في قلب الحصن ، ينتصب مبنىً شامخٌ هو مجمعُ الجنرالات حيثُ تُعقدُ الاجتماعاتُ الاستراتيجيةُ والمشاوراتُ العسكرية. وفي هذه اللحظة ، يقف "رافائيل " ممثلاً عن "كين " وفريقه ، متفاوضاً مع نخبةٍ من الجنرالات وأحد الأساقفة.
استهل "رافائيل " حديثه بكياسةٍ قائلاً "يُسعدني لقاؤكم جميعاً أيها الجنرالات ، يمكنكم مناداتي بـ "رافائيل ". جئتُ اليوم نيابةً عن رئيسنا لبحثِ سبلِ التعاونِ والتفاوضِ معكم ".
تبادلَ الجنرالاتُ الإيماءاتِ بالموافقة ، ثم قدموا أنفسهم لـ "رافائيل " باقتضاب. عندها تساءل الأسقفُ بشيءٍ من الحيرة "ذكر السيد "راسل " رغبته في التعاون مع "تحالف الضوء المقدس ". هل يصبو إلى الانضمامِ إلينا ، أم... " فقد كان هذا التحالف قد تأسس أصلاً كإجراءٍ اضطراريٍ لمواجهة تهديد "الأموات الأحياء " كقوةٍ خارجية ، وهو تكتلٌ عفويٌ أفرزته الحاجةُ لحمايةِ الجميع لأنفسهم في ظل الأزمة الراهنة.
هز "رافائيل " رأسه نافياً ، وأجاب بهدوء "لا نبتغي الانضمام ، بل التعاون مع التحالفِ برمته ؛ فديارنا ليست هنا ، بل تقعُ وراءَ البحار ".
فبادر أحد الجنرالات قائلاً "السيد "رافائيل " اعذر صراحتي ، لكننا لا نعرفك ولا ندرك الغاية من قدومكم. هل تتيحُ لنا فُرصةً لنفهم المزيد عن قوتكم ؟ ". كان هؤلاء الجنرالات يجهلون كل شيءٍ عن فريق "كين " الذي ظهر فجأةً لينقذهم من حتفهم.
أومأ "رافائيل " متفهماً "بالطبع ، لا مانع. إن "مملكة المصباح " التي ننتمي إليها تتشكلُ من المستكشفين وسكان "حلقة العالم " الأصليين ، ونحن ملتزمون أبداً بإرادة "الضباب ". أما سببُ مجيئنا فهو التصدي لتهديد "كيان الأموات الأحياء " ؛ فقد ألحقوا دماراً هائلاً في الأرجاء ، وطالَ بطشهم الكثير من الأبرياء. و لقد تجاهلوا تحذيرات "الضباب " ونحن هنا لننال شرفَ تنفيذ مهمة "الضباب " في القضاء عليهم ".
وعلى الرغم من أن "رافائيل " تحدث باسم "الضباب " إلا أن كلامه كان يحملُ طابع الحقيقة ؛ فـ "الضباب " قد أصدر بالفعل للمستكشفين تكليفاً بإبادة "كيان الأموات الأحياء " لذا كان ادعاؤه وجيهاً.
وما إن أنهى "رافائيل " حديثه حتى ضجَّ المجلسُ بالهمسِ وتمتمات ، فبادر الأسقفُ بالسؤالِ أولاً لفرطِ فضولهم "هل أنتم مستكشفون ؟ وكيف يبدو العالمُ الخارجي ؟ ". ورغم أنهم ليسوا في أقصى الحدود مثل "كين " الذي يقيم قرب "جدار الضباب " إلا أنهم يقطنون في الحلقة الأخيرة ، غير بعيدين عن ذلك الجدار. ولأن "حلقة العالم " لم تُفتح إلا منذ عامٍ واحد ، فمن الطبيعي ألا يرتادَ هذا المكانَ كثيرٌ من المستكشفين ، وإن حضروا ، فإنهم يفضلون التخفي.
