في لحظةٍ خاطفة ، أراد أن يتفادى الضربة جانباً ، لكن البرق الذهبي كان أسرع من أن يُدرك. و في لمح البصر ، أصاب البرق ذراعه اليسرى ، فانطلقت منه صرخة "آه! ".
وبصفته كائناً غير ميت ، عاوده الشعور بالألم من جديد ، فقد كان ذلك البرق الذهبي يخترق روحه مباشرة. ثم تهشمت ذراعه اليمنى وانفصلت ، لتتحول إلى أشلاء متفحمة هوت إلى الأرض. و لكنه في تلك اللحظة لم يعد يكترث لأمره ، فقد دفعت غريزة البقاء بروحه نحو مواصلة الركض إلى الأمام. ففي نهاية المطاف كان ما زال من الكائنات غير الميتة ذات الرتبة الذهبية ، وصلابة روحه هي التي مكنته من احتمال الألم ومتابعة الفرار.
أما الكائنات الأخرى التي أصيبت ، فلم يكن أمامها متسعٌ للمراوغة ، فكل صاعقة كانت تحيل أجسادهم حول نقاط الضعف إلى غبار في طرفة عين. انهمر البرق الذهبي كأنه مطرٌ غزير ، ينفجر باستمرار وسط صفوف المنسحبين ، وأطلق الألم الذي يخترق الأرواح صرخات بائسة من أعداد لا تحصى منهم. غصت ساحة المعركة بأكملها بأنين الموتى الأحياء الذين لم يعودوا يبالون بآلامهم.
"العقاب السماوي ، لقد أنزلت الآلهة العقاب السماوي! "
جثا عدد لا يحصى من الجنود العاديين وأتباع الكنيسة الثانية على الأرض ، ساجدين تعظيماً لكاين الذي كان يطفو في الأفق. وطوال فترة قتالهم ضد هؤلاء الموتى ، متى سمعوا يوماً صراخهم ؟ في تلك اللحظة كان كاين يطفو في الجو ، وصواعق البرق تتساقط بغزارة من أمامه.
على مقربة منه كانت "الساحرة الشيطانية " محتميةً بحارسين خالدين يحملان دروعاً ضخمة ؛ إذ ارتطم البرق الذهبي بتروسهما المرفوعة ، ولم يلحق بهما ضررٌ يتجاوز انحناء جسديهما قليلاً. حدقت الساحرة الشيطانية بعينيها الفارغتين نحو كاين بتركيز شديد ، وكأنها تسعى لحفر صورته في أعماق روحها. أما "وحش المعركة " ذلك الجسد المتعفن المليء بالندوب ، فقد راح يجر العربة ببطء ويتراجع بها إلى الخلف. أما أولئك الذين لم ينسحبوا بعد ، فلم يكن لهم من سبيل للبقاء إلا الحظ.
بوم!
وحين سقطت آخر صاعقة وانقشعت الغيوم المظلمة كان المساء قد أزف. وحين رأوا الغيوم تتلاشى وتوقف البرق ، استشعر الموتى الأحياء شعور من نجا من كارثة محققة ، وشعرت أرواحهم بالسكينة لأول مرة منذ دهر ، مما جعل حضور كاين ينطبع في أعماقهم إلى الأبد.
تلاشت بقايا الموتى الأحياء فوق التلال ، وحققت معركة الدفاع نصرها أخيراً بفضل التدخل المفاجئ لكاين وفريقه.
"لقد انتصرنا ، لقد طردناهم! "
"صمدنا أخيراً ، ظننت أنني سأهلك هنا اليوم. "
"أين القائد ؟ هل رآه أحد ؟ "
مع حلول النصر ، انطلقت صيحات الجنود الناجين فرحاً بنجاتهم ، فالنجاة من الموت دائماً ما تبعث في النفس نشوة غامرة.
بعد انقضاء المعركة ، بدأ كل من في فريق كاين ، ممن يمتلكون مهارات العلاج ، في تطبيب جراح رفاقهم. حيث كان الكثيرون منهم قد أصيبوا بجروح بالغة ؛ فإصابات المعارك أمرٌ شائع ، ومهما بلغت قوتك ، فإن "اليد الواحدة لا تصفق ". ولحسن الحظ كان لديهم مهارات علاجية فائقة بفضل نظام التدريب في النقابة ، والدورات التي كانت يجريها "ميزيك " و "فيناريس " باستمرار ، مما أكسب الأعضاء مهارات بارعة في استخدام التعاويذ الطبية أو المداواة الدقيقة.
