وقف "الأخ فو " راسخاً كالجبل ، يرتفع صوته بترتيلٍ متدفق ، وكل كلمةٍ تنطقها شفتاه كانت تهبط كلوحٍ محفور ، أو كمسلةٍ برونزيةٍ تحمل في طياتها القانون الأسمى.
"تنبثق أشياء العالم من كل صوب ، وكلٌ منها يعود إلى جذره. والعودة إلى الجذر تُسمى 'السكون ' ، وهذا ما يُدعى العودة إلى المصير ، والعودة إلى المصير هي 'الثبات ' ، ومعرفة الثبات هي 'الاستنارة '. "
تزلزلت السماء ، ومزقت "كف التنين " الغيوم ، لتسقط في فوضى التدمير الذاتي وسط تشابكٍ مع مخزون الصواعق الذي كان ما زال يتربص بالأعلى. حيث كان صوت "فو " ينبض ويخترق مسامع كل من كان في مرمى صوته. و أدرك "تيان " ما يحدث ؛ إنه "تعويذة الداو " ذات التعويذة التي غادر بها هو و "هونج " كهف "المنعطفات الستة " لكن الأخ "فو " كان يحمل في جعبته الكثير مما امتلكاه هما.
"من لا يعرف الثبات يتصرف بتهورٍ ويجلب الشؤم ، ومن يعرف الثبات يستطيع الاحتواء ؛ والاحتواء يؤدي إلى الإنصاف ، والإنصاف يؤدي إلى الجلال ، والجلال يؤدي إلى السماوات ، والسماوات تؤدي إلى الداو. "
اهتز الهواء ، واستطاع "تيان " سماع زقزقة الطيور الشجية ، ورنين أجراس المعبد القديمة الذي يهز العظام.
"مع الداو يمكن للمرء أن يصمد ، ولن يواجه خطراً ما بقي حياً. "
تمزقت السماء ، وهربت الغيوم ، وتلاشت الصواعق وكأنها خجلى. تجمعت أضواء النجوم وهبطت على الأخ "فو " تغمره بفيضها وترفعه عالياً. و لقد ضاع في خضمها ، يرى... شيئاً ما. يرى ذلك الكشف الذي استعصى عليه لمئتي عام ؛ فهمه الخاص للخلود.
تسرب ضوء النجوم فوق القاعدة وتكثف في مساحةٍ صغيرةٍ حول الأخ "فو ". شعر "تيان " بذرات الضوء تتسلل إلى جسده لتداوي ما أحدثته الصواعق ، ثم التأمت جروح المعركة. و وجدت "سوترا قمع الجحيم " شيئاً تألفه ، وبدأت في السريان ، مدمجةً تلك البركات في كيانه. و نظر إلى "هونج " كانت غارقةً في ذهولها ، ولم يكن يملك أن يلومها. و لكن كونه الأخ الأكبر كان من واجبه تذكيرها:
"تأملي ، هذه فرصة. "
تبع كلماته بالفعل ، حيث التفت "بوادر الربيع " داخله وتصاعدت نحو الضوء. حيث كانت هناك أشياء كثيرة تستحق التفكير والتذكر ، لكن هناك شيئاً واحداً لن ينساه أبداً ما حيِي.
عندما فرَّ الجميع وواجه والده غضب إلهٍ مجنونٍ وحده ، وقفت "هونج " معه. لم تهرب. هرب أصحاب المكانة السماوية ، وهرب الشيوخ ، وهرب التلميذ المباشر. أما "هونج " فلم تفعل. حفر "تيان " هذا المشهد في عظامه ، بجانب حب والده وعناية إخوته اللامتناهية.
اندفع الناس إلى المساحة الفارغة حول الأخ "فو ". عرف "تيان " أطباء المستشفى ؛ لم يكن بوسع أي تداوٍ سماويٍ أن يمحو آثار الموت التي بدت على وجه "الطبيب بي " و "الأخ وونج ". انضم آخرون بسرعة ، وتجمعت العمات والأعمام من فنون القتال حول "فو ". رأى "تيان " المزارعين المتجمعين ينظرون إليه بتوقٍ... ثم استداروا.
طبع "تيان " المشهد في ذاكرته ؛ كانت لحظةً هبطت فيها السماوات وبارك "الداو " بشراً فانياً ، وانقلبت فيها حقائق العالم ، فاستداروا بظهورهم. ولّوا ظهورهم للأخ "فو " واستلوا أسلحتهم. الأطباء ، ومسؤولو الإمداد ، والإداريون ، ووحوش ساحة المعركة ، استلوا سيوفهم ونظروا في عمق الظلام ، مستعدين للموت دفاعاً عن "فو " في لحظة تجليه تلك.
