في أعماق سلاسل الجبال كانت القمم المسننة تشق عنان السماء الرمادية كأنها أشواك وحوش ضارية ، بينما بدت الأغوار السحيقة وكأنها جراح غائرة في جسد الأرض. وتنسج الغابات البدائية مظلة أبدية قاتمة بأشجارها العتيقة الشاهقة.
إلا أن ما كان يبعث الرهبة في أرواح الكائنات ويمنعها من الاقتراب حقاً هو تلك المنطقة المستنقعية التي تنتشر بتوحش في قلب الغابة ، كأنها قيح أخضر متقيح.
في هذه الأرض الملعونة ، تعربد المخلوقات السحرية ، وتضطرب فيها أحوال الطقس وتختل طاقة "المانا " بصورة غير طبيعية. أما الهواء الرطب البارد ، فكان يحمل دوماً أريجاً من روائح العفن ، يمتزج بحلاوة غامضة خانقة.
وفي أعين "شبه البشر " الذين يكافحون للبقاء على أطراف هذا المكان كان المستنقع المتعفن والخطير ذاك جديراً حقاً بأن يُدعى بـ "أرض الموت ".
حتى قبائل "رجال السحالي " التي اعتادت التعايش مع قسوة البيئات لجيلاً بعد جيل لم تجرؤ إلا على العمل في أطراف هذا المستنقع.
هؤلاء المنحدرون من ذوات الدم البارد كانوا يعبدون روحاً سلفية عتيقة تُدعى "الملتوي " و "بوتو " ؛ روح المستنقع التي تهيمن عليه. حيث كانوا يؤمنون بأن المستنقع هو الملاذ الذي يخلد فيه أسلافهم إلى النوم ، وأن روح المستنقع هي حارسته ؛ لذا فإن أي إزعاج مفرط سيجلب عليهم كارثة محققة.
مع بداية الربيع ، حينما يتسلل ضياء خافت عبر غطاء الغابة كانوا يقيمون "مهرجان كسر الجليد " المهيب ، برئاسة "كاهن مخلب الحراشف " في القبيلة ، ابتهالاً لأرواح الأسلاف طلباً للإذن بالصيد والحماية.
آنذاك فقط كانت فرق الصيد النخبوية تتجرأ بحذر على التوغل في أطراف غابة المستنقع ، لصيد الضفادع السامة العملاقة المعززة سحرياً ، والسحالي المائية ذات القشور الصلبة.
أو كانوا يجمعون طحالب نادرة مضادة للسموم وفطريات متوهجة ؛ تلك التي كانت تمثل الأدوية الحيوية ، والغذاء ، والسلع التجارية الثمينة التي تعتمد عليها القبيلة في البقاء.
وممن طمعوا في موارد المستنقع أيضاً قبائل "الضِباع البشرية " التي تجوب المستنقعات المتعفنة وضفاف الأنهار. هؤلاء المفترسون الذين تقودهم معتقدات شيطانية كانوا أكثر جشعاً وتهوراً من رجال السحالي بمراحل.
وبالنسبة لهم كان مطلع الربيع هو الموسم الذي ينزل فيه "ناب الجوع ". فبعد أن أنهك الشتاء القاسي مؤنهم كان زعيم حرب الضباع يقود محاربيه الجياع وضباعهم المدربة لتمشيط أطراف المستنقع كأنهم الطاعون.
لم يكن لديهم أي تبجيل لأرواح الأسلاف ، ولم يكونوا يخشون إلا القوة. حيث كانت أهدافهم غالباً ما تكون الوحوش الضخمة التي دفعتها الأبخرة السامة للخروج من أعماق المستنقع ، أو أولئك المحاربين المنفردين من رجال السحالي الذين تجرأوا على الابتعاد كثيراً.
تعايشت قبيلتا شبه البشر على الضفة الجنوبية للنهر ، لكنهما اضمرتا كراهية متبادلة بسبب التنافس على الفريسة والقتل... وكل صنوف الصراع ، إذ كان كل فريق يرى في الآخر مخزوناً محتملاً لمؤن الشتاء.
غير أن...
قبل عدة فصول شتاء ، ظهر اعتقاد يُسمى "الفساد " غيّر مسار العداء بين القبيلتين.
كانت عقيدة "الفساد " تقمع البدع بوحشية ، وتحت تأثير قوى مجهولة ، بسطت سيطرتها تدريجياً.
سقطت قبيلة الضباع تماماً في براثنها ، ولم يتبقَّ سوى قلة من رجال السحالي داخل قبيلتهم ، أطلقوا على أنفسهم اسم "نافضو الحراشف " والذين استمروا في إبداء مقاومة عنيدة.
ولكن تحت حصار القبيلتين الكبيرتين وجهود البحث المستمرة ، واجه "نافضو الحراشف " اليوم مصيرهم المحتوم.
وفي أعماق الغابة المستنقعية التي يتخللها الضباب السام ، اخترقت سحلية صغيرة نحيلة الصمت المطبق واندفعت نحو الداخل.
تعثرت "سيكاشي " بخطوات خائرة ، وكانت حدقتا عينيها الرأسيتان بلون الكهرمان تلتفتان إلى الوراء بين الحين والآخر ، بينما كان ذيلها النحيل يتخبط بقلق.
كانت مخالبها الحرشفية مغطاة بجروح دامية ، واخترق رمح خشبي كتفها الأيمن ، كاشفاً عن الأنسجة والعضلات الممزقة في الداخل.
ومع كل خطوة كانت تشعر بالجرح ينهش أعصابها ، مسبباً لها ألماً مبرحاً وأنفاساً متقطعة ، كأنها تحاول غمر وعيها في المستنقع ، مما جعل رؤيتها تزداد ضبابية.
لم تكن تدري إلى أين تهرب ، ولا كيف تنجو من الخطر ؛ فقد كان دافعها الوحيد هو غريزة البقاء.
فقط بالتخلص من أتباع "الفساد " الذين يطاردونها ، ربما تجد -بصفتها مؤمنة بأرواح الأسلاف وروح المستنقع- بصيصاً من أمل للنجاة.
"شيـشا! (نافضو الحراشف) غارا! (فريسة) "
انطلقت صيحات فوضوية غير منضبطة من خلف "سيكاشي ". ظهرت فرقة صيد مكونة من ضبعين آدميين ، ورجل سحلية ، وبعض الضباع ، من بين الضباب السام. حيث كانوا يلوحون بهراوات ورماح بدائية ، وأصواتهم مشبعة بالحقد على "الخارجة عن العقيدة ".
سعلت "سيكاشي " بعنف ، ونفثت دماً. لم تسمع سوى طنين خافت يتردد في عقلها ، كأنه تحذير من عقلها. ثم لم تلبث أن لاحظت مدى ضخامة "البلوطة الملتوية " أمامها ، قبل أن تتعثر بجذورها وتندفع ساقطة على وجهها نحو الأرض.
"شيـشا! (نافضو الحراشف) "
صاح الثلاثة بغضب ، وقد احمرت أعينهم ، وسرعان ما اقتربوا من "سيكاشي ".
"كاهنة ، مفيدة! "
"عبادة مورغول! "
جاهدت "سيكاشي " لترفع جسدها عن الأرض ، وقالت بسخرية وهي تشتمهم "يا أتباع الفساد الأنجاس! "
"لتلعنكم أرواح الأسلاف والمستنقع ، ولتمنعكم من خيراته إلى الأبد. "
"أنا ، سيكاشي ، أُفضّل العودة إلى أحضان المستنقع! "
وعندما رأى الضبع البشري ذو الفراء الرمادي إصرارها ، تقدم ورفع هراوته ، وضربها في أحشائها ، فطار جسدها عدة أمتار بعيداً.