كان هذا العالمُ بالنسبة لهم لغزاً ، ولم يبدأوا في استكناه حقيقته إلا قبل عامٍ فحسب. فمعرفةُ أخبارِ الخارج ، وكنه "الضباب " ودور المستكشفين كانت معلوماتٍ يتوق الجميعُ للإحاطةِ بها.
أجاب "رافائيل " "ليسوا جميعاً مستكشفين ، فالبعضُ منهم كذلك في حين أن أعضاء "رتبة الفرسان " هم من السكان الأصليين ومواطنو "مملكة المصباح ". أما عن أخبار العالم الخارجي ، فما إن يبدأ التعاون بيننا حتى نطلعكم على كل ما تودون معرفته ".
بعد تداولٍ هادئٍ بين الجنرالات والأسقف ، توجه الأخير لـ "رافائيل " "تعلمُ أننا مجردُ ممثلين عن قوىً شتى للدفاع عن هذا الحصن ، ولسنا أصحاب قرارٍ في التعاون. ولكن ، يمكنك إطلاعنا على مشاريع التعاون التي تقترحونها ، وسنرسلُ مبعوثين لعرضها على قادة كل قوة ".
أومأ "رافائيل " "بالطبع ، هذا هو المسارُ الطبيعي. ولكن وقتنا محدود ، وآملُ أن توافونا بالردِ عاجلاً ". ردَّ الأسقفُ مؤكداً "بالتأكيد ، لن يتجاوز الأمر يومين حتى نتلقى الردود ". فالأسقفُ يمتلكُ صلاحيةَ رفعِ الأمورِ مباشرةً للبابا ، مما يختصر الكثير من البيروقراطية التي تُعطلُ القراراتِ في باقي القوى.
قال "رافائيل " "إذن ، دعوني أشرح لكم مطالبنا. أولاً عليكم أن تدركوا أن "الضباب " لا يسمحُ بالمذابح الجماعية بحق الأبرياء ، ولهذا السببِ تلاحقُ هذه الكياناتُ من قِبَلِ "الضباب " ". هز الجميعُ رؤوسهم إقراراً ؛ فالقوى الشرعية تتظاهرُ بالالتزام بهذه القواعد.
ثم عقد "رافائيل " حاجبيه قائلاً بنبرةٍ حازمة "مع ذلك إنَّ حالَ اللاجئين الذين رأيناهم في طريقنا أمرٌ لا يُحتمل ". بدت على وجوه الجنرالات علاماتُ القلق ؛ فبصفتهم قادةً ، أدركوا تماماً التبعاتِ المترتبة على ذلك. و لكن حتى مع تعاطفهم كانت أيديهم مغلولة ، فلم تكن مسؤوليةَ جهةٍ واحدةٍ أو حتى التحالفِ برمته. تنهد الأسقفُ بحسرةٍ وقال "سيدي ، لقد رأيتَ بنفسك ؛ نحن نكافحُ لتوفيرِ احتياجات مواطنينا ، فما بالك باللاجئين ؟ إن سماحنا لهم ببناء الملاجئ حول المدينة هو أقصى ما نملكُ فعله ". ولم يكن هذا ادعاءً ؛ فقد أدى تدفقُ اللاجئين لارتفاعٍ في معدلات الجريمة ، مما جعل أمنَ المدنِ أولويةً ملحةً ، ناهيك عن تداخلِ "كيان الأموات الأحياء " الذي استنزفَ قوى الحراسة.
قال "رافائيل " "بالطبع أتفهمُ مصاعبكم ، ولستُ هنا للومكم ، بل لمساعدتكم في حل هذا الضباب ".
