«الغو» (غو): حشرةٌ تُربّى لتغدو لعنةً دابةً ؛ سامةٌ ، فتاكةٌ ، مُفعمةٌ بـ «تشي» الين السام وطاقة اللعنات. ينقسمُ مزارعو «الغو» إلى صنفين: الأول ؛ ضعفاء البنية ، كثيرو العلة ، شاحبو الوجوه من جراء ما يقترفونه من فظائع في سبيل تنميةِ أليفهم أو تعويذاتهم أو رفاقهم. والثاني ؛ مَنْ اكتسبوا قوةً تفوقُ الطبيعة البشرية ، ولا يختلط الأمرُ على أحدٍ في التمييز بينهما ؛ فقد طعّمَ هؤلاء أنفسهم بـ «الغو» ، ودمجوه في أجسادهم ، ليتحولوا إلى مسخٍ بشريٍّ حشريّ.
كانت المرأةُ الواقفةُ أمام «تيان» من الصنف الأول ، بملامحها الجائعة والمتوحشة التي وجدها مألوفةً بشكلٍ مريب. حيث كانت من النوع الذي يفضل البقاء في الخلف ، تاركةً الوحوش خاصتها الصغيرة تخوضُ المعركة نيابةً عنها ، معتمدةً على نصب الفخاخ إن سَمحت الظروف. لم تكن لتُقدم على قتالٍ يدٍ بيد ، وإن كانت تملكُ بلا شك وسائلَ خبيثةً لحماية نفسها.
ومضَ التحليلُ في ذهن «تيان» فور ظهورها. حيث كانت العواملُ الوحيدةُ التي تخرجُ عن سيطرته هي الفخاخ ، وما ستفعله حين يقتربُ منها. لذا حرصَ على أن يبدو في عينيها كأنه ميتٌ يمشي قبل أن يشرعَ في أي فعل. أزاحَ سلاحه (نصل الحبل) جانباً ، وابتعد عن ذلك الشيء المدفون تحت الرمال ، ثم اندفعَ وسط سربِ «الغو».
زمجرت المهرطقةُ بازدراءٍ دون أن تحيدَ بنظرها عنه بينما كانت الحشراتُ تتساقطُ حوله. و شعرَ بلسعاتها تنغرزُ في لحمه ، وتضخُ السمومَ لتخدرَ جسده. لم يعد الألمُ خيالاً ، بل صار حقيقةً متوقعة. انغرست طاقةُ اللعنة في كل شبرٍ من جسده ووجهه. حيث كان يصفعُ الحشراتِ بجنونٍ بينما يحاولُ اختراق السرب و ربما قتلَ بعضها ، وربما لا ، لكن الأهم هو أن قدماه كانتا تواصلان التقدم.
«ستقضي نحبكَ قبل أن تلمسَ حاشيةَ ثوبي. كلُّ ذلك العيشُ الرغيدُ لم يُجدِ نفعاً في النهاية ، أليس كذلك ؟» كان يسمعُ ابتسامةً في نبرة صوتها ، ولم يكن يدركُ عمّا تتحدث. حيث أطلقَ صرخةً ؛ إذ كان من العسيرِ كتمانها ، فطاقةُ اللعنة لم تكن تسعى لقتله فحسب ، بل كانت ترومُ كسرَ روحه قبل جسده.
«وأخيراً ، ستتذوقُ ولو ذرةً مما تستحق. ما تستحقونه جميعاً...» تعثرَ «تيان» أمامها ، ساقطاً باتجاه قدميها تماماً كما توقعت. و لكنه استجمعَ قواه دافعاً بجسده بقوةٍ من قدمه الأمامية ، ليبلغَ صدرها في حركةٍ واحدة. فضربت يداه أضلاعها الهزيلة وعظمةَ صدرها وعنقها. حيث كانت نحيلةً جداً تحت ثيابها الحريرية الواقية. حيث كانت أطولَ قامةً منه ، لكنها لم تكن أثقلَ وزناً.
سمعَ العظامَ تتكسرُ مع كل ضربة. شكّ «تيان» في أنها لا تزال حيةً بما يكفي لتدركَ ما يحدث. و شعرَ بالقوةِ النافذةِ وهي تغوصُ في أحشائها ، تفتكُ بأعضائها وأعصابها ، وتصيبُ شيئاً آخر. و شعرَ «تيان» فجأةً بإحساسٍ حارقٍ في بطنه ؛ فقد طعنته. ركلَ الأرضَ متراجعاً للوراء ، متهاوياً بعيداً. حيث كان هناك شيءٌ على ذلك الشفرة ؛ ليس لعنةً هذه المرة ، بل سماً قوياً بما يكفي ليخترقَ ألم الكابوس الذي كان يعانيه.