انسحب كاين من حالة القوة الإلهية ، واستل قارورة سحرية من حزامه وتجرعها. ورغم أن سحره لم ينفد تماماً إلا أنه كان على وشك النضوب. و شعر بطاقة السحر تتدفق في عروقه مجدداً ، والحق أن العقاب السماوي الأخير لم يكن ضرورياً ؛ فقد كان الموتى ينون الانسحاب بالفعل ، ولو لم يصل كاين وفريقه لما كان الاستيلاء على الحصن ممكناً. و لكنه استخدم ذلك العقاب بدافع التباهي ، لا أمام الأعداء فحسب ، بل أمام أفراد "تحالف الضوء المقدس " خلفه.
فالسابق ، حين أباد كاين وفريقه حشوداً منهم بلمحة بصر لم تكن تلك القوة تكفى لترك انطباع عميق. و لكن هذا العقاب الأخير بما حمله من هيبة إلهية جعل الجميع يحفظون اسمه. و لقد أدرك الجميع في قرارة أنفسهم أن قوة كاين نابعة من تفوق مطلق ، ففي نهاية المطاف ، هذا العالم لا يعترف إلا بالقوي. وفي التفاعلات المستقبلي بين الطرفين ، سيظل هذا العقاب ذكرى حية لهيبة كاين وفريقه ، مما سيجعلهم يمعنون التفكير قبل اتخاذ أي قرار. و كما أنه شكل رادعاً للموتى الأحياء في الجانب الآخر ؛ ليس بالضرورة لبث الرعب في قلوبهم ، ولكن لتهدئتهم وإجبارهم على إعادة حساباتهم حول إمكانية اختراق دفاعات كاين. ولن يجرؤوا على الهجوم مجدداً دون حشد قوة قادرة على مواجهته ، وهذا الوقت الفاصل هو ما كان يحتاجه كاين تحديداً.
بعد أن استعاد شيئاً من سحره ، وقف كاين ونفض الغبار عن ظهره ، وسأل "يويو " التي كانت بجانبه "ما حجم خسائرنا في هذه المعركة ؟ "
فأجابته "يويو " على الفور "لقد فقدت كتيبة فرسان الفانوس أربعة من أفرادها ، ومن بين المستكشفين ، سقط قائد فرقة 'غنيت ' نفسه ".
استحضر كاين صورة ذلك المستكشف الذي كان يرتدي رداء الفرسان ويتصرف بكياسة. حيث كانوا ما زالوا الحلقة الأضعف في النقابة ، في ذروة الرتبة الفضية ولكن دون بلوغ مرحلة الحسم. ومع ذلك كان موت المستكشفين أمراً لا مفر منه ، وهذا ما حدث بالفعل.
فقال كاين ليويو "أخبريهم بإحضار الجثامين ، ينبغي أن تكون محفوظة بشكل جيد ، أليس كذلك ؟ "
أومأت يويو برأسها "لقد حفظت جيداً ، ميزيك قد فحصها بالفعل ".
"جيد ، هذا يكفي. "
ثم أرسلت يويو المعلومات. و في تلك الأثناء ، اقترب الأسقف الذي كان ينتظر بعيداً على عجل ؛ فقد كان قد اتجه نحوهم بمجرد بدء انسحاب الموتى الأحياء. ظل ينتظر طويلاً ، ولم يجرؤ على مقاطعة كاين إلا بعد أن أنهى استراحته. حيث كان كاين قد لاحظ وجوده منذ فترة ، لكنه لم يطلب منه التقدم.
وحين وصل الأسقف أخيراً ، تفحصه كاين بدقة. حيث كان رجلاً مسناً ضخم البنية ، يناهز طوله المتر والتسعين ، شعره قصير ممزوج بالرمادي والأبيض ، ووجهه يحمل ندوباً كثيرة ، ويرتدي درعاً صفائحياً ثقيلاً مزيناً بنقوش ذهبية ، ومن تحته رداء أحمر وأبيض ، ويتدلى عند خصره كتاب مقدس ضخم. و في نظر كاين كان هذا الأسقف يتمتع بقوة من الرتبة الذهبية ، بمستويات طاقة تضاهي مجموعة "شاير ".
وحين رأى الأسقف كاين يراقبه ، وضع يديه على صدره وانحنى "سيدي ، أشكرك وأشكر رفاقك على نجدتكم ".
"باسم كل من في الحصن ، أشكركم على وصولكم ؛ فلولاكم لكان هذا الحصن قد سقط ".
لوح كاين بيده قائلاً "لا عليك ، فنحن جميعاً كائنات حية ، وصد الموتى الأحياء واجبٌ علينا ".
أومأ الأسقف برأسه ، وبينما كان يهم بالحديث ، رأى قدوم فرسان الفانوس. ولما لاحظ أنهم يبحثون عن كاين ، تراجع بضع خطوات مفسحاً لهم المجال.