عند أطراف غابة المستنقعات.
في هذا المكان حيث تتماهى الحدود بين الموت والبقاء كانت فطور "الأبواغ " شديدة السمية تتوهج ببريق مخيف فوق الأخشاب المتعفنة ، وتغطي حصائر فطرية ما بدا أنه أرض صلبة ، بينما كانت سحالي الماء ذات الحراشف الصلبة ، أو ضفادع السم ذات الألوان الغريبة ، تألق من حين لآخر وسط الأراضي الرطبة المليئة بالأشجار الميتة الملتوية.
كانت هذه هي أرض الصيد التي توارثتها قبائل أشباه البشر جيلاً بعد جيل.
ومقارنة بأعماق المستنقع القاتلة والخطيرة كانت الأطراف لا تزال قادرة على دعم حياتهم وتوفير الموارد الغذائية اللازمة للبقاء. وفي كل ربيع كان رجال السحلية يتحركون بحذر عبر تلك الأطراف كالأشباح ، يستخدمون سهام النفخ لصيد الطرائد الصغيرة بدقة ، أو يجمعون طحالب "ترياق السم " المتوهجة لمقايضتها مع قوافل التجار البشر المارة.
ومنذ أن بدأت طائفة "المتفسخين " في الهيام على ضفاف النهر ، انكسر هذا التقليد في الصيد تدريجياً ؛ إذ اكتسب رجال السحلية المتفسخون مخالب أكثر حدة وحراشف أصلب. ويدفعهم الجشع ، حاولوا صيد الوحوش الضخمة في المناطق الخارجية كما تفعل الضباع ، بل وصل بهم الأمر إلى افتراس قبائل أخرى من أشباه البشر الأضعف حالاً.
ولفترة من الزمن ، انتشر الذعر على طول ضفاف النهر حتى إن قوافل التجار البشر لم تعد تجرؤ على المرور بجانب "نهر القصب " خوفاً من أن ينهبهم رجال السحلية المتفسخون الجشعون.
ومع ذلك حتى أولئك الأقوياء من المتفسخين كان لهم من يخشونهم.
عند أطراف غابة المستنقعات كان رجل سحلية ضخم القامة يهرب بيأس كأنه "برصٌ مذعور "! حيث كانت حراشفه باهتة كأنها مغلفة بضباب رمادي ، وذيله النحيل ينبض بذعر ، وكل خطوة له تثير الحشرات السامة المختبئة تحت الأوراق المتساقطة. حيث كان الخوف المميت يطبق عليه ، ولم يترك له مجالاً للتفكير في وجهته ، فكل ما أراده هو الفرار من الصياد الخفي الذي يتعقبه.
فجأة ، انطلق صوت هواءٍ مشطور!
اخترق رمح خشبي -صُنع بخشونة ولكنه رُمي بقوة مفرطة- الهواء الثقيل ، حاملاً معه صرخة الموت ، ليرتطم بالخشب المتعفن على بُعد نصف بوصة فقط أمام قدم الهارب! اهتز نصل الرمح بعنف ، مصدراً طنيناً متواصلاً.
تجمد الهارب من الرعب ، وغمر اليأس الجليدي جسده بالكامل. وبيدين مرتجفتين ، نظر للأعلى ببطء ، متابعاً الاتجاه الذي جاء منه الرمح.
في الظلال كان ثمة كيان يقف بصمت.
كانت محاربة من رجال السحلية ، أطول من أقرانها ، تغطي جسدها حراشف خضراء زيتونية داكنة بصلابة الحديد البارد. وتتدلى من خصرها عدة شفرات عظمية حادة ورماح قصيرة ، دون أي زينة إضافية. حيث كانت حدقتا عينيها العموداياتان من الكهرمان تتقلصان ببرود ، مثل أفعى سامة حددت فريستها ، وتنظر بلا مبالاة إلى الهارب المرتجف تحت قدميها.
لم تكن في تلك العيون ذرة رحمة ، بل مجرد نية قتل خالصة تُجمد الروح. أمالت رأسها قليلاً ، وانطلق صوتها كريح باردة تحتك بالصخر:
"أين هي ؟ "
انهار رجل السحلية المتفسخ أخيراً تحت وطأة الخوف الشديد ، جاثياً على ركبتيه يتوسل الرحمة:
"لا أعلم.. أقسم أنني لا أعلم. "
"أيتها السيدة سيميا ، أرجوكِ ، اعفي عن حياتي. "
ظل صوت محاربة السحلية جليدياً:
"سأسأل مجدداً ، سيكاشي ، أختي.. أين هي ؟ "
"لقد كان ذلك كله من تدبير الكاهن زولوك ، ليس لي علاقة بالأمر. و لقد تآمر مع الضباع ، وأجبر المسحر على الدخول إلى عمق المستنقع. وتلك الفرقة التي أُرسلت لمطاردتهم لم تعد أبداً... ربما ، ربما يكونون قد... قد... "
صوت طعنة!
قبل أن يتمكن الهارب من إكمال حديثه ، اخترقت شفرة عظمية حنجرته بدقة. و تدفق الدم ، وفتحت فوهته ، وصدرت من أعماق حنجرته أصوات غرغرة غير واضحة ، كفقاعات يائسة يخنقه الدم. وأخيراً ، ارتخى جسده وسقط بثقل في المستنقع البارد بصوت ارتطام مكتوم.