كان الأمر أعظم من أن يُستوعب ، وأكبر من أن يُحتمل. رأى "تيان " الكثير من القسوة ، الكثير من التجاهل ، والكثير من الحسابات الباردة التي يمارسها الدير. و لقد قالوا إن القاعدة آمنة ، وإن ساحة المعركة في مكانٍ آخر. كم من الناس ماتوا لأنهم كانوا على خطأٍ فادح ؟ كم منهم اعتُبروا "خسائر مقبولة " لا تذهب سدى ما دام "الخصي هي " قد قُتل ؟ لكن من أجل الأخ "فو " نبذوا فرصتهم في الاستنارة ووقفوا يحرسونه.
ما الذي كان مفترضاً به أن يفعل ؟ وبماذا كان عليه أن يشعر ؟ في تلك اللحظة ، كيف كان يُفترض به أن يشعر ؟!
مئتا عام من التراكم لأجل لحظةٍ واحدةٍ من البريق. خبا الضوء ، وتفرقت النجوم لتعود إلى مساراتها السماوية. و هبط الأخ "فو " إلى الأرض ، ما زال ذا لحيةٍ بيضاء وعينين وديعتين ، لكنه لم يعد واهناً. وقف كشجرة صنوبرٍ عتيقة ، مستقيماً وشامخاً بعد فصول شتاءٍ لا تنتهي. ومضت عيناه وهو يتفحص "المستودع " المحطم. و من ذا الذي يستطيع تخمين ما كان يراه ، أو ما كان يبحث عنه ؟
"تيان زيهوا ، اسحب جسدك إلى هنا فوراً! أيها الابن العاق! لن يسمح ابني لأحدٍ باستخدام هذا النوع من اللغة في العلن ، وخاصةً تجاه شخصٍ يكبره مقاماً. لم أرَ في حياتي كلها شيئاً بهذا القدر من الخزي! لنرَ إن كانت هذه العظام القديمة قادرةً على تلقينك درساً في الكرامة والأدب! "
كانت الأيام التالية فوضى عارمة. تلقى "تيان " أوامر صارمة لا تقبل النقاش من كثيرين ؛ أُمر بالبقاء في القاعدة وعدم التحرك قيد أنملة ، ثم بترك الثكنات فوراً والتوجه إلى المستشفى ، ثم بالعودة إلى الثكنات ، أو المغادرة فوراً إلى الطائفة الداخلية أو بعض المعابد النائية. طُلب منه ألا يفارق "هونج " أبداً ، وأُبلغ ببرودٍ أنه لن يراها مجدداً لعقودٍ على الأقل. أومأ برأسه لكل شيء ، ووافق على كل شيء ، ولم يفعل شيئاً.
لم يكن أحدٌ يعرف شيئاً عما يدور ، بما في ذلك الشيوخ ، ولم يكن أحدٌ منهم ، على حد علم "تيان " في موقعٍ يسمح له بإصدار الأوامر إليه. لذا بقي في القاعدة ، وحاول جاهداً الاختباء بجوار "الشيخ روي ". لم يعد يعتبر "الشيخ " شخصاً يمكن الوثوق به ، لكن كونه راعيه ، فإن "روي " لديه مصلحة في بقاء "تيان " حياً.
ما كان أكثر إثارةً للقلق هو عدد الأشخاص الذين أرادوا إبعاد "تيان " و "هونج " عن "الشيخ روي " وعن "العم القتالي فو " الذي ارتقى حديثاً ، خاصةً وأن "العم القتالي فو " سيصبح "التلميذ المباشر فو " بمجرد وصول أحد سادة الداو من الدير لاستلامه.
أدرك "تيان " أن الأمر سياسي ، وكان بوسعه تخمين ماهية المشكلة ، ولكن بما أن هذه النتيجة كانت فيما يبدو النتيجة المثالية التي يرجوها الدير... فلماذا يتصرف الجميع كالحمقى ؟
تجول "تيان " متفقداً من نجا من المعركة ومن لم ينجُ. كان "الأخ سو " خارج القاعدة ، وكذلك "الأخت الكبرى باي ". أما "الأخ هوانج " ذو الليالي الثلاث الذي علمه الكثير عن فنون الإدراك ، فلم ينجُ ؛ انتُشلت جثته من تحت كومةٍ من جثث الشياطين ، وحتى في مماته لم تفارق فؤوسه يديه.
