Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

وحل الخالد الحقيقي 297

التمرد على أجيال العبودية +


لأنَّ في المجموعةِ شيوخاً وأطفالاً لم يتمكّن "الوحشيون " من الانسحابِ بسرعة.

لم يكن أمامهم سوى شقِّ طريقِهم جنوباً عبر المسارِ الثلجي الذي شقَّته "الكائنات الهلامية " (الوحل) على حافة غابة الصنوبر الشمالية. حيث كان الشيوخُ يتلفّعون بجلودٍ سميكةٍ ويتكئون على عصيٍ خشبية ، بينما حُمل الأطفالُ على ظهورِ رجال القبيلة الأشداء ؛ كانت وجوهُهم متورمةً ومحمّرةً من شدة الصقيع ، لكنّهم عضّوا على نواجذهم ولم يذرف أحدٌ منهم دمعةً.

كانت وجهتُهم مركزاً حدودياً شمالياً يقعُ على مسافةِ نصفِ يومٍ من السفرِ جنوباً.

لقد كان موقعاً مؤقتاً أقامتْه "مملكة الهلام " للحفاظ على خطوط الاتصال ونقل الإمدادات في الشمال. احتوى المركزُ على بضعةِ منازلَ مشيدةٍ من جذوعِ الأشجارِ ومعزولةٍ بالهلام ، بالإضافةِ إلى حظيرةٍ بدائيةٍ للوحوشِ تؤوي أكثرَ من اثنتي عشرة سحليةً من سحالي المستنقعاتِ العملاقة ، وحيواناتِ جرٍ ملتحفةٍ بجلودٍ سميكة.

كانت هذه السحالي المستأنسةُ ضخمةً ، ذات أطرافٍ غليظةٍ ومخالبَ عريضةٍ ملائمةٍ للمشيِ وسط الثلوج. حيث كانت قادرةً على حملِ عدةِ أشخاصٍ أو حمولاتٍ من المؤنِ على ظهورِها ، وكانت هي وسيلةُ التنقلِ الرئيسيةِ للهلاميين في الشمال.

عندما وصل المهاجرون المُنهكون أخيراً إلى المركز ، تحرّك المبعوثون الهلاميون -الذين كانوا قد تلقّوا الخبرَ مسبقاً- فوراً ؛ ساعدوا الشيوخَ والأطفالَ على صعودِ ظهورِ السحالي ، وثبّتوهم بالأحزمة ، وقدموا لهم حساءً ساخناً وخبزاً يابساً.

كانت السحالي تزفرُ أنفاساً صقيعيةً وتحرّك مخالبَها بتململ ، لكن سرعان ما هدأتْ بفضلِ تدريباتِ مُروّضي الوحوشِ الهلاميين.

بقي جميعُ "الوحشيين " الأقوياء ، رجالاً ونساءً ، في المركز. راحوا يراقبون المجموعاتِ التي تعتلي السحالي وهي تحملُ ذويها ، مبتعدين عبر ممرٍّ أكثرَ خفاءً باتجاه منطقةِ الأمانِ الجنوبية.

لوّحوا بأيديهم بحماسٍ حتى تلاشتْ ظلالُ أحبّتِهم في الغابة الثلجيةِ الفسيحة ، ثم استبدلوا تلك المشاعرَ الدافئةَ وعلاماتِ الترددِ بصلابةٍ لا تلين.

لقد كان "الوحشيون " قوماً غيرَ عاديين.

لقد صقلتْهم البيئةُ القاسيةُ ؛ فلم تكن الفروقاتُ النوعيةُ في القوةِ والتحملِ بارزةً لديهم كما هي لدى البشر. حيث كان من المألوفِ في القبيلةِ رؤيةُ نساءٍ وحشياتٍ فارعاتِ الطولِ بعضلاتٍ مفتولةٍ ، قادراتٍ على كسرِ عنقِ غزالِ الرنةِ بأيديهنَّ العاريتين.