سارت سيميا بوجه لا تعابير فيه ، والتقطت الشفرة العظمية الملطخة بالدماء ، ومسحتها بعناية حتى نظفتها. وبعد أن وقفت في مكانها طويلاً ، أخرجت سن ذئب كان معلقاً حول عنقها. تلاشى الجليد عن وجهها فجأة ، وحل محله الارتباك والعجز.
"سيكاشي... هل عدت متأخرة جداً ؟ "
"لا. "
قبضت على سن الذئب بقوة ، وتمتمت:
"أرواح الأسلاف و(بوتو) سيباركونك ويحفظونك. و أنا قادمة للبحث عنكِ الآن. "
"أحمم... "
قاطعتها كحة مفاجئة ، وبدون أن تلاحظ كان رجل سحلية عجوز قد ظهر خلفها.
"سيميا ، حان وقت العودة. أنتِ تعلمين أننا لا نستطيع البقاء طويلاً تحت أنظار زولوك. "
التفتت سيميا بوجه خالٍ من التعابير:
"شازاك ، أشكر قبيلة (الطحلب المتعفن) لأنهم أنقذوا حياتي. و لكن سيكاشي هي كل ما أملك. أبي قد مات بالفعل ، ولا أستطيع فقدانها هي أيضاً. أريد دخول أعماق المستنقع وحدي. "
أمسك العجوز شازاك بعظمة حيوان ، وبدأ يصلي بهمس منخفض:
"الطبيعة لن تخذل المؤمنين بها. تلك الطفلة سيكاشي هي أكثر من عرفت إيماناً بالطبيعة ، ستكون بخير. "
"لكن... " حاولت سيميا الاعتراض.
"لا لكنّ في هذا ، تعلمي كيف تثقين بحكمة الشيوخ. وعلاوة على ذلك فإن أعماق الغابة مليئة بالمخلوقات السحرية الخطرة في كل مكان ، وبدون هداية الطبيعة ، ستضلين الطريق في الداخل. و إذا أردتِ العثور على سيكاشي ، ساعدي القبيلة أولاً في حل أزمتنا الراهنة. وعندما يحين الوقت ، سأدخل معكِ المستنقع شخصياً للبحث عنها. "
قبضت سيميا على شفرتها العظمية وقد ملأ الغضب وجهها:
"هل جاء زولوك لمهاجمة قبيلة الطحلب المتعفن ؟ "
"ليس بهذا السوء ، لكن الأمر لا يدعو للتفاؤل. "
سار العجوز شازاك ببطء نحو الخارج ، حيث كانت فرقة صيد بانتظارهم تحت شجرة بلوط.
"لقد هاجم أولئك المتفسخون عديمي العقول جيراننا البشر كالمهووسين ، بما في ذلك قافلة تجارية تحمل كميات كبيرة من المؤن الغذائية. ذلك التاجر يأتي من (بلدة الحذاء الحديدي) ، ذلك النبيل الفقير من بلدة المغامرين. نبيل يتخلى عن مجده السابق ليمارس التجارة ؟ هه.. لا بد أنه إنسان ذو قصة مثيرة. وبغض النظر ، هذا النبيل البشري لا يبدو داهية كغيره من التجار ، فقد وقع في فخ المتفسخين وهو يهرب الآن في كل اتجاه. "
"هل تريد مني إنقاذ بشر ؟ " سألت سيميا وهي تركز بصرها على شازاك.
لم تكن تكره البشر ، لكنها كانت غير مبالية بهم ، أما عن المشاعر الطيبة ، فلم تكن تكنّ لهم أي شيء على الإطلاق. حيث كانت لا تزال تتذكر بوضوح عندما كانت في مقتبل العمر ، كيف باع والدها نصل أنيابه الذي كان يعتمد عليه فقط ليقايضه بالطعام الشحيح مع التجار البشر. وبعد ذلك وأثناء الصيد ، أصيب في ساقه بسبب هذا الأمر ، ولم تعد مشيته طبيعية كما كانت. و في نظرها كان البشر مخلوقات جشعة وماكرة ، بارعين بشكل خاص في الكذب ، ولا يتورعون عن فعل أي شيء من أجل الربح. لذا لم تكن تحب التعامل معهم.
"ليس تماماً. " أجاب شازاك بينما كان رجل سحلية قوي يرفعه.
"هدفنا الرئيسي هو المؤن الغذائية التي تحملها القافلة. أما بالنسبة للتاجر ، فإذا استطعنا إنقاذه ، فهذا أفضل. طالما انتشرت أخبار بأن قبيلة (الطحلب المتعفن) أنقذت بشراً ، فإن تجارتنا معهم لن تنقطع تماماً. "
"سيميا ، تذكري ، البشر جشعون حقاً ، لكنهم ساعدونا بشكل ملموس للبقاء على قيد الحياة خلال سنوات الشتاء التي لا تُعد. لا نزال بحاجة لمساعدتهم حتى لو كان ذلك يعني الحفاظ على صداقة زائفة. كل شيء من أجل القبيلة. وعندما تتوفر لدينا المؤن الغذائية التي تكفي ، وتصبح بطون محاربينا ممتلئة ، حينها فقط سنمتلك القوة لمواجهة المخلوقات السحرية المتوحشة ودخول أعماق المستنقع للبحث عن سيكاشي. "
"فهمت. "
أخذت سيميا نفساً عميقاً ، ولم تضف كلمة أخرى ، واكتفت باتباع فرقة الصيد بصمت.