Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 668

عقدة القلب


الفصل 668: عُقدة القلب

أسهب هيراج في سرد تجاربه طوال تلك السنين المنصرمة، مستعرضاً أدق التفاصيل في ملخصٍ وافٍ لرحلته الطويلة.

بيد أنه آثر كتمان بعض الأسرار الوعرة والمعلومات الحساسة، مفضلاً ألا يتطرق إليها أمام إميل والبقية.

أنصت إميل ورفاقه إلى رواية هيراج وكأنهم في حضرة أسطورة غابرة؛ فلولا يقينهم بهوية هيراج ومكانته، لظنوا يقيناً أن ما يتلوه عليهم ليس سوى أضغاث أحلام أو فصولاً من كتابٍ حافلٍ بالخوارق والملاحم.

عالم الجان، وتخوم الأراضي الحدودية، وقرار الهاوية السحيق، وعوالم الشياطين الموحشة...

كانت هذه العوالم آفاقاً لم يحلم إميل ولا غيره من عامة الناس بملامستها، بل ولم يسبق لمسامعهم أن التقطت أصداء وجودها قط.

حينها، استوعبوا أن العالم الذي يقطنونه يُدعى "عالم المستويات"، وهو فضاء شاسع يضم بين جنباته قارات عديدة كهذه القارة.

كما أدركوا أن ثمة أبعاداً وجودية أخرى تضج بالحياة، وأن "عالم البحار" ليس في حقيقته سوى جرمٍ صغيرٍ في كونٍ لا نهائي الاتساع.

رمق إميل هيراج بنظراتٍ تضاربت فيها مشاعره؛ فبرغم أن هيراج كان يسرد مآسيه بلهجةٍ فاترةٍ وكأنها أحداث عابرة، إلا أن إميل علم يقيناً حجم المعاناة والمكابدة التي تجرعها طوال تلك السنين، حتى أن بعض المنعطفات في حكايته جعلت فرائص إميل ترتعد بمجرد السماع.

وبعد أن فرغ من حديثه، استبد الحنين بإريك وتملكته رغبة جامحة في خوض تلك المغامرات التي رواها هيراج، وشب في صدره فضول وريف لاستكشاف تلك العوالم الغريبة المتباينة.

أما إميل، فقد كان على نقيض ولده؛ إذ كان يرى بعين الحكمة المخاطر الجسيمة التي تكتنف تلك الدروب الوعرة.

لقد تدبر هيراج ملياً قبل أن يقرر إفضاء هذه الأسرار لإميل والبقية، وفي نهاية المطاف، استقر رأيه على إشراكهم في هذه الحقيقة وتنوير بصائرهم بماهية هذا العالم.

فبالنسبة لعامة الخلق، قد يكون الجهل نعمة، ومن الأفضل لهم أن يقضوا حيواتهم في دعة وسكون، إذ إن معرفة الكثير قد تنقلب وبالاً وألماً حين يدرك المرء وجود آفاق سامية لا يملك سبيلاً لبلوغها، فيورثه ذلك شعوراً بالدونية والحسرة.

بيد أن شأن هيراج كان مختلفاً؛ فقد ملك من القوة والقدرة ما يُمكّنه من انتشال إميل ورفاقه من رتابة حياتهم العادية.

فمتى ما عقد إميل والبقية العزم، كان بمقدورهم مغادرة هذا المكان في أي لحظة، والعبور نحو الآفاق الأخرى بمجرد اكتمال نهضة قارة "كالا".

أما معضلة العمر والزمن، فقد كانت يسيرة في عرف هيراج؛ إذ إن "رحيق شجرة العالم" الذي بحوزته كفيلٌ بإطالة أعمار إميل وذويه لثلاثة قرون إضافية على أقل تقدير.

وإن نفد ذاك الرحيق، فبإمكانه تكليف "تشاتيا" بجلب المزيد من "سهول الجان" حين يحين الأوان.

علاوة على ذلك، فبمجرد اكتمال نضوج "شجرة العالم" في عالمه المصغر، سيضحى الحصول على الرحيق أمراً مستداماً وميسوراً.

وبمجرد أن تتحسن البنى الجسدية لإميل ورفاقه، سيتولى هيراج توجيههم خطوة بخطوة ليضحوا ممارسين معتمدين، ويشرعوا في سلك دروب السحر، مستعينين بما يوفره لهم من موارد جمة.

ولم تكن هناك حاجة لبلوغ مراتب عليا جداً؛ فحتى كائنات الرتبة الأولى أو الثانية تتمتع بأعمار مديدة تفي بالغرض.

كانت هذه الأمور في نظر الناس العاديين ضرباً من المستحيلات التي لا تتحقق إلا في الأساطير، بيد أن هيراج نفسه قد غدا كائناً أسطورياً يتجاوز حدود المألوف.

لم يتوسع هيراج في شرح نظام قوى السحرة، لعلمه بمدى بعد هذا العلم عن مدارك إميل والبقية في الوقت الراهن، ولأنه ليس بالشيء الذي يسهل استيعابه بالبديهة.