تحول «تيان» إلى تقنية «بتشينغ الربيع» وابتلعَ ترياقاً بينما كان يتراجعُ محاولاً كسبَ مسافةٍ آمنة. حيث كان ينزفُ بغزارة ، ولم تكن حشرات «الغو» قد غادرت ، بل كانت تهاجمهُ بكثافة وتلسعه. و هذه المرة ، شعر بما يحدث ؛ كانت «بتشينغ الربيع» تعملُ بتناغمٍ مع «سوترا قمع الجحيم» تمتصُ طاقةَ اللعنة وتحوله إلى طاقةٍ حيويةٍ خالصةٍ لجسده. حيث كان جسدهُ اللحميُّ يقاومُ السمَّ بضراوة ؛ ربما ليست حصانةً كاملة ، لكنها مقاومةٌ شرسةٌ حتى يتمكنَ الترياقُ وتقنيةُ «بتشينغ الربيع» من إتمام المهمة.
كان يتساءلُ دوماً عما فعلتهُ به كلُّ تلك التحسيناتِ الجسديه ، وبدأ يفهمُ الآن ؛ فجسده لم يعد طبيعياً ، وماهيته لا تزال مجهولةً ، لكن «بنية الجسد النقي» (عديم الغبار بهيسيتشيوي) لديه بدت موافقةً تماماً لما يحدث. فزهورُ اللوتس لا تشاركُ بركتها مع أزهارٍ أخرى ، وأيُّ طاقةٍ دخيلةٍ أو لعنةٍ لا مكان لها هنا.
ومع ذلك لم يكن جسدهُ منيعاً ضد الطعنات ، وكانت المرأةُ تملكُ بنيةً جسديةً غامضةً هي الأخرى.
«أيها الحيوان.» خرجَ صوتها كالفحيح. حيث كانت تُميلُ رأسها بشكلٍ ملتوٍ ، وإحدى أذنيها قريبةٌ بشكلٍ مزعجٍ من كتفها. حيث كانت تحملُ سكيناً نحيلاً مُقوّساً في يدها. لم يلحظ متى استلّته. هل كان في خاتم تخزينها ؟ بالطبع كان هناك. يا للغباء! ظنُّ أنَّ الديانة الملحدة سيحملون أسلحتهم على خصورهم كما يفعلُ إخوته.
كان يصفعُ الحشراتِ بلا اكتراثٍ وهو يراقبها. و لقد شعرَ بطاقتهِ الحيويةِ تتسللُ إليها ، تُدمرُ أحشاءها. حيث كان يجب أن تكون كميناً مثالياً ، لكنها على ما يبدو كانت تعرفُ شيئاً يجهله. ولم تعد ترغبُ في الانتظار.
اندفعت المهرطقةُ نحوه كطيفٍ. انقضَّ السكينُ ، مما أجبره على القفز جانباً ، ليفتحَ الجرحَ في بطنه أكثر. استلَّ «تيان» سلاحه وحاولَ تحريكه ، لكنه شعر بوهنٍ في يديه. و لقد اعتادَ كثيراً على التبديل بين فنونِ القتال لدرجة أنَّ القتالَ بدونها بات غير طبيعي. و لكنه لم يستطع التخلي عن «بتشينغ الربيع» ؛ فـ «الغو» اللعين ما زال يهاجمه ، واللعنةُ ستلتهمه حياً إن لم يسيطر عليها.
كان سلاحُ الحبلِ يتراقصُ حول جسده ، يزدادُ زخماً ، ويصبحُ مراوغاً. ثم واصلَ التحركَ بقدميه دون تسرع. حيث كانت المهرطقةُ تدورُ في مكانها ، مُبقيةً «تيان» أمامها مباشرة. حيث أطلقَ السلاحَ في هجومٍ استكشافي ، فتموّهَ السكينُ في الهواء ، مُطيحاً بحديدةِ السلاحِ جانباً. استعاد «تيان» توازنه وواصل الدوران. ممَّ كانت تنتظر ؟
انتقلت عيناه إلى يدها الأخرى ، لكنها كانت متدليةً بلا حراك. حقاً متدلية ، لا اهتزازَ ولا قبضَ للأصابع. حيث توقفَ للحظةٍ محاولاً فهمَ ما يراه. حيث كانت لحظةً واحدة.
