عند انتصاف نهار اليوم التالي لم يكن «كاين» قد تلقى بعد أي تحركاتٍ أو أنباءً عن هجمات الموتى الأحياء ، لكنه رحب بجيش إمبراطورية «بيهي» يتقدمهم ولي العهد. و لقد هرعوا مسرعين من الميناء إلى الحصن ، التزاماً بالاتفاق المبرم مع «كاين» للتعاون في مواجهة قوى الموتى الأحياء ، وهو أحد مشاريع التحالف التي جرى التخطيط لها مسبقاً.
ونظراً لظهورهم العلني في الميناء كانت قيادة «تحالف الضوء المقدس» على دراية بوجود هذه القوات الضخمة ؛ لذا لم يجرؤ أفراد التحالف أو سكان المدن في طريقهم على مضايقة هذا العرق الذي يتميز بنصفه السفلي ذي الذيول السمكية. و لقد كان على قادة التحالف إجبار أنفسهم على التأقلم مع قوانين «عالم الحلقة» ، وكانت أولى خطواتهم هي الاعتياد على الأجناس الغريبة التي تبدو خطيرة في ظاهرها لكنها في الحقيقة غير مؤذية ؛ كذاك الشيطان الذي يتجول داخل الحصن.
لم يكن الأسقف قد اعتاد بعد على فكرة أن هذا الشيطان رفيقٌ يقاتل في خندقهم ، وهو أمرٌ انتقده «كافكا» بشدة ، متأسفاً على جهل هؤلاء القوم من «عالم الحلقة». لكن لحسن الحظ ، ومنذ دخوله هذا العالم ، بدأ الأسقف بالتكيف وإن كان ذلك عنوةً.
في هذه الأثناء ، اتجهت الأنظار نحو الأرض ؛ حيث كان الماء يتدفق ويموج كأمواج البحر المتلاطمة ، محمولاً على مساحة واسعة ، ومعه «ميرالينا» والجيش الذي استقدمته. حيث كانت قواتها تتألف من ألف جندي ، يتمتع كل واحد منهم بقوةٍ ترقى لمستوى «القمة الفضية» ، وكلهم يرتدون عتاداً يشع بريقاً فضياً. و من المؤكد أن هذا العتاد لم يأتِ من «الزنزانة» ، بل صُنع بأيديهم ، وكانوا في غاية الانضباط ، مستخدمين أسلحة ودروعاً موحدة ؛ مما يشير إلى تماسك وحدتهم التي تضاهي في قوتها «فرسان الفانوس» ، وهي نخبة النخبة. حيث كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها «كاين» وحدة قتالية في قوى أخرى تضاهي «فرسان الفانوس» ؛ مما لفت انتباهه بشكل خاص.
إضافة إلى ذلك رأى خلف «ميرالينا» ستة من «شعب البحر» ذوي المستوى الذهبي ؛ أولئك الذين يتمتعون بجمالٍ أخاذ ، ذكوراً وإناثاً حتى استحقوا بجدارة لقب «جن المحيط». وقد خطفوا أنظار جميع الجنود الواقفين على أسوار الحصن.
قفز «كاين» من فوق السور للترحيب بهم قائلاً: «ميرالينا ، انتظرتك لبعض الوقت».
أومأ الأسقف الذي كان يرافق «كاين» برأسه محيياً: «الآنسة ميرالينا».
لم يكن الأسقف يعلم أن هذه الشخصية الفريدة أميرة ، فاستخدم أسلوب «كاين» في النداء ؛ لكن هذا بدا وكأنه أثار حفيظة إحدى المرافِقات ، وهي قائدة من «شعب البحر» ترتدي درعاً بلون مياه البحر ، فقالت باقتضاب: «يا للوقاحة! هل الأميرة ميرالينا من يُنادى بها هكذا ؟ إنها إمبراطورة الإمبراطورية القادمة».
أدرك الأسقف زلته فور سماع كلام القائدة ، فاعتذر مسرعاً: «عذراً لم أكن أعلم سابقاً أن ميرالينا أميرة ، أعتذر عن جفائي». أما عن سبب مخاطبة «كاين» لها دون ألقاب ، فذلك لأنه ملك «إقليم الفانوس» ، ومكانته تعادل مكانتها في أعين الجميع. حتى تلك القائدة الفخورة التي وبخت الأسقف كانت ملزمةً بالتحية باحترام أمام «كاين» ، فهما حليفان الآن.
