كان البارون ياسي يمتطي صهوة جواد حربي مهيب ، متسربلاً بحلة من الدروع الفاخرة التي تلألأت تحت نصل الشمس ، بينما زُين فرسه بكتاد خفيف ومتين. وبصفته باروناً ذا سلطة ونفوذ ، لبى نداء الملك ، يقود خلفه أكثر من نصف فرسان وجنود مقاطعته للمشاركة في أوار هذه الحرب. وطمعاً في نيل قصب السبق وحصد الأمجاد ، جلب معه صفوة المحاربين الأشداء من أراضيه ، وبذل الغالي والنفيس لتجهيزهم بأعتى الدروع وأمضى الأسلحة حتى لم يترك خلفه في المقاطعة سوى حفنة من المجندين الجدد ، والعجزة والضعفاء ؛ فلو طمع طامع في أرضه حينها ، لوجدها لقمة سائغة بلا حامٍ ولا مدافع.
تمتم بكلمات نابية وهو يتجه نحو ميمنة الجيش "ذلك الأحمق هارفيس ، كيف تجرأ على خيانة المملكة ؟ سحقاً له! " وتصادف أن رأى قوات الإيرل هارفيس تندفع نحو الخطوط الأمامية ، وكان قد أُمر في البداية بالدفاع عن الميمنة. حيث فكر في نفسه بحنق "هؤلاء الحثالة يريدون الاستئثار بالمجد كله لأنفسهم ، المجد الذي كان يفترض أن يكون لي نصيب وافر منه. " كان يراقب هارفيس وجنوده من بعيد وهم يشتبكون بالفعل في معمعة القتال مع جنود الطليعة ، بينما وجد نفسه حبيس الميمنة للدفاع ضد أعداء مفترضين قد لا يظهرون أبداً. فلم يكن يصدق أن عدواً سيهاجم من هذا الاتجاه ، وظن أن كبار النبلاء لا يحاولون إلا إقصاء الصغار لينفردوا هم بالمفاخر ، ومع ذلك فقد ألقى بكل أوراقه في هذه المقامرة التي تسمى الحرب.
"انتظروا فقط ، أيها الرعاع ، سأرفع شأن عائلتي إلى أسمى مراتب الشرف ، وسأسحبكم إلى الأسفل واحداً تلو الآخر. " استمر في نفث سمومه وتذمره ، أما خادمه (كبير الخدم) الذي كان يتبعه مدججاً بسلاحه ، فقد هز رأسه في قلة حيلة ؛ ولحسن الحظ كان فرسان العائلة وجنودها يحيطون بهم ، فلم يسمع أحد تلك الكلمات المهينة. حيث كان سيده هذا بارعاً في أمور المال والسياسة ، لكن لسانه كان سليطاً وأفكاره سوداوية ، دائم الشكوى والسب حين يختلي بنفسه أو حين يضيق ذرعاً ، غير أنه ، ولحسن الطالع كان يتصرف أمام الملأ بوقار النبلاء. وكان مقتنعاً بأن نقله المفاجئ إلى الميمنة ليس إلا مكيدة من كبار القوم لسرقة الأضواء ؛ فمثل هذه الحيل باتت "أشهر من نار على علم " في أوساط النبلاء ، فالنبلاء الصغار يُدفع بهم عند الشدائد ، بينما يبتلع الكبار ثمار النصر عند الرخاء ، وإذا لزم الأمر يمنحون الصغار فتاتاً من المجد لإسكاتهم ؛ لقد غدت هذه الخدع قانوناً غير مكتوب في ألعاب الحرب.
ورغم تذمره المستمر ، واصل البارون ياسي نشر فرسانه وجنوده ، مشكلاً مصفوفة دفاعية مع جنود المقاطعات المجاورة ؛ فبما أن المهمة أُوكلت إليه ، وجب عليه أداؤها على أكمل وجه ، فمن أين يأتي الشرف إن لم يكن بالإخلاص ؟ كان يؤمن بضرورة الاستعداد التام لاقتناص الفرص فور لاحتها ، فبذلك وحده يرتقي المرء الدرجات العلى. و نظر كبير الخدم إليه برضا ، وما إن استكملوا تنظيم صفوفهم وشرعوا في التقاط أنفاسهم حتى اندفع كشاف من الأمام يصرخ بهستيرية "هجوم معادٍ! العدو يندفع نحونا! "
عند سماع صياحه ، بدأ ياسي والكونت المجاور له بالصراخ فوراً "تأهبوا جميعاً! ارفعوا الدروع! صوبوا الرماح! الزموا مواقعكم ولا تتزحزحوا! " ورغم الفوضى التي سادت ، نجحوا في تثبيت التشكيل قبل وصول العدو ، خاصة وأنهم علموا مسبقاً أن جلّ قوات الخصم من الفرسان. وسرعان ما لاحت لهم كوكبة من الفرسان تتلألأ دروعهم الفضية تحت وهج الشمس ، منقضين عليهم برماحهم الضخمة بسرعة البرق الخاطف.