لكنها كانت أطولَ مما ينبغي.
اندفعت المهرطقة ؛ هوى سكينها من الأعلى ، مُستهدفاً جانبَ عنقه. حيث كانت ملتصقةً به الآن ، جسداً بجسد. ورغم نحافتها كانت قادرةً على طرحه أرضاً. نحيلة ، لكنها صلبةٌ كالصخر. و سقطت عليه وهي تطعنه في عنقه مراراً. تصدى «تيان» لها بالسلاح ، محاولاً إبعاد السكين. حيث كانت أقوى منه ؛ ليس بفارقٍ كبير ، لكن بقدرٍ كافٍ. اقتربَ الخنجرُ أكثرَ فأكثر.
كانت عيناها زجاجيتين ، رآهما من خلف نظاراتها الخشنة ؛ زجاجيتان ومحتقنتان بالدم في ضوء الفجر. لم تكن تستخدمُ يدها اليسرى ، ولم تكن تفعلُ الكثير بساقيها أيضاً. و لقد ألحقَ بها ضرراً ما ، لكنه لم يكن كافياً لقتلها. ذراعٌ واحدةٌ منها كانت تغلبُ ذراعيه الاثنتين.
جزَّ «تيان» على أسنانه وتحول إلى «جسد كرمة رأس الثعبان». كان الألمُ فورياً ومقعداً. وخزت المهرطقةُ عنقه بالسكين ؛ كانت مجرد وخزة ، لكن الشفرةَ لم يتراجع ، بل استمر في الضغط. لفَّ «تيان» سلكهُ حول ذراعها وعنقها بدفعةٍ يائسةٍ من طاقته الحيوية ، ثم شدَّه بقوة. جعلَ الأشواكَ تنغرزُ ، ودفعَ بحوضه إلى الأعلى.
بجرأةٍ متهورة ، قلبها على ظهرها ، مُحدثاً جرحاً في عنقه أثناء العملية ؛ لم يكن عميقاً ليصلَ إلى الشريان ، لكنه شعرَ بالسمِّ يسري فوراً ، مصارعاً الترياق. أصبح لديه الآن توازنُ القوى ؛ فاستغله. وضعَ «تيان» إحدى قدميه بثباتٍ على الأرض ووقف. حاولت المهرطقةُ اللحاقَ به ، لكنه داسَ على صدرها عوضاً عن ذلك.
تمزقت الذراعُ وكذلك العنق. لم يُفصلا تماماً ، لكن ثلثي كلاهما قد دُمر. و شعرَ بالقوةِ تغادرُ يدها التي تحملُ السكين. لم يثق في ذلك ؛ فقام «تيان» بنشر الحبلِ ذهاباً وإياباً ليقطعَ رأسَ المهرطقة ، ثم فعلَ الشيءَ ذاته مع ذراعها.
بدأ شيءٌ ما يزحفُ خارجاً من جذع عنقها ؛ أطرافٌ طويلةٌ ومقسمة ، مجسات ، وأرجل.. شيءٌ فظيع. حطمّه «تيان» مراراً بسلاحه ، وطعنه بضعَ مرات ، ثم نفثَ مسحوقَ «قاهر الغو» في جرحِ العنق. و بدأ يشعرُ بالدوار ، وكاد يغمى عليه من الألم. التقط سكينها وخاتمَ تخزينها ، وحفظَ رأسها ، ثم تحول إلى «بتشينغ الربيع» وركضَ نحو الصحراء. و لقد فعلَ أكثرَ بكثير مما كان متوقعاً منه ، وأكثرَ مما تقتضيه مهمته ؛ فمهمته هي أن يكون المسعف ، أن يبقى حياً ليحافظ على حياةِ الآخرين. لذا كان عمله الآن هو تنظيف ساحة المعركة والتعافي.
«لقد قتلتُ مستوى ثامناً أو تاسعاً بمفردي. و هذا إنجازٌ كبير.» فكر «تيان». كانت الرؤيةُ ضبابية ؛ فالسمُّ واللعنةُ يتناوبان على الفتكِ بجسده ، وستحتاجُ تعويذاته وقتاً لإصلاحه. فلم يكن يعلمُ كيف سارت بقيةُ المعركة ، ولا حالَ الأخت «هونغ». وجد «تيان» منخفضاً مريحاً في الرمال الخشنة واستلقى فيه. سيدفنُ نفسه لاحقاً ، أما الآن فكان يكتفي بالتنفسِ ومحاولةِ التعافي.