طالما كانوا في ريعانِ شبابِهم كان الوحشيون -ذكوراً وإناثاً- وُلِدوا محاربين بالفطرة ، يتمتعون بقوةٍ انفجاريةٍ ، ومقاومةٍ للبردِ ، وقدرةٍ على تحمّلِ الألمِ تفوقُ البشرَ العاديين بأشواط. وفي ثقافةِ الوحشيين لم تكن المرأةُ رمزاً للضعف ؛ بل كنَّ يمسكنَ بالفؤوسِ الحجريةِ أو رماحِ العظامِ ويقفنَ كتفاً بكتفٍ مع الرجالِ في الخطوطِ الأمامية ، يقاتلنَ حتى الموتِ من أجلِ بقاءِ القبيلة.

ومع ذلك علّمتْهم حكمةُ الوحشيين وتجاربُ أجيالِهم أنَّ اللحمَ الخامَ والشجاعةَ وحدَهما لا يكفيانِ في المعاركِ المفتوحةِ للانتصارِ على "الأورك " الأكثرَ وحشيةً وضراوةً.

لحسنِ حظِهم ، امتلك الوحشيون دهاءَهم الخاص. فإلى جانبِ أجسادِهم المقاتلة ، امتلكوا ذكاءَ البقاءِ الذي صقلتْه بيئتُهم التي لا ترحم.

فمنذ الصيفِ الماضي ، وبفضلِ خبرةِ "مولوك " كمُطاردٍ مخضرمٍ ومعرفتِه بأنماطِ حركةِ الأورك ، توقّعَ أن يتوجهوا جنوباً هذا العام.

لذا وبمساعدةِ الهلاميين ، أمضوا الخريفَ وبدايةَ الشتاءِ في نصبِ الفخاخِ بعنايةٍ على طولِ الطرقِ الثلجيةِ الرئيسية.

لم تقتصرْ تلك الفخاخُ على الأفخاخِ والحفرِ البسيطة ، بل شملتْ فخاخاً مركبةً تستغلُّ التضاريسَ وأجهزةً ميكانيكيةً بسيطةً ، وحتى فخاخاً سحريةً أكثرَ رعباً.

وخصيصاً هذا المركزُ الحدودي: فقد أُعِدَّ كطُعمٍ ونقطةِ كمين ، وكان محاطاً بأكثرِ مجموعاتِ الفخاخِ السحريةِ فتكاً.

ولو استُدرِجَ الأوركُ إلى هنا وفجّروا الفخاخ ، فإنه حتى وإنْ لم يوقفْ تقدّمَ جيشِهم بالكامل ، فسيُلحقُ بهم خسائرَ فادحةً ويُكسرُ حدةَ زخمِهم.

كانت هذه هي الهجمةُ المرتدةُ للوحشيين.

لم يكونوا يضربون الأوركَ الزاحفين جنوباً فحسب ، بل كانوا يثأرون لتاريخِهم المذلِّ الذي قضوه مطرودين ومُستعبَدين من قِبَلِ تلك الوحوشِ لأجيال.

لقد آنَ أوانُ توديعِ الضعفِ والفرارِ الماضي. أرادوا إخبارَ تلك الهمجِ خضرِ البشرةِ أنَّ الوحشيين ليسوا لقمةً سائغة.

***

"يا معلم (جيغو) ، كيف حالُ الفخاخ ؟ هل تحطّمَ أيُّ جزءٍ منها بسببِ الثلوجِ أو التجمد ؟ " كان "مولوك " ممدداً في الثلجِ على سطحِ المركزِ الحدودي ، ولا يظهرُ منه سوى عينيه ونصفِ رأسِه ، وهو يهمسُ للكائنِ الهلاميِّ الأخضرِ بجانبِه الذي كان ممدداً هو الآخر.

كان ذلك الهلامُ المدعو "جيغو " في الحقيقةِ هو مدربُ "مولوك " في القتالِ القريبِ واستخدامِ الأسلحة.

ولو تحدثنا بصدقٍ عن مهاراتِ القتالِ وتقنياتِه ، فإنَّ الوحشيين الأقوياءَ والمتحملين لا يمكنُهم مجاراةُ "جيغو ".

تقريباً كلُّ عضوٍ في القبيلةِ كان يطمحُ لتحسينِ قدراتِه القتاليةِ يصبحُ تلميذاً لـ "جيغو " ويتدربُ معه في أوقاتِ فراغِه.

