يُعدُّ هذا الأمر مصلحةً لكوبو ، ووسيلةً لتيسير مهامه وتسهيل تواصله ، كما أنه أداةٌ للسيطرة والتقييد ؛ ليُدرك تمام الإدراك عواقب الخيانة. ففي نهاية المطاف لم تبلغ الثقة بينهما ذلك المدى الذي يجعله كين يركن إليه تماماً ، لكنه في الوقت ذاته ليس بالخصم الذي يُستخفُّ به فيحتاج إلى الحذر الشديد منه.
حينها ، استلَّ كين جهاز ختم النقابة من حقيبته الفضائية ، وابتسم لكوبو قائلاً "هذه هي العلامة التي تُوضع بعد الانضمام إلى النقابة. أين تودُّ أن نضعها ؟ إنها حجر الأساس لكل وظائف النقابة ومنافعها ، لذا لا غنى لك عنها ".
بمجرد سماع كلمات كين ، أومأ كوبو برأسه ، وفكر قليلاً ثم أشار إلى كتفه قائلاً "هذه المنطقة سليمةٌ نسبياً ، فلنضع الختم هنا ".
تأمل كين المكان ؛ فبخلاف كتفه الذي كان عبارةً عن صفيحة فولاذية مسطحة كانت بقية أجزاء جسده مليئً بالفجوات والنتوءات التي تُميز العرق الميكانيكي. حيث يبدو أنه بمجرد توفر المواد اللازمة ، سيتحتم على كوبو إعادة تشكيل جسدٍ وظيفي أكثر ملاءمةً لنفسه.
"وماذا عن اللون ؟ "
"أحمر معدني. "
وما إن ضغط بجهاز الختم على كتفه حتى انطبع شعار الفانوس باللون الأحمر المعدني ، ليعكس بريقاً أخاذاً. وفي اللحظة التي وُضع فيها الختم ، أغمض كوبو عينيه ، ثم قال "لقد ازدادت السمات الأساسية بنسبة 5% تقريباً ، وتحسَّن الحظ عند الهجوم ؟ "
أوضح كوبو بدقةٍ التحسينات التي نالها بعد وضع الختم. حينها ابتسم كين قائلاً "تلك منافعُ يسيرة ، لا تُسمن ولا تُغني من جوعٍ لكائناتٍ في مستوانا ". ففي نهاية المطاف ، تشمل تعزيزات النقابة تحسيناتٍ في السمات وفرص الضربات القاتلة ، لكنها لا تزال عند المستوى الفضي ؛ فكين لم يبلغ بعد من البذخ ما يجعله يستخدم الأحجار السحرية الذهبية لتعزيز مثل هذه السمات ، فهو لم يحقق بعدُ الحرية المطلقة في استخدام تلك الأحجار.
بعد ذلك شرح كين له بإيجاز كيفية استخدام ختم النقابة للولوج إلى قاعتها ، وزوَّده بكلمة السر للدخول. وما إن علَّمه حتى جرب كوبو الأمر بنفسه واختفى داخل المقصورة. وبمجرد دخوله كانت أدومـا في استقباله لتُعرِّفه بتفصيلٍ على وظائف النقابة ومنافعها وقوانينها ، وهي أمورٌ لم يعد كين بحاجةٍ للقلق بشأنها.
أعاد كين رأسه إلى الوراء مسترخياً على مقعده ، واستدعى "كتاب المغامرة " ونشره بين يديه ، ثم قلب الصفحات حتى وصل إلى صفحة النقابة ، وفتح نظام "المُعلم ". كان كين متلهفاً لمعرفة طبيعة المعارف التي يمتلكها كائنٌ ميكانيكي من المستوى الذهبي كان في الماضي يمثل إرادة "زنزانة ". وسرعان ما ظهر له الوجه الميكانيكي الجديد ؛ ملامح كوبو ، ليصبح بذلك رابع معلمٍ في النقابة يحمل الإطار الذهبي.
وهذا يعني أنه يمتلك مهاراتٍ من "مستوى السادة الكبار ". وفي السابق كان من يمتلكون مثل هذه المهارات في النقابة هم "الدرع الفولاذي " بمهاراته في الحدادة ، و "ميزيك " الذي ارتقى إلى مستوى السادة الكبار في صناعة الجرعات قبل بضعة أشهر ، وكين نفسه الذي ارتقى الشهر الماضي إلى مستوى السادة الكبار في التكنولوجيا السحرية الأساسية.
بينما كان يستحضر هذه الأفكار ، ضغط كين على صورة كوبو ليرى ما لديه من مهاراتٍ بذاك المستوى الرفيع. وما إن فُتحت القائمة حتى انبثقت أمامه سلسلةٌ طويلةٌ من المهارات ، مما جعله مذهولاً. و لقد أتقن كوبو عدداً مذهلاً من المهارات تجاوز المئة ؛ ومع أن معظمها كان في مستوى الخبراء إلا أن نطاقها كان شديد الاتساع ، وقد تضمنت مهارتين من المستوى السادة الكبار ، وأكثر من اثنتي عشرة مهارةً من مستوى السيد.