صرخ أحدهم "أيها السحرة ، تعويذة حماية النبال! " فظهرت طبقة سحرية واقية فوق جنود الصفوف الأمامية. وفجأة ، دوى أزيز النبال وهي تمزق عنان السماء ، مخترقة الفجوات بين الجنود. أما السحرة الذين كشفوا أنفسهم في الخلف لإلقاء التعاويذ ، فقد حصدت النبال رؤوسهم ؛ فمنهم من لقي حتفه للتو ، ومنهم من نجا بأعجوبة حين أمال رأسه غريزياً.
"إنهم الرماة الإلهيون! ليتوارَ السحرة والمعالجون! ارفعوا الدروع ، احموا رؤوسكم وأجسادكم! " ولم يكد ينهي قوله حتى سقط المزيد من الرماة البطيئين صرعى ، وتوالى سقوط الجنود تحت وابل النبال الريشية ، يلفظون أنفاسهم وسط صرخات الألم المريرة ؛ كانت تلك النبال كأنها منجل "ملك الموت " يحوم فوق رقابهم.
"لا ، لا أريد الموت الآن! " ؛ صرخ أحد الجنود بانهيار بعد أن رأى سهماً يخترق حدقة عين رفيقه ليبرز نصله من قفاه ، وتناثرت بقايا الدماء والأشلاء على وجهه. حاول الفرار ذعراً ، وهو الذي لم يعتد إلا على مطاردة قطاع الطرق ، لكن جندياً من الحرس الخلفي استل سيفه وأطاح برأسه. صاح المنفذ "اثبتوا في مواقعكم و كل من يحاول الفرار سيكون مصيره... " لكنه لم يتمكن من إتمام جملته ، إذ استقر سهم الريشي في فمه المفتوح ، مخترقاً إياه ليرديه قتيلاً على الفور.
استشرى الذعر في الأوصال ، وقبل أن يصل الفرسان ، بدأت الفوضى تنهش الصفوف. وفي تلك اللحظة ، اقتحمت "فرقة فرسان الفانوس " الميدان ، فتمزق الجنود الذين حاولوا صدهم كأنهم وريقات واهنة ، وتحطمت دروعهم المتينة تحت وطأة الرماح كأنها بسكويت هش. لم يغنِ عنهم خطهم الدفاعي شيئاً ، فقد اخترقه فرسان الفانوس بلا رحمة ، وانثنت رماح المشاة الطويلة وتكسرت أمامهم كأعواد القطن ، وكأن رؤوس الرماح الحديدية قد استُبدلت بالمطاط.
وأمام هذه القوة الكاسحة لفرسان الفانوس ، قال كبير الخدم للبارون "سيدي لم يعد هناك وقت ، فلننجُ بأنفسنا ؛ هؤلاء الأعداء ليسوا بشراً ، إننا أمامهم كالأطفال الضعفاء. " أدرك الخادم أن موازين القوى ليست متكافئة البتة. شُدِه البارون ياسي مما رأى ؛ فجنوده الذين يثق بهم تهاووا كقشر البيض ، ولم يستطع أحد كبح جماح العدو أو حتى عرقلته. أيقظته تربيتة الخادم من ذهوله ، فهتف "أجل ، أجل ، لنرحل بسرعة! " ثم خفض خوذته وحث جواده على الهرب.