أما عن سببِ بقاءِ كائنٍ هلاميٍّ قديرٍ مثل "جيغو " في مركزٍ شماليٍّ كئيب ، فقد خَمّن الهلاميون سراً أنَّ شخصيةَ سيدِهم كانت... حذرةً للغاية -بل تكادُ تفتقرُ للجرأةِ- فأرسله جلالتُه إلى هناك ليصقلَ نفسَه.

أراد "جيغو " أن يقفزَ غريزياً ، لكنّهم في مهمةِ تسللٍ وأمامَ تلميذٍ ، فجبرَ نفسَه على الحفاظِ على صورةِ "المدرب مولوك الناضجِ والرزين ". ضغطَ جسدَه الهلاميَّ قليلاً وقال بهدوء:

"همف ، هناك عُقَدُ تشكيلٍ مثبتةٌ ببلوراتِ الحصى الرمادي هناك. حتى ذاك الغطاءُ الثلجيُّ الضخمُ لا يمكنُه العبثُ بها. حتى لو اندفع هؤلاءِ الهمجُ خضرُ البشرة ، فسيتباطؤون بما يكفي ليمنحوكَ الوقتَ للانسحاب. "

"راقبْ كيف سأستخدمُ الفخاخَ لألقنَ أولئكَ الأوغادَ درساً. "

أطلق كلماتٍ كبيرة ، لكنه بدا قلقاً قليلاً بعد ذلك. حيث تمددَ أكثرَ ليتجنبَ رصدَه من قِبَلِ كشافةِ الأوركِ المحتملين ، وسأل بصوتٍ منخفض "أمم.. هل أنت متأكدٌ أنَّ تلك الكلابَ الكبيرةَ لا يمكنُها الركضُ بسرعةٍ في هذه التضاريس ؟ لقد سمعتُ أنها خطيرةٌ في الثلج. "

أومأ "مولوك " بيقينٍ وشرحَ بهدوء "تلك ذئابُ الصقيعِ بارعةٌ في الركضِ عبر السهولِ المفتوحةِ والغاباتِ الهادئة ، لكنَّ هذه هي الحدودُ بين غاباتِ الصنوبرِ والتندرا. التضاريسُ هنا أكثرُ تعقيداً ، ونحن نعرفُها بشكلٍ أفضل. "

"وقد نصبنا الكثيرَ من الفخاخِ والعوائقِ على طولِ الطريق ؛ بالتأكيدِ لن يستطيعوا مجاراةَ سحالي المستنقعاتِ المحملةِ بالثقل. لا تقلق يا معلم جيغو. "

استرخى "جيغو " قليلاً ، وتمايل جسدُه الهلاميُّ بخفة ، وصعدتْ بضعُ فقاعاتٍ سعيدةٍ من جوفِه.

لكنه سرعان ما تذكّر شيئاً وخفضَ صوتَه مجدداً ليسأل "بالمناسبة ، أيُّ أخبارٍ من الجبالِ الثلجية ؟ أتذكرُ أنَّ اللورد "سيكاشي " أرسلَ رداً عبر طائرِ المراسلةِ بأنَّ التجربةَ قاربتْ على الانتهاء ؟ "

هزَّ "مولوك " رأسَه وعلاماتُ القلقِ باديةٌ عليه "آخرُ مرةٍ أرسلَ فيها اللورد "سيكاشي " والسيدة "سيميايا " طائرَ مراسلةٍ كانت قبل ثلاثةِ أيام ، ولم تكن هناك أيُّ حركةٍ منذ ذلك الحين. "

"لو كانوا في طريقِ العودةِ وصادفوا فيلقَ الأوركِ المتجهَ جنوباً... "

دفع "جيغو " ذراعَ "مولوك " بخفةٍ بجسدِه الهلامي ، متمتماً "وما الذي تعرفُه أنت ؟ قال الملكُ إنَّ اللورد "سيكاشي " ذهبتْ لإتمامِ تجربةٍ خارقة ؛ عندما تعودُ ستكونُ كائناً سحليةً خارقاً أكثرَ قوة. "

"مجردُ حفنةٍ من الأورك... همف. "

"انتظر ، يا معلم جيغو ، هناك حركة! " همس "مولوك " بحذرٍ ، فقد كان مرهفَ الحواس. لاحظَ فجأةً حركةً عند حافةِ الغابةِ على مقربةٍ منهما.

