه بعينين تلمعان:
"ستفعل أي شيء ، هاه ؟ "
طال سؤاله في صمتٍ مريب ، وكان صمت الوحش أشد وطأة من نصل السيف. لم يدرِ المتسول أعليه أن يصرخ متوسلاً بصوت أعلى ، أم يتوقف عن التنفس تماماً.