في هذه اللحظة، خارج القصر البلاتيني.
لم يعد المكان مقفراً كما كان قبل أيام قلائل؛ فقد انبثقت مدينة شاسعة تحيط بالأسوار الخارجية للقصر البلاتيني.
أُعدّ هذا الموقع لاستقبال الجموع الغفيرة القادمة لحضور حفل التتويج المرتقب. وكان "كين" ينوي في الأصل تشييد مدينة مؤقتة ضخمة لإيواء هؤلاء المسافرين القادمين من أصقاع بعيدة.
بيد أن "هايدلين" رفضت هذه الفكرة، مشيرةً إلى أن القصر البلاتيني الخاص بكين ورفاقه كان بعيداً جداً عن جميع الحواضر، رغم وقوعه في قلب الخريطة.
وأردفت أن هذا البعد سيجعل الناس يشعرون باغتراب عن ملكهم، لذا توجب بناء مدينة بجوار القصر لتغدو عاصمةً للمملكة.
وتلبيةً لمتطلبات بناء العاصمة، سخر كين قواه الإبداعية مباشرةً لتشييد مدينة كبرى.
وبالطبع، لم يضع سوى الخطوط العريضة والهيكل العام، تاركاً التفاصيل لمن سيستقرون في هذه العاصمة مستقبلاً.
فكلما عظم حجم البناء وقلت تفاصيله، تيسرت على كين عملية التشييد.
وعلى سبيل المثال، فإن العاصمة الممتدة أمام القصر البلاتيني، والتي شددت "هايدلين" على ضرورة بنائها بفخامة ورحابة، صُممت لتترك مساحة واسعة للاستخدام والتطوير في المستقبل.
عقب ذلك، أبدع كين العديد من العجائب المعمارية، حيث جعل مدخل المدينة عبارة عن بوابة حجرية مهيبة، نصف مفتوحة، يناهز ارتفاعها أربعين متراً.
وقد نُقشت على البوابة الحجرية أنماط شتى، تروي القصص التي شهدتها هذه الأرض التي جمع شتاتها كين.
هذه البوابة العملاقة، التي تظل مشرعة جزئياً بصفة دائمة، يمكن فتحها أو إغلاقها بالكامل إذا ما استُخدمت قوة كافية.
وتفضي ثلاث بوابات حجرية متتالية مباشرةً إلى الساحة المركزية للمدينة.
تعتبر الساحة المركزية قلب المدينة النابض، وهي مساحة دائرية فسيحة تحيط بها منحوتات ضخمة على هيئة أجنحة، تشبه في هيئتها أسوار المدينة.
ويكتنف الساحة زوجان من الأجنحة المنحوتة التي تحتضن المكان جزئياً.
وتنتصب حول الساحة أعمدة حجرية شاهقة، الواحد تلو الآخر؛ وهي أعمدة بسيطة بُنيت خصيصاً وفقاً لطلبات "هايدلين"، لأغراض لم يدرك كين كنهها.
أما بقية الأبنية فهي مساكن عادية بُنيت ببساطة متناهية، مع ترك مساحة كافية للسكان ليتخيلوا مظهرها ويعدلوه كما يشاؤون.
كما تُرِكت مساحات شاغرة عديدة في أرجاء مختلفة لاستخدامات مستقبلية.
وكانت هذه المنازل العادية كافية تماماً لإيواء العامة الوافدين.
إذ بمقدور المدينة بأكملها استيعاب ما يربو على مائة ألف نسمة.
"هل وحدة (الأجنحة الفولاذية) التابعة لكانسكي جاهزة؟"
في تلك اللحظة، في الساحة المركزية للمدينة، كانت "هايدلين" تستجوب الطاقم الإداري المحيط بها.
فأجابت امرأة من عرق الغرباء، ذات قرنين صغيرين، قائلة: "القائد كانسكي على أهبة الاستعداد".
أومأت "هايدلين" برأسها وقالت: "جيد، وماذا عن الفرقة؟ هل استعدوا؟ تعلمين يقيناً أن جمعهم تطلب جهداً مضنياً، فهل القطع جاهزة؟"
"لا تقلقي، لقد أشرف الأمير (ليلولو) على تدريبهم ومساعدتهم".
"أحقاً؟ هذا مطمئن، أما البقية..."
كان عدد غفير من موظفي الحكومة في مكتب إدارة الساحة ينهمكون في وضع اللمسات الأخيرة لحفل التتويج القادم.
فهم الصفوة من بين مختلف الأجناس والكائنات الذكية الذين يمتلكون الخبرة الإدارية والبصيرة النافذة.
ويُعدون فئة من الأذكياء القادرين على استقراء الوضع الراهن بوضوح.
وجميعهم يدركون أنه على الرغم من زهد جلالة الملك في مراسم هذا الحفل، إلا أنه يتعين عليهم إخراجه بأبهى صورة وبكل إخلاص.
وبينما كانت هذه الأفكار تراودهم، لم يتمكنوا من منع أنفسهم من التطلع نحو القصر العائم في كبد السماء، المحفوف بالغمام والضباب.