أما "الأخ وونج " فقد كان في المستشفى ونجا ، لكنه استنزف طاقته الحيوية وسيحتاج إلى تسعة أشهرٍ على الأقل للتعافي ، وقد لا تلتئم أضرار مسارات طاقته أبداً. حيث كان "تيان " واثقاً من أنها ستلتئم ؛ فذلك الضوء اللازوردي بدا قادراً على إصلاح أي شيء. أبقى فمه مغلقاً بإحكام. اعتُبرت الجروح خطيرةً لدرجة أن "الأخ وونج " أُرسل إلى "البلدة الغربية " للتعافي ، وذهبت معه "العمة وو ". لم يستطع "تيان " الحصول على إجابةٍ واضحة عما حدث ، ولم يُسمح له برؤيتها. قيل له إنها ستعيش ، وهذا أفضل مما ناله الآخرون.
عاش "الطبيب بي " لكنه اكتشف ندوباً جديدةً عندما انهارت حواجز المستشفى ؛ لقد جعلت وجهه الصارم قبيحاً ، حيث تجعدت وجنتاه والتوت شفتاه. لم يصفع التلميذ المبتدئ الذي عرض عليه مرهم جروحٍ فاخراً لإخفاء الندوب ، بل تقول التقارير إنه أوقف يده على بُعد بوصةٍ من وجه الأحمق وقال "إهدار دواءٍ جيد على خدشٍ هو أمرٌ مقزز بينما يقاتل الكثير من الإخوة والأخوات من أجل حياتهم. أنت لا تملك قلب طبيب ، ارحل ولا تعد أبداً ، لئلا تتسخ يدي بلمس شيءٍ دنس ".
عُثر على "الأخ تشانغ " من مكتب البعثات في خط الدفاع مقطعاً إلى ثلاثة أجزاء. حيث كان طيباً مع "تيان " بطريقته ؛ بيروقراطياً ، لكنه كان أخاً رغم كل شيء. و عندما انهار حقل الدفاع ، ركض نحو المعركة لا بعيداً عنها. قدم "الأخ تشانغ " لـ "تيان " الكثير من المعروف بحمايته من "سيما " ورفض هدايا "تيان " البسيطة لكنه استمر في توجيهه نحو المهمات القيمة التي تتطلب رحلاتٍ طويلة.
كان "سيما " داخل القاعدة أثناء الهجوم. وقف "تيان " فوق جثته ؛ كانت التميمة الملصقة على جبهته ساطعةً لدرجة أنها بدت وكأنها تحرق عيني "تيان ". كل ذلك الخوف و كل ذلك التركيز والصراع مع أخلاقيات قتل أخٍ له ، الاشمئزاز من حماقة نزاعهما ، والاشمئزاز من تصميمه الخاص على إنهاء النزاع بالسيوف الملطخة بالدماء... كل ذلك كان هباءً. كل ذلك كان بلا معنى. و في النهاية ، التهمت "الأرض القاحلة " سيما. لم يرحل في صمت ؛ فقد سقط أمامه اثنان من المارقين ، وكانت كل جروحه في مقدمة جسده.
لفترةٍ من الوقت قد تساءل "تيان " إن كان "سيما " متواطئاً مع المتسللين ، أو ربما مع من شن هذا الهجوم. وفي النهاية ، هل كان ذلك مهماً ؟ كان الرجل ضيق الأفق ، جشعاً ، دنيئاً. و لقد مات بشجاعة ، إن كان هناك شيءٌ كهذا. لم يعد "تيان " يؤمن بـ "الموت الجيد " وإن كان بالتأكيد يؤمن بوجود "ميتاتٍ سيئة ".
"الأخ لونج " الأنيق واللطيف لم يقابل "تيان " ولم يشرح له السبب. حيث صرخ من خلف باب زنزانته يطلب من "تيان " أن يتركه وشأنه ، وأن يرحل. وفعل "تيان " ذلك. حيث كانت الرائحة الكريهة المنبعثة من الغرفة تضرب أنفه ، وبدا ذلك الشاب المهذب كحيوانٍ جريح.