تصاعدتْ سحابةٌ من غبارِ الثلجِ هناك ، لكنها لم تكن على الطريقِ الرئيسي ؛ بل جاءتْ من منطقةٍ أكثرَ وعورةً وصعوبةً في الغابةِ المجاورة.

يبدو أنَّ الأوركَ أصبحوا حذرين بعد أن نالوا نصيبَهم من الفخاخِ أثناءَ تعقبِهم ، ولم يعودوا يجرؤون على التقدمِ عبر طريقِ المملكة.

سرعان ما اندفع خيالةُ ذئابِ الصقيعِ التابعون لفيلقِ الأوركِ من الغابةِ أولاً و تبعهتْهم حشودٌ من محاربي الأوركِ يركضون على أقدامِهم.

كان الكثيرُ منهم مصابين -بعضُهم يمسكُ أذرعَه الممزقةَ الملطخةَ بالدماء ، والآخرون يغطون إحدى أعينِهم بخرقٍ قذرةٍ يتقطرُ منها الدم.

من الواضحِ أنهم تلقوا ضرباتٍ من الفخاخِ التي نصبَها الوحشيون أثناءَ عبورِهم الغابةَ الثلجية.

"يا معلم جيغو ، إنهم قادمون. "

همس "مولوك " بذلك ثم حمل "جيغو " بعنايةٍ وانزلقَ من السطحِ عبر سُلّمِ حبالٍ مُعدٍّ مسبقاً في الجانبِ الآخر.

داخلَ المركز كان بقيةُ محاربي الوحشيين في مواقعِهم ، يقبضون على أسلحتِهم ، ويحبسون أنفاسَهم ، بانتظارِ دخولِ الأوركِ إلى حلقةِ الفخاخِ الأخيرة.

من الآن فصاعداً ،

ستتحولُ تلك الوحوشُ إلى طرائد....

خرج "غرولن " واثنانِ من محاربي الأوركِ القبليين على ظهورِ ذئابِ الصقيعِ من الغابةِ وتوقفوا على منحدرٍ مرتفعٍ قليلاً.

كان وجهُه كالحاً ، يملؤُه الغضبُ والضجر. تلك الفخاخُ التي لطالما سخروا منها واعتبروها "ألعاباً صغيرةً " و "حيلَ جرذان " قد تسببتْ للفيلقِ في عوائقَ وخسائرَ فادحة حتى إنَّ بعضَ ذئابِ الصقيعِ بدأتْ تترددُ وتخشى وطءَ أيِّ فخاخٍ غيرِ مرئية.

لقد قضوا ساعةً أطولَ مما هو متوقعٍ فقط للخروجِ من تلك الغابةِ الملعونة.

"يا لها من جرذانٍ لعينة! " بصق "غرولن " بلغمَه القذرَ على الثلج ، واتجهتْ أنظارُه إلى مكانٍ غيرِ بعيد.

هناك امتدتْ أرضُ التندرا مغطاةً بثلوجٍ عميقة ، يعكسُ بياضُها بريقاً قاسياً تحت السماءِ الكئيبة. وفي وسطِ التندرا ، انتصبَ ذلك المركزُ الخشبيُّ الحجريُّ الوحيد.

كان بإمكانِه رؤيةُ بضعةِ وحشيين يمتطون سحاليَ كبيرةً يندفعون خارجين من البابِ الخلفيِّ للمركزِ ويواصلون الفرارَ جنوباً داخل الغابةِ الثلجية.

لم يستطعْ الأوركُ -الذين راودتْهم الشكوكُ بوجودِ المزيدِ من الفخاخ- كبحَ جماحِ أنفسِهم عند رؤيةِ ذلك.

