إنَّ "آلة الأم " المركزية في إبداعها للأرواح تتفوق بلا ريب على مهارة "كين " الذهبية ؛ فابتكار الآلة للروح هو إيجادٌ من العدم ، إذ تعتمد على منظومةٍ غامضةٍ ومعقدة من النقوش والرموز ، تستهلك من خلالها الطاقة لتخلق روحاً حقيقية ، وكأنها تحاكي قوانين نشأة الأرواح. أما جوهر "كين " في التعامل مع الروح ، فيقوم في الأساس على دمج أجزاءٍ من الأرواح لتكوين روحٍ جديدة ، لا خلقها من العدم ؛ فهو أشبه بإعادة الصياغة ، أو كما يقول المثل "من الحصرم نخرج العنب " محولاً ما يبدو فاقداً للقيمة إلى كنزٍ ثمين.
يمتلك "كين " الآن من الثقة ما يجعله قادراً على صنع ذكاءٍ اصطناعيٍ أكثر تطوراً ، وبقدراتٍ تعليميةٍ أقوى ؛ فتعلمه لتقنياتٍ أفضل أتاح له تلقائياً الابتكار فوق أسس الماضي. ولا بد من القول إنَّ مجيئه إلى هنا كان القرار الصائب ، وما أمضاه من يومٍ كاملٍ في المراقبة كان جديراً بالعناء. و في هذه الأثناء ، أفاقت "كريا " و "ليلو " الواحدة تلو الأخرى ، فتوجه "كين " نحوهما مبتسماً ، وسألهما "يبدو أنَّ تفكيركما الطويل قد أثمر نتائج عظيمة ".
أومأت "كريا " برأسها ، ودون إطالة ، دخلت في حالة الروح التي تشتعل بلهيبٍ أبيض وأسود ، وبدأت فرسان الروح بالظهور خلفها ؛ واحد ، اثنان ، خمسة ، عشرة... وما إن بلغت حدود الثلاثين حتى استمر فرسان الروح في التوافد حتى فاق عددهم المئة ، مالئين المكان بأكمله قبل أن تشتتهم "كريا ". وبعد أن استعرضت مكتسباتها بوضوح ، قالت "امنحني مزيداً من الوقت ، وسأتمكن من جعل هجماتي كافةً تتسم باختراق الروح ".
يبدو أنَّ ما حققته "كريا " كان كبيراً حقاً ؛ فاختراق الروح يختلف عن هجوم الروح ، والفرق بينهما كالفرق بين الهجوم المادى والاختراق المادى ، وهو أمرٌ بديهيٌ للغاية. و لقد مكنت هذه الطفرة في فرسان الروح "كريا " من أن تصبح بحق جيشاً في جسد امرأة. ولا ينبغي الاستهانة بفرسان "كريا " ؛ ففي أثناء القتال ، يمثل هؤلاء الفرسان كياناً واحداً ومستقلاً في آنٍ واحد ، قادرين على تحقيق معادلة "واحد زائد واحد أكبر من اثنين ". ومع أنَّ الحد الأقصى لفرسان الروح ما زال مجهولاً إلا أنه يقدر بما يزيد عن المئة على الأقل ، مما يعزز قدرات "كريا " القتالية الجماعية بشكلٍ هائل. وإذا ما أضفنا إلى ذلك "بوابة الموتى " وقدرتها على استخدام "لهب الموت " لبعث جثث الأعداء كأمواتٍ أحياء مؤقتين ، يمكننا القول حقاً إنَّ "كريا " باتت جيشاً بمفردها.
أما ما حققته "ليلو " فلم يكد "كين " يسأل عنه ، خوفاً من إحراج نفسه ؛ فبدون فهمٍ عميق لسحر الحكايات الخرافية الخاص بها ، يصعب استيعاب استنتاجاتها ومكتسباتها ، فهي شديدة الغموض لدرجةٍ يصعب حتى على "كين " إدراكها. ولن يتسنى له فهم جوانب تطورها إلا حين تقدم له النتائج ملموسةً بين يديه. ومع ذلك لم يكن اصطحاب "ليلو " لهذا السبب فحسب ؛ فقد نظر إليها "كين " وسأل "بعد مشاهدة عملية خلق هذه الآلة للحياة ، هل يمكنكِ استخدام ’سلطة الروح‘ لتسريع هذه العملية ، بما يسمح لها بإنتاج آلياتٍ أكثر ذكاءً في يومٍ واحد ؟ ".