"حلها ؟ " تعجب الأسقف ، فهو يعلمُ حجمَ المأساة ، فأردف قائلاً "سيدي ، يجبُ أن تدرك أن عددَ اللاجئين يقتربُ من ثلاثة ملايين! ". ثم بسطَ الخريطةَ على الطاولة وأشار إلى وادٍ صغيرٍ قائلاً "قبل تفعيل "حلقة العالم " كان "الأموات الأحياء " محصورين في هذه البقعة الصغيرة ". ثم أشار إلى مساحةٍ حمراءَ شاسعةٍ على الخريطة "في غضون عامٍ واحد ، توسعوا ليحتلوا كل هذه المصفوفه. حيث كانت تعيشُ هنا أعراقٌ لا تُحصى ، أُبيد معظمها ، ولم ينجُ سوى هؤلاء اللاجئين ".
كانت المساحةُ الحمراءُ تعادلُ ثلاثةَ أو أربعةَ أضعافِ "إقليم المصباح " التابعِ لـ "كين ". وبإزاء هذا الاتساع لم ينجُ سوى ثلاثةِ ملايين ، مما يعكسُ فداحةَ الكارثة. و نظر "رافائيل " إلى الخريطة وبدأ يشكُّ في أن مجيئهم كان تكليفاً مباشراً من "الضباب " لـ "كين " ؛ إذ من المستبعدِ ألا يتحركَ "الضبابُ " أمام هذه المأساة. ورغم ذلك كان الرقم "ثلاثة ملايين " ضمن تقديراتهم ، بل هو في نطاق الممكن.
أكد "رافائيل " "ثلاثة ملايين ؟ لا مشكلة. لا تستهينوا بقدراتنا ، فنحن هنا لنحل هذه المسأله ". لم يجد الأسقفُ ما يضيفه سوى الإيماء. تابع "رافائيل " "سنساعدكم في هذا الأمر ، لكننا نحتاج منكم توجيهَ الجنود أو نشرَ التوعية بين اللاجئين ليحضروا إلى النقطةِ المحددة. سنجهزُ سفناً يكفىً عند الشاطئ لنقلهم ، ولن تضطروا حتى لتوفير طعامهم ".
تبادل القادةُ نظراتِ الحيرة ؛ أكان هذا "منّاً يهبطُ من السماء " ؟ أن يتلخصَ دورهم في حشدِ اللاجئين دون تكاليف ؟ حتى إن بعضهم ساوره الشكُّ في سلامةِ عقولِ فريقِ "كين ".
طمأنهم "رافائيل " "لا تندهشوا ، لدينا القدرةُ على نقلِ هؤلاءِ الملايين ، ولا نعاني من نقصٍ في الإمدادات ". حينها ، سكنَ القادةُ ؛ إذ أدركوا أنه إذا كانت طليعةُ هذه القوةِ بهذا البأس ، فكيف سيكونُ جيشهم بالكامل ؟ ربما هي ثقافةُ "القوة واليسار ".
قال الأسقف "هذا لا يُعد تعاوناً ، بل أنتم من تتولون العبء ". لوح "رافائيل " بيده رافضاً "لا ، أبداً. ضمن قدراتنا ، فإن حماية الأبرياء وإبعادهم عن المهالك هو مهمةُ مملكتنا ، وهو ما يصبو إليه "الضباب " أيضاً ". ثم نظر بتمعنٍ إلى الحاضرين وأضاف "آملُ أن تنقلوا هذه الرسالةَ لقادتكم. نحنُ سننفذُ مهمة "الضباب " بإخلاص ، وحتى لو تورط أعضاءُ "تحالف الضوء المقدس " في أفعالٍ لا تُغتفر ، فإننا... ".
لم يُكمل "رافائيل " جملته ، لكن التحذيرَ كان جلياً. و أدرك القادةُ المغزى ، رغم أن الأمرَ لا يعنيهم بقدر ما يعني القادةَ والسياسيين إلا أنهم أيقنوا أن فريق "كين " ليس طرفاً يمكن الاستهانةُ به ؛ فهم مرتبطون بـ "الضباب " ارتباطاً وثيقاً ، وهو ما تركَ أثراً عميقاً في نفوسهم.