لوحت «ميرالينا» بيديها قائلة: «لا داعي للتكلف» ، ثم التفتت إلى «كاين» متسائلة: «الملك كاين ، أرجو أنني لم أتأخر ؟».
أجابها: «بالطبع لا ، بل جئتِ في الوقت المناسب تماماً. فالموتى الأحياء يخططون لشن هجوم كبير الليلة ، وتوقيتك مثالي».
ضحكت «ميرالينا» وهي تضع يدها على فمها: «يبدو أن حظي جيد».
دخل الجميع إلى الحصن ، واصطحب «كاين» «ميرالينا» ومرافقيها من «شعب البحر» في جولة حوله ، شارحاً لهم وضع المعركة. وبعد الاستماع إليه ، أومأت «ميرالينا» برأسها وقالت بجدية: «عندما نشن هجومنا المضاد لاحقاً ، آمل أن نعطي الأولوية للهجوم من هذا الاتجاه» ، وأشارت إلى بقعة على الخريطة ؛ كانت تلك الجهة تقع في الاتجاه الشرقي المائل من الحصن ، وتؤدي إلى خليج يعد المكان الساحلي الوحيد في منطقة الموتى الأحياء. فبما أنهم عرقٌ بحري ، فهم يحتاجون للراحة والعيش في البحر بانتظام ؛ وعلى الرغم من قوتهم الهائلة وقدرتهم على البقاء على اليابسة لفترات طويلة بفضل تأثيرات سحرية إلا أن قوتهم ستتضاءل حتماً مع مرور الوقت إذا لم يحظوا بالبحر للراحة.
تفهم «كاين» الموقف وأومأ فوراً: «بالطبع ، هذا الطلب مقبول ، فهو يصب في مصلحة الحفاظ على قوتكم القتالية».
«إذن ، شكراً لك أيها الملك كاين».
بعد جولتهم ، بدأ الجميع الاستعداد لمعركة الليل. غابت الشمس ببطء خلف الأفق ، وسرعان ما حل ظلام الليل البارد. وما هي إلا لحظات حتى علت أصوات الأبواق وطبول الحرب ؛ معلنة بدء هجوم الموتى الأحياء. ووفقاً لأنباء «رافائيل» ورفاقه ، فقد بدأت الدفاعات في مواقع أخرى تواجه هجماتٍ منذ الغسق.
من فوق الحصن ، راقب «كاين» جحافل الموتى الأحياء من المستوى الأدنى وهي تندفع كمدٍّ بحري ؛ جيش من العظام البيضاء يتبعه الموتى السائرون وآكلو لحوم البشر. فلم يكن بينهم أي ميت حي من «المستوى العالي» ، ولا حتى الزومبي الأقوياء ، فكانت هذه مجرد موجة أولى من الموتى الأضعف. لم يأمر «كاين» جنوده بشن هجمات بعيدة المدى ، بل دخل بنفسه في حالة «التوازن الإشعاعي» الإلهية ، وصنع كرة سحرية ضخمة أطلقها نحو السماء ، فتجمعت غيوم داكنة غطت ميدان المعركة تحت جنح الليل.
في مؤخرة الميدان ، راقب الـ «ساحر ميت» الموقف بسخرية: «تحذير ؟ ما أغفل هؤلاء الكائنات الحية. دعوني أرَ كم تمتلكون من طاقة سحرية ، ودعوني أرَ إلى متى ستصمدون». لقد كلفهم هذا الأمر الكثير في المرة السابقة ، والآن تبدأ المعركة بنفس الحركة كرسالة تحدٍ.
ومع مرور الوقت ، وقبل أن تصل الهياكل العظمية إلى مقدمة الحصن ، بلغت طاقة الغيوم ذروتها ؛ ثم انهمر ضوء ساطع أضاء المعركة وكأنها في وضح النهار ، ترافقه أصوات رعدٍ تصم الآذان. و انطلقت صواعق العقاب السماوي الممزوجة بالضوء المقدس والبرق ، لتضرب صفوف الموتى الأحياء. ونظراً لتكدسهم ، فقد تسببت تلك الصواعق في تحويل أعداد هائلة منهم إلى غبار حتى أولئك الذين كانوا في الأطراف تأثروا ، فخمدت نيران أرواحهم وانهار الضعفاء منهم في الحال.