إنَّ الجزء الأكثر استغراقاً للوقت في صناعة "آلة الأم " المركزية هو تكثيف روحٍ جديدة تماماً ، بينما لا يستغرق بناء الجسد سوى نصف ساعة. وما إن سمعت "رقم 1 " هذا السؤال حتى غمرها الحماس ، فهذا الأمر يتعلق بسرعة توسع جنسها. وبسماع سؤال "كين " هزت "ليلو " رأسها وفكرت قليلاً ، ثم أجابت "يمكنني استخدام جدار الروح لتسريع العملية ، لكن ليس كثيراً ؛ فهذه الآلة لها قدرة تحمل محدودة ، وإذا أفرطنا في التسريع ، فقد ينقص ذلك من عمرها الافتراضي بشكلٍ كبير ".
وعند سماع كلمات "ليلو " قالت "رقم 1 " بلهفة "لا داعي ، لا داعي لذلك التسرع الطبيعي يكفي ، المهم ألا نحمل الآلة الأم فوق طاقتها ". وبناءً على طلب "رقم 1 " أومأت "ليلو " برأسها وقالت "لا مشكلة ، إن استخدمت السلطة دون ضغطٍ ، يمكن زيادة الإنتاج من أربع وحدات كل خمسة أيام إلى وحدةٍ واحدة يومياً ". ردت "رقم 1 " "هذا يكفي ، هذا يكفي تماماً ". إنَّ تحسين الكفاءة هذا كافٍ ؛ فالتراكم يولد النتائج ، والطمع لا يورث إلا الخسران ، وهو ما أدركته "رقم 1 " بذكائها.
بدأت "ليلو " في استخدام "سلطة الروح " للتعزيز. ومع أنَّ "كين " يمتلك بدوره القدرة على استخدام هذه السلطة إلا أنَّ "ليلو " أكثر براعةً فيها ، فقوانين الحكايات الخرافية الخاصة بها تتضمن الكثير من قوانين الروح. ومع استخدامها لهذه القوانين ، تجمعت هالةٌ خضراء خافتة من العدم ؛ وبفضل "بصره الإلهي " شعر "كين " بقوة قوانين الروح المنبعثة منها. وتحت سيطرة "ليلو " تجمعت خيوط الهالة هذه في كتلةٍ واحدةٍ ، وانطلقت لتغمر الآلة العملاقة أمامهم.
لم يكن تعزيز "ليلو " موجهاً نحو أجزاء الآلة الداخلية ، بل طبقت بركةً باستخدام قوانين الروح ، بحيث تكتسب الآلة امتيازاً معيناً أثناء عملية خلق الأرواح أو امتصاصها ، وكأنها أضافت تعديلاً أو "بنداً " جديداً لتلك الآلة. و لقد ألهم أسلوب "ليلو " "كين " ؛ فلعل امتلاكها لعالم الحكايات بأسره هو ما يجعلها بارعة في تحويل القوانين إلى بركاتٍ تطبقها على الآخرين أو الأشياء. وحتى مع سيطرة "كين " الكاملة على "البلاتينوم كونتري " فإنه لم يتعمق في هذا الجانب ؛ إذ كان يكتفي بمنح البركات اعتماداً على الطاقة الخام ودون أي تقنيةٍ دقيقة. وكما يقال "القوة الغاشمة تغني عن الحيلة " لكنه لم يبذل جهداً في البحث في هذا المضمار.
بعد إتمام البركة ، غادر "كين " ومرافقوه "البلاتينوم كونتري " بعد أن قضوا يومهم كاملاً هناك. لم يغمض "كين " عينيه للراحة منذ قرابة أسبوع ، وهو أمرٌ لا يؤثر في بنيته من المستوى الذهبي ، لكن لعدم وجود ما يستدعي العجلة ، قرر أن يخصص الليلة للراحة ؛ فعادوا إلى "قصر البلاتينوم " وتوجه "كين " إلى غرفته ليخلد للنوم بمفرده....
"لا لا ، لا لا لا لا~ "
كانت "ليرولو " بعد انفصالها عن "كين " ورفاقه ، تحلق في أرجاء "قصر البلاتينوم " تدندن لحناً غامضاً وترقص في الهواء ، تارةً تدور وتارةً تقفز. فجأةً ، شعرت بشيءٍ ما ، فتوقفت عن رقصها للحظات ، وفي لحظهٍ اختفت من مكانها. وما إن ظهرت "ليرولو " مجدداً حتى كانت عند حافة "بوابة العالمين " ثم تحولت إلى خيطٍ من الضياء ، عابرةً البوابة نحو الأراضي الخارجية.
بمجرد خروجها ، تجمع رذاذٌ أبيض بجانبها ، ثم دار وتفتح لتشكل "بوابة الضباب ". وبلا تردد ، اندفعت "ليرولو " داخلها. وعندما فتحت عينيها ، وجدت نفسها في عالمٍ ينتشر فيه الضباب الأبيض في كل مكان ، تحيط به تماثيل معماريةٌ جميلةٌ ومهيبة من كلا الجانبين. بدا المكان الذي حطت فيه كفناءٍ للاستراحة ، وكان بجانبها بعض الملائكة ذوي الأجنحة الضبابية ، منهمكون في أعمالهم ؛ يقلّمون نباتاتٍ ذات أشكالٍ خيالية ، وينحتون نقوشاً دقيقة على الأعمدة. وحين لمح بعض ملائكة الضباب "ليرولو " غمزو لها ولوحوا بخفية ، وكأنهم يعرفونها ويرحبون بها. ابتسمت "ليرولو " بمرح ، ورفرفت بجناحيها لتطير نحوهم ، فهم من أصدقائها في هذا المكان.