لكن "أزيزاً " آخر شق الهواء ؛ فتح البارون ياسي فمه ليتكلم ، لكن غشاوة من الظلام غمرت بصره ، وسقط جسده من فوق الجواد بلا حراك. ذهل كبير الخدم وهو يرى سيده يُخترق بسهم سحري أزرق من قمة رأسه ، تاركاً فجوة دامية ينضح منها الدم واللب ؛ وقبل أن يستوعب الأمر ، مرّ طيف فضي بجانبه ، ليجد نفسه صريعاً بفجوة هائلة في صدره ، شاخص البصر نحو سيده ، محملاً بأسرار لم يُكتب لها أن تُقال.
وفي البعد ، خفضت "بونونا " قوسها الطويل وهي تمتطي صهوة فرسها قائلة بتهكم "إن التباهي بهذا الزي البهرج في ساحة الوغى ليس إلا حماقة. " ثم رأت شخصاً يبدو كقائد ، فرفعت قوسها وأطلقت سهماً سحرياً آخر. لم تصمد خطوطهم الدفاعية أمام حوافر فرسان الفانوس الحديدية لأكثر من عشر دقائق قبل أن تتحول إلى أكوام من الجثث. أما الجنود الذين ألقوا خوذهم ودروعهم ولاذوا بالفرار ، فقد تملكهم الرعب. لم تستعجل بونونا وفرقتها ، بل أعادوا تنظيم صفوفهم ، ثم وزعت مائتي فارس من "فرسان الفانوس " قائلة "اذهبوا إلى هناك وأنقذوا الكونت المحاصر في المقدمة ، والبقية يتبعونني للهجوم على معسكر العدو مباشرة. "
انقسموا إلى طريقين ؛ اتجهت المجموعة الكبرى نحو المعسكر المركزي ، بينما اتخذت "آبي " في الجانب الآخر القرار ذاته. و اكتشف الجنود الفارين أن فرسان الفانوس لم يقتلوهم ، فجلسوا على الأرض يلتقطون أنفاسهم ؛ فبونونا التي تدير معظم شؤون المقاطعة ، تدرك أن هؤلاء الجنود المنهزمين سيتحولون إلى قوة عاملة قيمة بمجرد احتلال المكان ، وقتلهم ليس إلا هدراً للثروة البشرية.
"أيها الجنرال ، لقد دُمرت الخطوط الدفاعية بالكامل ، والعدو يزحف نحونا! " ؛ قالها أحد القادة وهو جاثٍ في خيمة القيادة. "ماذا ؟! " ؛ ضرب الجنرال الطاولة بيده ونهض مسرعاً نحو الخارج ، يتبعه النبلاء بوجوه يعلوها الشحوب والوجل. رأوا غبار المعركة يرتفع من كلا الجانبين كالسحب الركامية ، وشعروا بارتجاف الأرض تحت وطأة الزحف ؛ فرغم أن عددهم لا يتجاوز الألف إلا أن وقع خطاهم كان يضاهي جيشاً عرمرماً.
اكفهر وجه الجنرال ؛ فالعدو أقوى مما تصور بكثير ، وتساءل في نفسه: لماذا لم يخترقوا قلب الجيش مباشرة ؟ ولماذا لجأوا للمناورة والهجوم من الجانبين ؟ لم يجد جواباً ، لكن الوقت لم يكن في صالحه. أصدر أوامره للقائد بجانبه "اجمعوا من تبقى من الجنود ، سندافع عن المعسكر حتى الموت! " ؛ لكن النبلاء الذين كانوا معه ، وقد تجمدت الدماء في عروقهم لم تكن لديهم أدنى نية للموت معه ، فتبادلوا النظرات وانسلوا هاربين.
بعد دقيقتين ، عاد القائد قائلاً "أيها الجنرال ، لقد انسحب النبلاء بجنودهم ، فهل.. " نهاه الجنرال بحدة "يكفي ، لا داعي للكلام! نظم من بقي للدفاع ، فليس بمقدورنا مطاردتهم الآن. لنحاول النجاة أولاً. " كان الجنرال يراقب الأعداء وهم يقتربون ، والقائدان في المقدمة يطلقان هالتيهما كأنهما سيفان مسلطان على عنقه. حيث تمتم بمرارة "شخصان فقط.. يبدو أن جسدي سيوارى الثرى هنا اليوم ، لكنني لن أجعل الأمر نزهة لكما. " استل سيفه الطويل ، وبدروعه العظيمة ، قرر الاندفاع نحو جهة بونونا ؛ فإسقاط أحد القادة أولاً هو الخيار الأمثل والوحيد.