أما "الأخت لي " فقد غرقت في خمرها ، وقالت إنه لا توجد حرفةٌ يمكنها علاج الجبن. حيث كانت ترفع أباريق الشراب القوي الثقيلة بيدٍ واحدة ، بينما فُقدت ذراعها الأخرى من الكتف. و يمكن صنع أطرافٍ صناعيةٍ بالطبع ، لكن بالنسبة لحرفيةٍ مثلها ، قد تكون مسيرتها المهنية قد انتهت إلا إذا أخذنا مثال "الأخ فو " في الحسبان.
كان إخوة "تيان " على حق ؛ ستمضي عقود ، وربما قرون ، قبل أن يمتلئ المعبد مجدداً. و لقد دمرت الحرب "الساحة الخارجية للبلدة الغربية " وفتكت بكل تلاميذ الساحة الخارجية في "المستودع الرابع " وكانوا حصناً رئيسياً للطائفة. و لقد كانت تلك خسارةً كبيرةً من إجمالي قوة "جبل الكركي العتيق ". ظن "تيان " أنهم سيكونون محطمين ، لكنهم لم يكونوا كذلك.
كان في أعين أصحاب "المستوى العاشر " نارٌ متقدة. حيث كانت خطواتهم حازمةً وحادةً ، وإن شابها الاضطراب. فكنت ترى أخاً كبيراً ينفجر ضاحكاً ثم باكياً لسببٍ غير مفهوم في منتصف الحديث. واتجه آخرون إلى ساحات التدريب ، دافعين أجسادهم إلى أقصى حدودها وما بعدها. حيث كان الطابور خارج "جناح الكتب المقدسة " طويلاً جداً لدرجة أن "فرقة الانضباط " اضطرت لتعيين أفرادٍ بشكلٍ دائم للحفاظ على النظام.
جلست "الأخت سو " على السقف المطل على الباب ، بجانبها صندوق بحجم حاوية قمامة مليء بالتراب الأحمر ، ومشرط طويل على طاولةٍ قريبة. حيث كانت تقضي يومها في مراقبة الزوار واستبدال مخزونها من السهام ؛ كان عليها استبدال الكثير منها. حيث كانت هناك سدودٌ ومتاريس من جثث الشياطين والمارقين على طول الجدار الشرقي للجناح. حيث كان هالة القتل التي تحيط بها كثيفةً لدرجة أن أكثر المزارعين صخباً كانوا يصمتون بمجرد دخولهم المكتبة.
كانت بحاجةٍ للجلوس ؛ فقد مزق شيطانٌ أحشاءها وكاد يقطع ساقيها. ستمشي مجدداً ، لكن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً. لم تبدُ منزعجةً من ذلك ؛ كان هناك جنونٌ في عينيها أيضاً ، بينما كانت السهام تُصنع بدقةٍ آليةٍ وتُخزن في خواتمها.
رجلٌ عجوز ، طاعنٌ في السن ، تجاوز أي أملٍ في الصعود إلى "مستوى البشر السماوين " قد اخترق حدوده. ولم يكن مجرد اختراقٍ عادي ، فقد تلقى كشفاً إلهياً. و لقد أسر جزءاً من "الداو " بداخله وصعد إلى السماوات في خطوةٍ واحدة. و لقد قتل الفانيُ الخالدَ وحطم عقاب السماء.
لقد عذّب الأمل أصحاب "المستوى العاشر " لعقود. حيث كان الجميع يأمل في معجزة ، لكن الكثيرين صاروا مريرين وقساةً لأنهم لم يعودوا يؤمنون حقاً بأنهم سيجدونها. و لكن بعد ذلك ظهر "فو ". تلاشت اليقينيات القديمة ؛ ذلك الأمل الذي بدا ساخراً ومهيناً أصبح الآن ملموساً. صار يمشي حول القاعدة ويجلس في قاعة الطعام.
أصبح لـ "تيان " الآن سمعةٌ تجمع بين الطيبة ولسانه الذي لا يعرف حدوداً في البذاءة ، لكنه وجد أنه يستطيع تحمل ذلك براحةٍ يكفى. و لقد اعترف به "الأب روحه " علناً ، وسار الجميع على هذا النهج. حيث كان مستعداً ألا ينطق بكلمةٍ مهذبةٍ أبداً إن كان ذلك هو الثمن. و بالطبع لم يصل الأمر إلى ذلك. و لقد ركع بين الأنقاض واستمع باهتمامٍ لمحاضرته ، والدموع تنهمر على وجهه ، مبتسماً بانتصارٍ جعل فمه يوشك أن يتمزق من زواياه.