"ليرولو! "
صوتٌ مهيبٌ يفيض بحنان الأمومه ناداها من الأعلى. وبسماع الصوت ، انكمشت "ليرولو " غريزياً ، بينما أدار الملائكة فى الجوار رؤوسهم فوراً ، متظاهرين بالعمل وكأن شيئاً لم يكن. فلم يكن أمام "ليرولو " سوى الاستدارة والطيران نحو مصدر الصوت. حيث كان فوقها ضبابٌ أبيض كثيف ، تلوح من خلاله لمحاتٌ لدرجٍ أبيض مهيب يختفي ويظهر بين طياته ، وتتجلى على درجاته نقوشٌ معقدة ، يستعصي على العين إدراكها. وفي قمة الضباب كان يلوح طيفٌ عملاقٌ متكئٌ على منصة.
أسرعت "ليرولو " وانطلقت داخل الضباب "يا أم الضباب ، هل ناديتِ ’ليرولو‘ لأنكِ اشتقتِ إليها ؟ ". تردد صدى صوت "ليرولو " داخل الضباب ، ليرد الصوت من جديد "سأرى إن كانت ’ليرولو‘ قد كانت مجتهدة في هذه الفترة ، أم لا تزال عابثةً كما عهدتها ".
أجابت "لا ، لقد كنتُ مجتهدةً هذه المرة ، أمعنُ النظر في القوانين طوال الوقت ولم ألعب كثيراً ".
"هممم ، ليس سيئاً ، أخيراً بدأتِ تظهرين بعض التحسن ". بدت صاحبة الصوت راضيةً عن جهود "ليرولو " ثم أردفت "لقد استدعيتكِ هذه المرة لأن هناك رسالةً يجب إيصالها إلى ’كين‘ ؛ بعد رحيلكِ ، يمكنكِ نقلها إليه ".
استغربت "ليرولو " وسألت "أم الضباب ، لماذا لا توصلين الرسالة إلى ’كين‘ بنفسكِ ؟ ".
ردت الأم "فـ’البلاتينوم كونتري‘ ملكٌ لكم ، ومن الواضح أنه لا يمكنني تفتيشها أو مراقبتها عرضاً ؛ أليس في ذلك قلة احترام ؟ فحتى مع أبنائي ، يجب أن أحافظ على أبسط قواعد التقدير ، أليس كذلك ؟ فأنتِ لا ترغبين بأن أكون مراقبةً لكِ طوال الوقت ، أليس كذلك ؟ لذا اذهبي أنتِ ".
فكرت "ليرولو " في الأمر ووجدت أنها محقة ؛ فمن غير المريح والمقيد أن تكون مراقبةً من قبل "أم الضباب " باستمرار. و بعدها ، وصل إليها صوتٌ خافتٌ يحمل الرسالة ، وما إن تلقتها حتى طارت مبتعدةً ، ملوحةً بيديها تجاه ذلك الطيف الضبابي "أم الضباب ، سأرحل الآن ".
"حسناً ، انطلقي ".
وعادت البوابة لتظهر بجانبها ، واختفت "ليرولو " داخلها ، ليعود الهدوء إلى القصر. وبعد فترةٍ وجيزة ، ظهرت "ليرولو " ثانيةً في المكان الذي رحلت منه ، وتحولت إلى خيط ضياءٍ عابرٍ لـ "بوابة العالمين " عائدةً إلى "البلاتينوم كونتري ". وفي لحظهٍ ، عادت إلى "قصر البلاتينوم " قاصدةً مكان استراحة "كين " لكن ما إن وصلت إلى بابه حتى توقفت "يبدو أنَّ ’كين‘ يخلد للراحة الآن. لا بأس ، فالرسالة ليست عاجلة ، سأخبره بها غداً ". استدارت "ليرولو " للرحيل ، وفكرت للحظة ، ثم اختفت لتظهر في "عالم الحكايات ".
في "البلاتينوم كونتري " تقضي "ليرولو " أوقات راحتها وتعلمها في "عالم الحكايات " حيث تعزز قوتها ، ولا تذهب إلى "قصر البلاتينوم " إلا حين تكون هناك مهمةٌ أو رغبةٌ في اللعب ؛ فقد أصبح ذلك المكان ملتقىً لهم في أوقات فراغهم وراحتهم.