وعندما تبددت الغيوم كان «العقاب السماوي» قد أنجز مهمته ؛ مُبيداً الموجة الأولى من «حطب المدافع» بالكامل ، ولم يتبقَّ سوى مجموعات متفرقة من الهياكل العظمية التي سقطت بنيران رصاص الضوء المقدس التي أمطرها الجنود عليهم. و في تلك اللحظة لم يكن «كاين» ولا «لونغبي» على الأسوار ، بل بقي «ميزيكي» وحده ؛ فوجوده وحده في الحصن يمنح القوات قوة قتالية وروحاً معنوية لا تضاهى ، إذ كانوا يؤمنون بأنه قادر على إحيائهم ما داموا يتنفسون ، فلم يعودوا يخشون الإصابة.
كان ذلك «العقاب السماوي» رسالة مزدوجة ؛ تحذيراً للأعداء ، وإخباراً للـ «ساحر ميت» بأن «كاين» ما زال في الحصن ، لمنعه من ارتياب أي شيء. و في تلك الأثناء كان «كاين» ورفيقه قد استخدما جهاز الطيران الذي صنعه «كاين» لرسم قوس كبير في السماء ، وصولاً إلى خلف معسكر الموتى الأحياء ، بحثاً عن المكان الذي يخبئ فيه الـ «ساحر ميت» «صندوق روحه».
في مؤخرة المعركة ، بالقرب من عربة الـ «ساحر ميت» العظمية لم يبدُ عليه أي تفاجؤ بإبادة قواته. حيث كان يعلم بوجود «كاين» في الحصن ، لذا لم يكن يخطط لاقتحامه فوراً ، بل اختار سياسة «التأني» والبحث عن نقاط ضعف في مواقع أخرى. رفع ذراعه الجافة وأشار: «استمروا ، دعوا الوحدة الثانية تتقدم ، لا تتركوا هذه الكائنات تستريح».
ومع أمره ، دوى صراخ «البانشي» الحاد عبر الميدان ، وتقدمت وحدة الموتى الأحياء الثانية ؛ كانت القوة الضاربة تتألف مجدداً من هياكل عظمية ضعيفة القيمة القتالية ، تتبعها أنواع أخرى من الموتى إلا أن هذه المرة شوهد بينهم قلة من الموتى الأحياء ذوي القوة الفضية ، لكنهم ظلوا مجرد «حطب مدافع».
هذه المرة لم يتدخل «كاين» مباشرة ، بل حين وصلت القوات إلى مدى معين ، أمطرت السماء قذائف منفجرة مشبعة بالضوء المقدس ، محدثة خسائر فادحة. حيث كانت هذه القذائف جزءاً من تسليح الجنود الذي طوره «كاين» خلال الأشهر الماضية ، مضافاً إليها سمات الضوء المقدس المصممة خصيصاً للقضاء على الموتى الأحياء. أما من نجوا من القصف ، فقد واجههم جنود «تحالف الضوء المقدس» بأسلحة شحنتها لهم قوات «كاين» قبل أيام ، مع صناديق من «أنوية طاقة الضوء المقدس» التي استُخدمت كذخيرة. حيث كانت هذه الأسلحة تعتبر اختياراً مثالياً واقتصادياً للتحالف مقارنة بتكلفة الأسلحة الباردة التقليديه.
شكلت نيران الذهب حاجزاً منع أي موتٍ حي من النجاة ، وحتى الآن لم تُظهر قوى الموتى الأحياء أي أداءٍ يُذكر. ومع نهاية القصف لم يتبقَّ سوى نصف الموجة الثانية ، وهي التي تكفل جنود الحصن بإنهاء حياتها الهشة. وفي هذه الأثناء كان «كاين» ورفيقه قد وصلا إلى هدفهما ، وبدأا بمقارنة الخريطة مع المسح الجوي ، باحثين عن مكان هبوط مناسب وخفي ؛ فهم في مهمة اغتيال ، ومن الأفضل ألا يراهم أحد. سرعان ما وجد «كاين» الموقع المناسب ، وهبط بجهاز الطيران ، ولم يلغه إلا بعد ملامسة قدميه للأرض.