فمنظرُ الطريدةِ الفارّةِ وهيئةُ هروبِها أجّجَ غريزتَهم البدائيةَ في السلبِ والقتل. حتى ذئابُ الصقيعِ تحتهم أطلقتْ عواءً متحمساً ، وراحتْ تحفرُ الثلجَ بمخالبِها.

رغم أنَّ غريزتَه أخبرتْ "غرولن " أنَّ هذا على الأرجحِ فخٌّ آخرُ من فخاخِ الوحشيين الماكرة إلا أنَّ السماحَ للطريدةِ بالهروبِ مرةً أخرى كان أمراً لا يُطاق.

كان عليه إمساكُ هؤلاء الجرذان ، وغسلُ عارِه بدمائِهم وصراخِهم.

"يا خيالةَ الذئاب! " رفع "غرولن " مطرقتَه الحربيةَ الضخمةَ وأشار بها نحو المركزِ والوحشيين الهاربين ، زامراً "طاردوهم! مزقوهم إرباً! "

زأر العشراتُ من خيالةِ ذئابِ الصقيع ، وشدّوا قبضتَهم على العنان ، ولطموا دوابَّهم ليدفعوها إلى أسفلِ المنحدر. راحتْ أطرافُ الذئابِ القويةُ تثيرُ سحبَ الثلج ، متقدمةً بسرعةٍ مذهلة.

لكنَّ "غرولن " نفسَه أبقى ذئبَه متأخراً ، ولم يندفعْ معهم فوراً.

بقي لديه حذرٌ دفعه للبقاءِ في وسطِ الفيلقِ الأكثرِ أماناً. فحتى لو كانت التندرا تحوي فخاخاً ، سيتمكنُ من مراقبةِ الوضعِ والاستجابةِ في الوقتِ المناسب.

ومع ذلك وبينما عبر خيالةُ الذئابِ ما بدا أنه تندرا مسطحة ، تصاعدَ ضبابٌ أبيضُ كثيفٌ فجأةً وغطّى في لمحِ البصرِ التندرا بأكملِها.

تلاشتْ الرؤيةُ تماماً ؛ وكلما كان هناك أوركٌ تفصلُهم أكثرُ من مترين أو ثلاثة ، تصبحُ أشكالُ رفاقِهم غائمةً ثم تتلاشى في الضبابِ الأبيض.

"تباً! سحر! " انقبض قلبُ "غرولن " ؛ أدركَ أنَّ الأمرَ سيئ.

لم يكن لديه الوقتُ للتفكيرِ في كيفيةِ قدرةِ الوحشيين على إلقاءِ تعويذةِ ضبابٍ واسعةٍ كهذه. شدَّ العنانَ ليوقفَ ذئابَ الصقيعِ المضطربة ، وصرخَ بكلِّ ما أوتِيَ من قوة "توقفوا! ابقوا في مواقعِكم! لا تتفرقوا! "

"تباً لكم ، قلتُ توقفوا! " استشاط "غرولن " غضباً ، وسوطُه الجلديُّ يجلدُ أحدَ خيالةِ الأوركِ المذعورين بالقربِ منه.

لكنَّ الأوانَ كان قد فات.

انطلق صراخٌ حادٌّ فجأةً من أعماقِ الضباب و تبعهتْه جوقةٌ من الصرخاتِ واللعنات.

وبعد أن أعمى الضبابُ أبصارَهم ، راح الأوركُ يتخبطون كذبابٍ مقطوعِ الرأس ، ويفجّرون فخاخاً مدفونةً في الثلجِ تلوَ الأخرى. حيث اخترقتْ أشواكٌ حديديةٌ من حفرٍ عميقةٍ أقدامَهم أو أجسادَهم ، وضربتْهم رماحٌ خشبيةٌ مسنونةٌ أو شظايا حجريةٌ انطلقتْ من الضباب.

انتشر الذعرُ كالنارِ في الهشيمِ بين الفيلقِ بسببِ الأعداءِ غيرِ المرئيين وسقوطِ الرفاق.

"ألقوا الرماح! " كانت عينا "غرولن " محقونتيْن بالدمِ وهو يعطي الأوامر ، وقد سحبَ رمحاً قصيراً من جانبِ سرجِه ، وقذفَه بكلِّ قوتِه نحو الاتجاهِ العامِ للمركزِ الحدودي.