أما المهارات من المستوى السادة الكبار فهي "تحويل الطاقة وتكثيفها " و "أبحاث أسلحة الطاقة وتعديلها ". ناهيك عن المهارات الأخرى ، فهاتان المهارتان وحدهما جعلتا لعاب كين يسيل ، فقد ظفر بصيدٍ ثمين ، بل صيدٍ ثمينٍ للغاية!
وفي غمرة حماسه ، ضمَّ كين "يويو " القريبة منه وقبَّلها على جبينها بضع قبلات ، مما جعلها تضطرب وتتململ من هذا التصرف غير المفهوم.
"يويو ، هل تدركين ذلك ؟ أنتِ عبقريةٌ بأجل! "
؟
لم يُفسر كين شيئاً ، بل أنزلها ؛ فهي لا تزال بحاجةٍ للتحكم في قيادة الطائرة. أهذا هو السبب الذي جعلهم يلقبونه بـ "السيد الطاقة " ؟ لو كانت مهاراته تقتصر على الطاقة لما كان كين بهذا الحماس ، فهو يمتلك بالفعل القواعد المتعلقة بالطاقة ولا يحتاجها بصفةٍ ملحة ، لكن أسلحة الطاقة هي التي أثارت حماسه ؛ فهذا يدل على أن أبحاث كوبو في هذا المجال بلغت مستوىً لا يصدقه عقل ، ومن المتوقع أن يكون كوبو معلماً له في هذا الجانب لفترةٍ طويلة.
ناهيك عن القائمة الطويلة للمهارات الأخرى. فمهارات مستوى السيد كانت أسهل فهماً ، إذ غطت سلسلةً من المعارف التي قد يحتاجها العرق الميكانيكي في المعادن ، والجيولوجيا ، والتعديلات ، والبناء. أما المهارات المئة من المستوى الخبراء فكانت أوسع نطاقاً ، لدرجة أن كين رأى فنون الرسم ، وأبحاث النبات والحيوان وتصنيفها. ورغم أنه لم يستوعب لماذا قد يغوص كائنٌ ميكانيكي في فنون الرسم وعلم الأحياء إلا أن هذا لم يمنع كين من الإعجاب بقدراته المذهلة.
أهذه هي القدرة الميكانيكية الفائقة على التعلم ؟ لقد عاش كوبو لما لا يقل عن ألف عام ، ولعلَّ قيود العالم هي التي حالت دون بلوغ قوته حداً خرافياً ، لكنها في المقابل جعلت حصيلته المعرفية غنيةً إلى حد الثراء ، وبحقٍ يمكن اعتباره حكيماً. ومع ذلك فحتى بعد ألف عام ، يبدو من المستبعد أن تمتلك الكائنات طويلة العمر هذا الكم الهائل من المهارات.
توقف كين عن التفكير ، ونادى على الكائنات الميكانيكية الثلاثة الأخرى القابعة خلفه "هلمُّوا إليَّ جميعاً ، سأدخلكم إلى النقابة ". لم تفهم الكائنات الميكانيكية غاية كين ، لكنها امتثلت للأمر ، فأدخلهم كين إلى النقابة ، وبعد أن وقعوا أسماءهم وختمهم ، اختفوا من الطائرة.
لقد كان السبب الرئيس وراء إدخالهم -وهم الذين وصلت قدراتهم للتو إلى المستوى الفضي- هو اكتشاف كين للسمة الحقيقية التي قد يمتلكونها. وبلهفةٍ فتح كين سجل مهاراتهم ، وكما كان متوقعاً ، ورغم أنهم لا وجود لهم سوى بضعة أشهر إلا أن مهاراتهم شملت ثلاث مهارات على الأقل من المستوى الخبراء! تذكروا أنهم صُنِعوا منذ أشهرٍ قليلة!
لقد أدرك كين من حديثه مع "أليهـاو " أنه بدأ تجميع المواد وتشغيل الآلة المركزية منذ بضعة أشهر فقط. إن وصول المهارة إلى مستوى الخبراء يعني أن الأساس فيها قد تبلور تماماً ، والارتقاء بعدها يعني اختراقاً لمعارف جديدة ، وبالنسبة لآلةٍ ذكيةٍ ، لا يتطلب الأمر الكثير من الوقت.
لقد رسم كين في مخيلته وجهة هؤلاء ؛ سيصبحون معلمين وباحثين في قواته ، وعند الحاجة سيعملون كمستشارين. فحالياً ، لا يتجاوز مجموع سكان "إقليم الفانوس " و "بلاد البلاتين " 400 ألف نسمة ، ومن بينهم يعاني عدد المعلمين القادرين على التدريس من نقصٍ حاد ، أما القادرون على تعليم المعارف المتقدمة فهم "أندر من بيض الأنقاء وقرون وحيد القرن " وغالباً ما يتركزون في السحر وفنون القتال.
خاصةً في "بلاد البلاتين " فقد تسبب ازدياد المواليد في نقصٍ فادحٍ في المعلمين ، أما "إقليم الفانوس " فحدث ولا حرج. وعليه ، فإن هؤلاء هم المعلمون والباحثون المثاليون حقاً. إن ركيزة ارتقاء أي قوةٍ هي العلم والتعليم ، وقد وضع كين يده على هذا الكنز ، ليحلَّ بذلك إحدى أعظم مشكلات إقليمه.