«بأثرٍ رجعي ، ربما كان من الغباء محاولة تغيير مجرى المعركة. ليست وظيفتي حقاً. و لكن أحياناً يتوجبُ عليك فعلَ ما قبل المهمة ، أليس كذلك يا أخا سو ؟ تلك الشرارةُ من التعاطف الإنساني.» تمنى «تيان» أن يكون صوته الداخلي محبوساً في الداخل حقاً. «بدت ضروريةً جداً في ذلك الوقت. و لكنني أعتقدُ أنني بالغتُ في الأمر.»
صبَّ مسحوقَ تجلطِ الدمِ في جرحِ بطنه. فلم يكن هذا ما يفترضُ به فعله ، ليس صحيحاً بالمرة ، لكنه كان يملكُ خاصيةً مطهرة ، وقد رأى الكثيرَ من جروحِ أسلحةِ الديانة الملحدة وهي تتعفن. صبَّ بعضاً منه على عنقه أيضاً. لم تكن إصابةُ العنقِ بالسوءِ ذاته ؛ فلو انحرفت نصفَ بوصةٍ إضافية لكانت القصةُ مختلفةً تماماً. أما الآن ، فهو مُنهكٌ ، ملعونٌ ، مسمومٌ ، مطعونٌ في بطنه ، وربما مصابٌ بعدوى ما ، والمعركةُ لم تنتهِ بعد.
آه ، تيان ؟ هل فكرتَ يوماً في حيوانِ «الفأر الحقلي» المتواضع ؟ إنه قارضٌ ذكي ، يدركُ أنه لا يستطيعُ التغلبَ على أي شيءٍ في القتال ، فهل تحزرُ ما يفعله بدلاً من ذلك ؟
كان هناك إلحاحٌ شديدٌ في صوت الجد «جون». لم يطرح «تيان» أي أسئلة ؛ تحولَ إلى «جسد كرمة رأس الثعبان» ، كتم صرخةً ، وبدأ باستخدام سلاحه لسحب الرمال المجاورة لتغطية جسده. لم يستطع الحفرَ عميقاً ، لكنه كان مصمماً على تغطية نفسه ببضعِ أقدام.
أوه لم يكتشف بعدُ ما هو الشيءُ المدفون تحت الأرض. لم يستطع «تيان» حشدَ الطاقةِ للقلقِ بشأن ذلك ؛ كان قلقاً أكثر مما قد يجعل الجد «جون» يكسر صمته في منتصف المعركة.
صدرَ طقطقةٌ حادة ، ثم سادَ صمتٌ مفاجئ.
«أيها الوحشُ العنيد. إن لم تخرج ، فسأجركَ خارجاً.» لم يتعرف «تيان» على الصوت ؛ كان يبدو... مقززاً ، وكأنَّ فيه فقاعاتٍ ونقراتٍ لا ينبغي أن تكون في صوتٍ بشري.
«أجركَ خارجاً ؟ انتظر. هل كان موقعُ الكمين هذا... هل كان هذا ما يسعى إليه ذلك التلميذُ الحقيقي ؟ هل كان يعلمُ أنَّ سادةَ الغو سيشنون هجومهم الخاص هنا ؟» تسارعَ تفكيرُ «تيان».
«أوه ، لا تكلف نفسك عناء الهرب. فقد أديتم دوركم أيها الصغار.» دوّى طنينُ الحشراتِ فجأةً ؛ ليس بضعَ عشرات ، بل آلافٌ ، عشراتُ الآلاف. ثم واصلَ «تيان» الحفرَ أعمقَ وأعمق ، مستخدماً أشواكَ سلاحه لسحب الرملِ من تحته ورميه فوقه. لم تكن عمليةً سريعة ، لكنها كانت ثابتة. حيث كان يأملُ فقط أن تكون سريعةً بما يكفي. حيث كان يدركُ ماذا يعني ذلك الصوتُ المطبق ؛ لقد نزلَ مهرطقٌ من «الرتبة السماوية» إلى الميدان ، ويبدو أن الأخ الأكبر «كو» قد اختفى ، ربما لأنه قررَ أنَّ جنيَ المالِ السهلِ صار أصعبَ مما ينبغي.