شقَّ الرمحُ الضبابَ بصفيرٍ حادٍّ ، مما دفعَ العديدَ من جنودِ مشاةِ الأوركِ والخيالةِ للبدءِ في قذفِ أسلحتِهم أيضاً تجاه المركز.

وللحظة ، خمدتْ الهجماتُ القادمةُ من جهةِ المركزِ أمامَ وابلِ المقذوفات.

في هذه الأثناء ، أطلق ذئبا الصقيعِ الفضيانِ الوحيدان في الفيلقِ رؤوسَهما إلى الأعلى وعويا ، محملين صراخَهما قوةً بدائية.

[تقنيةُ صنعِ الرياح]

انبعثتْ نسيمٌ من كلِّ ذئبٍ إلى الخارج.

لم تكن هذه الريحُ قادرةً على تبديدِ الضبابِ السحريِّ الكثيفِ تماماً ، لكنها خففتْه بعضَ الشيءِ وكشفتْ عن عُقَدِ التشكيلِ المتلألئةِ المغروسةِ في الثلجِ من حولِهم.

"حطموا تلك الأحجارَ المتوهجة! " احتدتْ عينا "غرولن " وصرخَ مشيراً إلى العُقَد.

وعند أمرِه ، لوّح جنودُ الأوركِ المجاورتُ بأسلحتِهم وحطموا بلوراتِ الحصى الرمادي البارزةَ من الثلج. ومع تدميرِ كلِّ عُقدة ، انقطعَ إمدادُ الطاقةِ الذي يحافظُ على تشكيلِ الضباب ، وبدأ الضبابُ يتلاشى بوضوح.

بعد دقائق ، انقشع الضبابُ أخيراً ، كاشفاً عن المشهدِ الوحشيِّ للتندرا.

كان الثلجُ النقيُّ ملطخاً ببقعٍ حمراءَ داكنةٍ واسعة. استلقى عشراتٌ من جنودِ الأوركِ وأكثرُ من اثني عشرَ ذئبَ صقيعٍ في بركٍ من الدماء -بعضُهم مخترقٌ بمساميرَ في حفر ، وبعضُهم مطعونٌ برماحٍ خشبيةٍ أو سهامٍ حجريةٍ مسحورة.

ومن بينهم كان هناك بعضُ محاربي الأوركِ النخبة.

ولولا وجودُ المشعوذين في صفوفِهم الذين ألقوا تعاويذَ لصدِّ بعضِ الهجماتِ البعيدةِ المدى ، لكانت خسائرُهم أسوأ.

كان وجهُ "غرولن " شاحباً ، وصدرُه يعلو ويهبطُ من الغضب. رأى البابَ الخلفيَّ للمركزِ مفتوحاً على مصراعيه. حيث كانت آخرُ مجموعةٍ من الوحشيين تمتطي سحالي المستنقعات ، تنطلقُ خارجةً وتفرُّ بجنونٍ نحو الغابةِ الثلجيةِ الجنوبية دون أن تلتفتَ خلفَها.

"طاردوهم! " لوّح "غرولن " بمطرقتِه الحربيةِ وزأر.

استُثيرَ بقيةُ خيالةِ ذئابِ الصقيعِ واستبدَّتْ بهم الضراوةُ ، فأجابوا بالعواءِ ، وحثّوا دوابَّهم للأمامِ بشدِّ العنان. وتتابعتْ ذئابُ الصقيعِ في المطاردةِ بصيحاتٍ شرسة.

[تقنيةُ سطحِ الجليد]

قاد ذئبا الصقيعِ الفضيانِ الهجوم. وحيثما لامستْ أقدامُهم الأرض ، انبثقتْ ألواحٌ من الجليدِ الصلب ، لتحمي السطحَ من أيِّ فخاخٍ محتملة.

طاردوا سحالي المستنقعاتِ إلى الغابةِ الجنوبيةِ الأكثرَ كثافة ، لكنَّ التضاريسَ هناك كانت أكثرَ تعقيداً بكثير -أشجارٌ ساقطة ، وصخور ، ومنحدراتٌ خفيةٌ في كلِّ مكان.