كان أحد الأمور الغريبة التي لا مفر منها هو أن "تيان " كان يُستدعى للجلوس ، مراراً وتكراراً ، مع إخوةٍ وأخواتٍ كبار ، إما عرفهم في المستشفى أو عُرّف بهم من قبل الأطباء هناك. حيث كانوا مهتمين جداً بالحديث معه ، عنه ، وعنه فقط. لم يكونوا مهتمين بفنونه إلا في كيفية تصوره لها وكيف تشعره. سألوه عن كيفية تعامله مع الأضواء الساطعة ، والأصوات المفاجئة ، ورغبته في الجلوس مع المحتضرين ، وعدم رغبته الواضحة في الانخراط في نوع "التسلق الاجتماعي " وبناء العلاقات التي كانت سمة الحياة في الطائفة.
استمروا في سؤاله عن طموحاته داخل الطائفة ؛ تلميذ مباشر ؟ سيد داو ؟ زعيم الطائفة ؟ طبيب أم شيخ ؟ جنرال يحرس الحدود ، أم معلم للأجيال القادمة ؟ ماذا يريد أن يكون ؟
سرعان ما وصل الأمر إلى أن "تيان " أصبح يجيب بكلمةٍ واحدةٍ فقط ، أو يحيل سائليه بتهذيبٍ إلى سائلين آخرين. و لقد رفض رفضاً قاطعاً تصديق أنهم هناك لمساعدته كما يدعون. لو كانوا كذلك لطلب منهم العون. وهو لم يفعل.
لم يكن غبياً لدرجة قول الحقيقة. فلم يكن "تيان " متأكداً حتى مما إذا كان ما زال يرغب في أن يكون جزءاً من الدير. ليس بعد كل ما حدث. فلم يكن يعرف ما الذي يمكنه أن يكونه ، أو إلى أين يمكنه الذهاب. كل من يهتم لأمرهم موجودون هنا ، لكنه لم يعد يحتمل رؤيتهم يعانون أكثر من ذلك. حيث كان قلبه ينفطر ؛ لقد كادته المعركة الأخيرة أن تكسره هو الآخر حتى وإن لم يكد يخدش خدشاً واحداً.
استغرق الأمر حوالي شهرٍ ليستقر كل شيء ، على الأقل من جانب الدير. لاحظ "تيان " أن الدوريات أصبحت تلتزم البقاء في نطاقٍ ضيق ، وأن الإمدادات التي كانت تُشحن لإعادة البناء توقفت لما يقرب من أسبوعٍ كامل. حيث كانت "فرقة الانضباط " مشغولةً جداً بقمع حتى المخالفات البسيطة ، وكان هناك حظرٌ شبه رسميٍ على تجمعات أكثر من أربعة أشخاصٍ في المرة الواحدة لغير أغراض الطائفة.
في مستودعٍ بمواعيد طعامٍ محددةٍ وترفيهٍ محدودٍ للغاية كانت تلك سياسةً مصممةً للفشل عملياً. شيءٌ آخر لم يحسن من شعور "تيان " بالهدوء ، لكن كان يفهم لماذا قد يتخذ أحدهم ذلك القرار. حيث كان أصحاب "المستوى العاشر " يخرجون عن السيطرة بشكلٍ متزايد. فلم يكن الأمر مجرد حضور "الأمل " المفاجئ ؛ بل كان بسبب ما بشر به "الأخ فو " وما يعلمه عندما يسأله أي شخصٍ عن كشفه.
كان "داو الأخ فو " متجذراً فيما يعلمه "دير الكركي العتيق " لكنه كان مختلفاً جوهرياً في الممارسة. و من السهل أن تعظ بحياةٍ متقشفةٍ من الرحمة الشاملة لاكتساب القوة ، لكن ماذا يحدث عندما تجد شخصاً فعل ذلك حقاً ؟ من ناحيةٍ أخرى لم يكن بإمكان الشيوخ ببساطة تعيين "الأخ فو " في مكانٍ ناءٍ أو إخفائه في الدير. و في غضون بضعة قرون ، قد يدير الدير بنفسه. وبينما قد يراود البعض أفكاراً مظلمة ، من ذا الذي يرغب في أن يكون أول شخصٍ يختبر رجلاً استطاع هزيمة الصواعق السماوية بيديه العاريتين ؟ بطريقةٍ أو بأخرى ، ستنتشر أفكار "الأخ فو " في الطائفة.
بعد اثنين وثلاثين يوماً من ارتقاء "الأخ فو " تم استدعاء الجميع لمعرفة كيف ينوي الدير إدارة الأمور.