حيث سيكون ذلك المقر الرسمي لملكهم الحالي.
وبمناسبة الحفل، حرك كين القصر قليلاً نحو الساحة وخفض مستوى ارتفاعه.
كان كين في تلك اللحظة داخل القصر البلاتيني، يحيط به جمع من "أبناء القمر".
فقد رغب الكثير من أبناء القمر في أن يصبحوا حراساً شخصيين لكين و"كريا".
ونزولاً عند رغبتهم، وافق كين على مضض، واختار ثلة منهم ليعملوا حراساً في القصر البلاتيني.
أما قيادة الحرس، فقد أُسندت بطبيعة الحال إلى "مو يي" الذي كان أول من تبع كين.
وفي تلك الأثناء، دنا "مو يي" من كين وهو يحمل مجموعة من الأثواب الفاخرة.
"يا صاحب الجلالة، هذا هو الزي الذي أرسلته السيدة هايدلين، قائلة إن عليك ارتداءه لتبدو أكثر مهابة ووقاراً".
كان كين في هذه اللحظة مستلقياً بالكامل فوق سحابة (غزل البنات)، وتبدو عليه أمارات الإرهاق.
فثمة قرارات لا حصر لها توجب على كين اتخاذها بشأن حفل التتويج، ناهيك عن ضرورة الإلمام ببعض التفاصيل البروتوكولية الرتيبة والمملة.
وقد شكل هذا عبئاً ثقيلاً على كين، الذي جُبل في الأصل على كراهية التعقيدات والمشكلات.
وبالقرب منه، تقدمت "كريا" لتتسلم الثياب من "مو يي" وشرعت تتفحصها بعناية.
ثم كتمت ضحكة وقالت: "كين، هذا الزي يبدو رائعاً حقاً، ألا تود تجربته؟"
رمق كين "كريا" بنظرة يائسة، ولوح بيده معتذراً.
فالغاية الجوهرية من هذا الحفل بالنسبة له هي استحضار "الجسر الذهبي" ومن ثم إزالته.
فالتتويج ليس إلا شأناً ثانوياً؛ إذ يرى أن تحطيم الجسر الذهبي خلال المراسم واستعادة الفطرة الأصلية لهذا العالم كفيل برفع مكانته إلى آفاق غير مسبوقة.
وبعد برهة من التفكير، قال كين لـ "مو يي": "أخبري هايدلين أنني أعددت زياً بنفسي".
"أمرك يا صاحب الجلالة".
ثم انصرفت "مو يي" وهي تحمل الملابس بين يديها، تطفو مبتعدة عن الغرفة.
ولم يتبقَّ في القصر آنذاك سوى كين وكريا.
أما "ليلولو"، فقد كانت تعشق الأجواء الصاخبة، فكيف بحفل ضخم يشهده أكثر من مائة ألف شخص؟
ومقارنةً بكين، ربما كان عامة الناس أكثر ألفةً مع "ليلولو" التي كانت تجوب أرجاء منطقة تحضير المأدبة في تلك الأثناء.
كانت تشرف على الترتيبات البيئية وتساعد الأوركسترا في التدريبات، بل إنها أحضرت "فرقة الحيوانات الموسيقية" من عالمها الخيالي للمشاركة في الحفل.
بيد أن مهمتها الكبرى كانت تكمن في الواقع في نقش الرموز السحرية على الأبنية الفخمة في المدينة.
وكان غرض كين من بناء الأسوار والبوابات والساحات بهذا البذخ هو تهيئة لوحة فنية تتيح لـ "ليلولو" الإبداع في نقوشها.
وفي سياق متصل، كان "لونغبي" - الذي كان يوماً من نخبة قوات (قلعة الصهر) - يشرف على تدريب الجنود على الآداب والمراسم البسيطة لضمان انضباطهم وحيويتهم.
وفي الحقيقة، بُذل جهد ومال وفير للتأكد من جودة مشروبات المأدبة ومعاييرها.
فبسبب مئات السنين من الحروب والويلات، كان الطعام متوفراً، لكن المشروبات الفاخرة كانت شحيحة للغاية، مما دفع كين لاستيراد معظمها من الخارج عبر "قاعة النقابة" لتكون وسيطاً للتوريد.
بينما كانت "ميزيكي" تنهمك في تحضير بعض العقاقير والجرعات التي سيحتاجها كين لاحقاً.
انحنت "كريا" وطبعت قبلة على وجنة كين قائلة: "سأغادر الآن يا صاحب الجلالة العزيز".
ثم غمزت بعينها وغادرت القصر.
ففي جعبة "كريا" مهام أخرى؛ إذ كان عليها مراقبة عمل آلاف الطهاة، الذين لم يكن الكثير منهم يتقن سوى الطبخ البدائي.
وعلى الرغم من أن جل الأطباق كانت من تعليمات "كريا" - بسيطة لكنها شهية - إلا أنها كانت بحاجة للإشراف عليهم وتوجيههم بدقة.
وخلف البوابات الحجرية العظيمة، كانت سيول من المدنيين تتدفق نحو العاصمة.
وانتشر الجنود عند المداخل لحفظ النظام، بمساعدة موظفين يرشدون المدنيين إلى أماكن إقامتهم المؤقتة.
وقد تملكت الدهشة جميع الوافدين وهم يرمقون البوابات الحجرية الثلاث العملاقة والنقوش البارزة التي تزينها.
وفي أرجاء الساحة، انتصبت منحوتات مهيبة لأجنحة محلقة، مما أثار ذهول الجميع.
بدا كل شيء جديداً تماماً، فمن الجلي أنها مدينة وُلدت من رحم العدم وبُنيت حديثاً.
وقد نُصبت الموائد في أنحاء المدينة، محملة بأشهى المأكولات والمشروبات المتاحة للجميع بالمجان.
لم يعد هناك ملوك مستبدون ولا حروب طاحنة؛ فلن تذيقهم النزاعات مرارة المعاناة والموت بعد اليوم.
اختلطت أصوات الغناء بالرقص، وانغمس الجميع في أحاديث مبهجة وهم يحتسون الشراب بمرح وسرور.
وربما كان بعضهم أعداءً في الأمس القريب بسبب انقسام المعسكرات، لكنهم اليوم متحدون كمواطنين في الدولة البلاتينية، يداً بيد لاستعادة وطنهم والعالم.
ومع مرور الوقت...
"دانغ! دانغ! دانغ!"
فقد انتصب في الساحة برج حجري شاهق تعلوه ناقوس نحاسي ضخم.
وكان أحد "أبناء القمر" العائمين يقرع ذلك الناقوس بكل قوته.
فانبعثت منه رنات جلية ترددت أصداؤها في أرجاء العاصمة، لتصل إلى مسامع كل من فيها.
كانت تلك هي المرة الأولى التي يصدح فيها صوت ذلك الناقوس النحاسي.
إذ ترمز الدقات الثلاث إلى البدء الرسمي لمراسم التتويج.
اندفع مواطنو الدولة البلاتينية نحو الشوارع، مقتفين أثر الحشود المتجهة صوب الساحة.
وبين المنازل، رُفعت الأعلام وتمايلت أشرطة ملونة في الأفق، لم تسقط أرضاً رغم الجاذبية، بل ظلت تراقص الرياح في الأعالي.
وفي اللحظة ذاتها، توافدت الحيوانات المتبقية في هذا العالم تقريباً.
حلقت طيور شتى الألوان في السماء، تحيي الضوء الذهبي والأشرطة العائمة.
وعلى جنبات الساحة، أخذ الموسيقيون من مختلف الأعراق آلاتهم الفريدة، وانضموا إلى الحيوانات الصغيرة التي وقفت تعزف معهم.
وعلى منصة القيادة، وقف أرنب رمادي صغير يرتدي حلة رسمية، يوجه الموسيقيين ببراعة وهم يعزفون على الإيقاع.
ورغم اتساع الساحة، إلا أنها لم تكن لتتسع لأكثر من مائة ألف شخص، مما اضطر الكثيرين للاصطفاف في الشوارع المحيطة بها.
ومع أنهم كانوا خارج الساحة، إلا أن ذلك لم يحل دون رؤيتهم للمراسم بوضوح.
إذ كانت منصة التتويج تسبح في كبد الهواء.
فما كان على الناس سوى رفع رؤوسهم قليلاً لمتابعة المراسم.
ومع هذا الجمع الغفير، ضجت الساحة بصخب غير مسبوق.
وما إن تجمهر السكان في الساحة وضواحيها، حتى خفض الأرنب عصا القيادة، لتتوقف الموسيقى فجأة.
ومع خفوت تلك الألحان الرائعة، تلاشى ضجيج البشر تدريجياً، ليخيم صمت مهيب على الجميع اِحتراماً للموقف.
فجأة، انبثق شعاع ذهبي من كبد السماء، ليسلط ضياءه مباشرة على منصة التتويج العائمة.
ومع انقشاع الضياء، ظهر علم أبيض يزينه رمز (الجسر الذهبي)، وبرزت على المنصة مجموعة ترتدي أردية بيضاء مطرزة بالذهب وتحمل الرمز ذاته.
لقد كانت "كنيسة الجسر الذهبي" التي طال انتظارها، تظهر أخيراً في هذه اللحظة الحاسمة.
في تلك اللحظة، كان كين يقف على شرفة شاهقة من القصر، يراقب المشهد المهيب بالأسفل.
وكان "لونغبي" ورفاقه يقفون خلفه، بينما وقفت "سوفينا" إلى جواره.
طفى الصولجان البلاتيني أمام كين، ولامس جبين "سوفينا" مستجيباً لأفكار كين.
فانبعث ضياء بلاتيني من جسد "سوفينا".
"هذه بركة صغيرة، اعتبريها عوناً وتقديراً مني لكِ.. فاستخدميها بحكمة".
قال كين ذلك وهو يستقل، رفقة الآخرين، سحابة (غزل البنات)، متجهين نحو منصة التتويج.