وكان الوحشيون يعرفون تلك الأرضَ معرفةً وثيقة. وإلى جانبِ خوفِ الأوركِ المتبقي من المزيدِ من الفخاخ لم يتمكنوا من مجاراةِ سرعةِ سحالي المستنقعاتِ في تلك التضاريسِ المتشابكة.

بجانبِ "غرولن " تحدثَ مشعوذٌ عجوزٌ بجدية "يا لورد غرولن ، هذه المطاردةُ لن تجديَ نفعاً. حان الوقت... لاستخدامِ السحرِ الذي منحَه لنا "العائد ". "

لم يترددْ "غرولن ". أخرج بسرعةٍ قطعةً من اللحمِ المجففِ من بطانةِ درعِه الجلديِّ ورماها لذئبِ صقيعِه المضطرب.

بدا الذئبُ القويُّ وكأنَّ غريزتَه تتوقُ للحم ، فوثبَ عالياً ، وخطفَه بفكَّيْه ، وابتلعَه بلمحِ البصر.

ثم بدأ جسدُه يرتجف ، وبرزَ فروُه الفضيُّ بينما أطلق عواءً طويلاً. انخفضتْ حرارةُ الهواءِ حولَه بسرعة ، وتكثفتْ آلافُ الكريستالاتِ الجليديةِ الصغيرة ، تدورُ كالنجومِ من حولِه.

[تقنيةُ رمحِ الجليد]

تكثفتِ الكريستالاتُ الجليديةُ الدوارةُ بسرعةٍ وتضخمت ، ثم تشكلتْ في مئاتِ رماحِ الجليدِ الحادةِ التي انطلقتْ نحو مجموعةِ الوحشيين الهاربة.

ولم يكن ذئبُ "غرولن " وحدَه -بل خضعتْ ذئابٌ أخرى أُطعمتْ لحوماً مشابهةً لتحولاتٍ مماثلة.

"ذئابُ صقيعٍ تستطيعُ إلقاءَ رمحِ الجليد ؟! " تشبث "مولوك " بحافةِ رقبةِ سحليةِ المستنقعاتِ ليوازنَ نفسَه بينما كانت السحليةُ تتقافز. و نظر خلفَه وشعر بقلبِه يتوقف.

رأى الذئابَ وقد تحولتْ بفضلِ اللحم ، كأنها ارتقَتْ إلى الرتبةِ الفضية ، تعملُ كبطارياتٍ سحريةٍ متنقلةٍ تطلقُ التعاويذ.

ومضتْ رماحُ الجليدِ ببريقٍ مميتٍ عبر ضوءِ الغابةِ الخافت.

"يا مولوك ، هل سنموتُ هنا ؟ " ارتجف "جيغو " منكمشاً في ذراعي "مولوك " وجسدُه الهلاميُّ الدائريُّ يرتعش.

لولا عادةُ "مولوك " في مخاطبتِه بـ "المعلم " احتراماً ، لما صدقَ أحدٌ أنَّ هذا كائنٌ هلاميٌّ مقاتل.

جاءت رماحُ الجليدِ تصرخُ ، ورغم أنَّ معظمَها أخطأَ بسببِ المسافةِ وتغطيةِ الأشجار -حيث ارتطمتْ بالثلوجِ أو الجذوعِ وانفجرتْ في سحبٍ من شظايا الجليد- إلا أنَّ بعضَها مرَّ بشكلٍ خطيرٍ بالقربِ من السحالي أو الوحشيين ، وكانت الرياحُ الباردةُ التي خلفتْها تخترقُ العظام.

أصابتْ رمحٌ جليديٌّ الطرفَ الخلفيَّ لسحليةٍ عملاقة ، ممزقةً لحمَها ، ومتسببةً في تدفقِ الدمِ منها ، فأطلقتْ زئيراً مؤلماً وبدأتْ تتباطأ بشكلٍ ملحوظ.

رفع "مولوك " يدَه على عجلٍ وصاح "يا معلم جيغو ، لنستسلمِ الآن! "



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط