الفصل 283: منزل جديد
كانت سيارة الفيراري البيضاء تشق عالبوابة السماوية فوق المنطقة العليا برقيٍّ لم يتخيله لوهان قط ، فهو الذي لم يألف سوى اهتزاز حافلات النقل العام وضجيجها الذي يصم الآذان.
من تلك النافذة المتميزة داخل المقصورة المضغوطة ، تحول العالم من تحته إلى طيف من الألوان الزاهية والحياة النابضة. وعلى عكس المشهد الرمادي الرتيب الذي اعتاد رؤيته عبر النوافذ المتصدعة لوسائل النقل في القطاع الرابع ، حيث يحجب دخان المصانع أي أفق ، رأى لوهان "إيدن-3 " هنا بكامل بهائها.
في الأسفل لم تكن الشوارع مجرد مسارات أسفلتية متشققة تغطيها برك من الأوحال الكيميائية كما هو الحال في المنطقة السفلى ؛ بل كانت طرقاً واسعة ، مرصوفة بمواد تتلألأ تحت أشعة الشمس ، تصطف على جانبيها حدائق عمودية وأشجار بدت أوراقها وكأنها نُظفت يدوياً.
راقب لوهان تدفق الناس ؛ كانوا يمشون بخفة تكشف بوضوح عن غياب عبء صراع البقاء اليومي. فلم يكن أحد يرتدي تلك الأثواب الواقية الثقيلة أو أقنعة التنقية (هيبا-4) التي كانت إلزامية في المنطقة السفلى لتجنب نخر الحويصلات الهوائية.
هناك كان المواطنون يرتدون أقمشة فاخرة وراقية ، يترددون على متاجر المصممين والمقاهي المفتوحة ، ويتنفسون هواءً "عذباً " ومشبعاً بالحياة ، لدرجة أن لوهان شعر بمرشحه الهضمي يعمل بوتيرة ثابتة ، ممتصاً المغذيات من الجو المحيط البسيط.
كان الأمن في المنطقة لا تشوبه شائبة ؛ إذ كانت طائرات المراقبة المسيرة تجوب الأجواء وفق أنماط دقيقة ، بينما تضمن نقاط التفتيش بقاء "دنس " القطاعات الخارجية بعيداً.
اندهش لوهان من مدى تشابه المكان مع مراكز التسوق العادية التي رآها في عالمه السابق عبر التلفاز والإنترنت ؛ كانت حضارة وظيفية ، وجنةً تكنولوجياً ظن أن وهجه قد انطفأ مع الانتقال.
أينما مرت الفيراري كان الهسيس الناعم لمحرك الاندماج يدفع الناس للتوقف. حيث كانوا ينظرون إلى الأعلى بفضول ورهبة ، متسائلين عن أي عملاق من عمالقة الشركات أو وريث من ورثة العائلات الاثنتي عشرة الحاكمة يقود تلك الأعجوبة الهندسية.
تمتم لوهان وصوته يثقله ذهول لم يستطع إخفاءه "لأكون صادقاً يا ليزا... كنت أعلم دائماً أن المنطقة العليا تختلف كثيراً عن المنطقة السفلى ، لكن رؤيتها من هذه الزاوية لأول مرة تجعل المنطقة السفلى تبدو وكأنها كوكب مختلف تماماً ".
أبقت إيزابيلا عينيها مثبتتين على الطريق ، لكن بريقاً من الرضا ومض في عينيها الذهبيتين "تلك مجرد القشور يا هالون. يعيش معظم الناس هنا داخل فقاعة من واقع زائف ، قانعين بالوضع الراهن الذي يعيشونه دون أدنى اكتراث بالعالم الخارجي ".
أدارت الفيراري مقدمتها أخيراً نحو قلب القطاع (1-أ).
ارتفع أمامهما برج سكني فاخر مكون من 50 طابقاً ، كتلة شاهقة من الكريستال والفولاذ بدت وكأنها تحاول ملامسة القبة الجوية ذاتها. حيث كان المكان رائعاً ، حيث كانت الأضواء الهولوغرافية تسلط اسم مجمع "سكاي لاين هيفن " وسط حدائق معلقة تتحدى الجاذبية ؛ شعر لوهان بوقعة قوية في نفسه.
وبينما كان ينظر إلى البناء ، بدأ يشك بجدية في أن سعر شقة في الطابق العلوي في مثل هذا الموقع يكلف "فقط " 20 مليون نقطه انجاز... ففي تقديره ، يجب أن يكون السعر ضعف ذلك على الأقل.
بدلاً من التوجه إلى الطابق الأرضي كما يفعل المصعد العادي ، صعدت إيزابيلا عمودياً. ومع اقترابهما من القمة ، أطلقت لوحة تحكم السيارة تحذيراً مسموعاً إيقاعياً وحذراً.
[تنبيه: تم بدء فحص الأمن العصبي]
[توقيع المركبة: فانس - القائمة البيضاء مؤكدة]
[مرحباً بعودتك ، آنسة إيزابيلا]
في قمة البرج ، رأى لوهان طبقة رقيقة من الحماية التكنولوجية الشفافة. حيث كان مجال قوة عالي التردد ، غير مرئي تقريباً للعين المجردة ، لكنه تموج كالماء مع اقتراب الفيراري. انفتح الدرع ليشكل بوابة دائرية مثالية ، سامحاً للسيارة بالمرور قبل أن ينغلق مجدداً مع فرقعة طاقة خافتة.
لم تكن البشرية متأخرة تقنياً ؛ بل على العكس من ذلك كانت قادرة على غزو الكواكب ، ومستواها التكنولوجي كان متطوراً للغاية ، لكن فوائد هذه التكنولوجيا المتقدمة كانت متاحة فقط للمنطقة العليا ، بينما ظل سكان المنطقة السفلى يعيشون قروناً إلى الوراء من الناحية التقنية.
نظر لوهان إلى الوراء نحو الدرع الذي يحمي المنزل الآن ، وأدرك الفارق الهائل بين المنطقة السفلى والعليا. استذكر بساطة اقتحامه لشقة أوسكار ، حيث لم يحتج سوى قليل من "الالتصاق اللزج " والقوة الغاشمة. لو كان لدى أوسكار نظام كهذا ، لكان لوهان قد تفحم بفعل مستشعرات الدفاع قبل أن يلمس أول لوح زجاجي.
هبطت الفيراري برفق في مرآب مفتوح في الطابق الخمسين ، وهي مساحة فسيحة مفروشة برخام أبيض مصقول ومخططة لاستيعاب ست مركبات. حيث كانت سيارة إيزابيلا هي الوحيدة هناك ، مركونة كتمثال جميل ومنعزل في وسط الحظيرة الخاصة.
عندما خرج من السيارة ، ضربته نسمة هواء نقية لدرجة أنه كاد يسعل. بدت حقيبة الظهر الثقيلة على كتفيه أخف وزناً في تلك البيئة الغنية بالمغذيات. و في تلك اللحظة ، شعر أن جهازه الهضمي وحده كفيل بإبقائه على قيد الحياة لأيام دون الحاجة إلى تناول أي شيء!
مشى باتجاه الحاجز الزجاجي وانبهر بالمنظر. و من الطابق العلوي ، استطاع رؤية امتداد "إيدن-3 " بأكمله تحت السحب. حيث كان هناك مسبح لا متناهٍ يبدو وكأنه يصب في السماء ، ومنطقة ترفيهية بأثاث بسيط ، وشواية عالية التقنية ، والعديد من غرف الترفيه الأخرى التي بدأت ليزا في إطلاعه عليها بهدوء ، وكأنها كانت مالكة لهذا المكان لسنوات.
حول لوهان نظره إلى المرآب الفارغ. حيث كان من عشاق السيارات ، وهو شغف نمّاه على مدى سنوات من مشاهدة الأفلام الوثائقية وهو على سرير المستشفى في العالم الأول ، ولعب ألعاب الفيديو المتعلقة بالسيارات باستمرار.
رؤية تلك المساحة الشاسعة مع سيارة فيراري واحدة فقط أثارت فيه رغبة مفاجئة لملئها بآلات قوية قدر الإمكان. ومع ذلك كبح الفكرة بابتسامة هادئة... فملء هذا المرآب هدف للمستقبل ، عندما يكف إيجار الـ 100 ألف نقطه انجاز عن كونه عبئاً ثقيلاً ويصبح مجرد مصروف جيب تافه.
قالت إيزابيلا وهي تشير نحو درج كريستالي يؤدي إلى منطقة المعيشة "تعال ، المستوى السفلي هو المكان الذي ستقضي فيه وقتك حقاً ".
نزلا إلى الطابق السفلي ، وشعر لوهان وكأنه يدخل ملاذاً للتصميم. أطلعته إيزابيلا على منطقة المعيشة في الشقة ، حيث صُممت كل تقبيله فيها على يد مصمم داخلي شهير ذكرت اسمه ، لكن لوهان لم يسمع به قط.
كان المطبخ هو جوهرة المكان ، حيث ضم طاولة طعام ضخمة تتسع لـ 12 شخصاً ومصنوعة من خشب قديم من كوكب بعيد ، تحيط بها أجهزة بدت أشبه بمعدات المختبرات منها بأدوات المطبخ.
لم يبدُ المكان متكلفاً بشكل مبالغ فيه أو بارداً كما كان يتخيل لوهان ؛ إذ نجح التصميم في المزج بين الدفء والفخامة ، مع إضاءة دافئة وخامات منحت شعوراً بالهدوء والراحة.
بعد الجولة الكاملة التي استغرقت نصف ساعة تقريباً ، عادا إلى الغرفة الرئيسية التي كانت تتميز بجدار زجاجي كامل يطل على الأفق. ساد الصمت الشقة الفاخرة ، ولم يقطعه سوى طنين غير مسموع تقريباً التقطه سمع لوهان المعزز من نظام تنقية الهواء.
وقف لوهان وإيزابيلا يواجهان بعضهما البعض. وبدون واجهة المراسلة الخاصة بـ "سين " وبدون الرابط الذهني لـ "إليسيوم " وبدون حماية صورتيهما الرمزيتين (الوحل والثعلب) ، داهمتهما حقيقة وجودهما هناك ، وحيدين في شقة ، في آن واحد.
عبثت إيزابيلا بشعرها الأحمر ، واعتلى وجهها احمرار أصبح لوهان يتعرف عليه بسهولة الآن. أما لوهان ، فقد عدّل حقيبة ظهره ، شاعراً بغربة غريبة بسترته ذات القلنسوة السوداء وسط كل ذلك الديكور الفاخر.
شعر كلاهما ببعض الارتباك ، يحدقان في بعضهما البعض دون معرفة ما يجب فعله تالياً. لا تزال زمالة "السيف والدرع " في "ميثلورين " قائمة ، لكن الحاجز الاجتماعي والتوتر المادى في العالم الحقيقي خلقا كهرباء ساكنة في الهواء لم يعرف أي منهما كيف يفرغها.
بإلقاء نظرة على ملابسه ، واتت لوهان فكرة أخيراً. و قال "كما تعلمين ، لا أعتقد أن أحداً سيصدق أنني أعيش هنا الآن إذا تجولت بهذا المظهر. ما رأيك في مساعدتي على شراء بعض الملابس ؟ على الأقل كي لا أبدو نشازاً في هذا المكان ؟ "
عند سماع تعليقه ، لمعت عينا إيزابيلا بحماس ، وكأنها للتو سمعت أكثر الأفكار إمتاعاً في العالم. ولو كان لوهان يعلم في أي شيء قد ورط نفسه ، لندم على ذلك الاقتراح فوراً ، لكن الأوان كان قد فات.