"كح... "
ارتطمت "سيكاشي " بالأرض ، وبدأت جروحها تنزف بغزارة. أصبحت رؤيتها الملطخة بالدماء ضبابية أكثر فأكثر ، وصبغت باللون الأحمر. لم تستطع رؤية سوى "وحوش الطحالب " المذعورة على الأرض ، وشعرت بأن الموت أصبح أقرب إليها من أي وقت مضى.
في تلك اللحظة ، تذكرت أباها ، الرجل الذي أرشدها لعبادة "بوتو " وراقبها وهي تصبح كاهنة خطوة بخطوة.
ثم اخترق قلبها ألم حاد مفاجئ. تلطخت ذكرياتها بالدماء والرماد. و في تلك الليلة ، شهدت أباها المسن ، وهو يقاوم عقيدة "الفساد " وقد اخترقت مخالب الكاهن الحادة صدره ، والدماء تتناثر بغزارة.
تماماً كما يحدث لها الآن.
آه...
ترددت زفرة ثقيلة في قلبها.
يا للأسف ، لقد فشلت في النهاية في الإطاحة بكاهن "الفساد " وفشلت في الانتقام لأبيها. فلم يكن أمامها إلا أن تنتهي كأولئك الوحوش ، وتغوص عظامها في قاع المستنقع الذي لا قاع له.
لكن ربما كان هذا هو الخيار الأفضل.
أن تعود إلى أحضان "بوتو " روح المستنقع كان أعظم شرف لها ، أفضل من الوقوع في أيدي أتباع "الفساد " الأنجاس.
استلقت عاجزة على الأرض ، وكانت عيناها موازيتين للتربة ، وبدا لها أنها ترى فقاعات خضراء كثيرة تنبثق من المستنقع ، كأن رسل "بوتو " -أولئك "الهلاميين "- يرحبون بعودتها...
"شيـشا! (نافضو الحراشف) "
ما زالت الأصوات الصاخبة والمزعجة تتردد في أذني "سيكاشي ". سمعت وقع خطوات الموت تقترب خطوة بخطوة. وبعدها ، ستكفي ضربة واحدة من هراوة لتسحق جمجمتها تماماً.
لكنها لم تعد تشعر بأي خوف من الموت ، بل فقط بالرضا والأسف.
أغمضت عينيها تدريجياً ، مستسلمة للغرق في الظلام. و لكن فجأة ، شعرت بجسدها الذي برد من جراء فقدان الدماء ، كأنه يغلفه الدفء.
كان الأمر أشبه بهلام ناعم يحيط بها.
هل جاء "بوتو " لأجلها ؟
لكن الشك الخافت الذي انتاب قلب "سيكاشي " لم يدم طويلاً حتى سمعت صرخة تخترق الظلام وتتردد في أذنيها.
كان الطنين حاداً جداً. و في البداية ظنت أنه من خيالات عقلها بسبب نزيف الدماء ، لكنها شعرت تدريجياً بأن هناك خطأ ما.
لحظة...
هذا هو صوت اهتزاز أجنحة "دبابير اللسعة السامة "!
بإدراكها ذلك انفتحت عينا "سيكاشي " فجأة. وبذلت جهداً كبيراً لترفع بصرها ، فرأت لسعات سامة تنهمر من الأشجار كالمطر ، مطاردة أشباه البشر الذين اقتحموا هذا المكان.
هذه المخلوقات السحرية من فئة "الحديد الأسود " تظهر عادة في أسراب. حيث كانت لسعاتها مميتة ومرعبة ؛ حتى رجال السحالي ذوو الحراشف لا يجرؤون على استفزازها بسهولة.
كيف تصادف وجود عش "دبابير اللسعة السامة " هنا ، ولماذا هاجمت فرقة الصيد تحديداً ؟
هل يمكن أن تكون أرواح الأسلاف و "بوتو " قد سمعوا ابتهالاتها ؟
في تلك اللحظة ، اشتعل أمل النجاة داخلها. متجاهلة الألم الشديد ، حركت جسدها ، وبدأت تزحف ببطء لتختبئ في أعماق المستنقع.