كل ما استقوه من حديثه هو أن هيراج قد بات الآن شخصية مرموقة وذات ثقل حتى في ذلك "البعد الوجودي" الفسيح.

وبعد أن انتهى هيراج من سرد تجاربه، انتقل الحديث إلى إميل ليقص عليه ما آلت إليه أحوالهما في السنين الخالية.

في ذلك الزمان، كانت أراضي "دور" التابعة للبارون "باك"، وأراضي "هاموند" المتاخمة لها، قد سقطت في يد نبيل متنفذ يُدعى الكونت "بيز".

وبعد أن ارتقى إميل ليصبح "فارساً مغواراً" في تلك السنوات، بات يتمتع بسطوة ونفوذ يؤهلانه للتوجه إلى بلاط مملكة "نورتون" للمطالبة باسترداد الحقوق السليبة في وادي "دور".

فمن الناحية القانونية الصرفة، ووفقاً لشرائع مملكة "نورتون"، كانت ميليسا هي الوريثة الشرعية لوادي "دور".

ولكن، بما أن ميليسا ورفاقها افتقروا للسند والسلطة بعد مصرع البارون "باك"، لم يجدوا بداً من الإذعان لهذا الواقع المفروض قسراً.

وحتى حين حاز إميل على قدر من السلطة، آثر -رغبةً في حماية عائلته- ألا يخوض في تلك "المياه العكرة".

لقد كان إميل يرى الأمور بوضوح؛ فعائلته تنعم بالسعادة والهناء الآن، ولا مطمع له في مزيدٍ قد يورد عائلته موارد التهلكة.

ففي مدينة "سوان"، وتحت ظلال حماية السيد "كلود"، كانوا يرفلون في أمانٍ تام.

ومع تقدمه في السن، ذبلت تلك التطلعات في نفس إميل، حتى أنه كف عن مفاتحة ابنه إريك أو غيره بهذه الشجون.

وعلى مر السنين، اتضحت لإميل حقائق كثيرة، وبعد تقصٍ حثيث عن هويته، تأكد يقيناً أنه "ابن غير شرعي" للبارون "باك".

ولحسن الطالع، تبين أن ميليسا لم تكن ابنة البارون، وهو أمرٌ لم يدرِ أكان بشارة خير أم نذير شؤم، فشعر بمرارة تسخر من القدر في خضم يأسه.

وبعد أن استمع هيراج لكل ذلك، قال بهدوء: "فهمت الأمر.. لا يساورك القلق، دع هذه المعضلة لي، فوادي دور سيعود حتماً إلى نصابه الصحيح".

عقب إميل محاولاً ثنيه: "دع عنك هذا، فلا حاجة لنا به الآن، نحن في حالٍ حسنة". لم يكن إميل يرغب في إثقال كاهل هيراج بهمومه.

لكن ميليسا ترددت، فقد كان في صدرها غصة وحنق شديد حيال ما جرى، رغم إدراكها للواقع المرير وإيمانها بأن سلامة العائلة تعلو ولا يُعلى عليها.

فمشهد هلاك عائلة البارون "باك" بتلك الصورة المأساوية أمام ناظريها كان جرحاً غائراً لا يندمل، وألماً لم يبارح مخيلتها طوال حياتها.

استشف هيراج ما يعتمل في نفس ميليسا فقال: "لا ضير في ذلك، فبالنسبة لي، هذا الأمر يسير ولا يشكل أدنى معضلة. وعلاوة على ذلك، فقد ثأرتُ لعائلة البارون باك بالفعل".

"ماذا تعني؟" تساءل إميل وميليسا في آنٍ واحد، وقد تعلقت أبصارهما به، مدركين أن ثمة سراً دفيناً أوشك على الانكشاف.

كان هذا الثأر حلماً مدفوناً في أعماق قلوبهما، عجزوا عن تحقيقه ولم يجرؤوا على مطالبة هيراج به خشية تعريضه للخطر.

وبطبيعة الحال، تعمد هيراج عدم الخوض في هذه الجزئية خلال سرده السابق.

قال هيراج بنبرة رصينة: "مالكولم.. لقد أجهزتُ عليه بيدي هاتين، وسحقتُ عظامه حتى غدت هباءً منثوراً".

ولأسباب تتعلق بالسلامة المطلقة، عمد هيراج إلى سحق "مالكولم" وتذرية رماده، محياً كل أثر لحياته ومبيداً روحه عن بكرة أبيها.

وقع الخبر على إميل وميليسا وقع الصاعقة، وكأنما غرقا في لجج ذكريات غابرة، ولم تلبث ميليسا أن أجهشت بالبكاء، نحيباً مراً يقطر وجعاً.

هرع إريك والبقية لمواساتها، وهم في حيرة من أمرهم؛ إذ لم يختبروا مثل هذه الفواجع، ولم يدركوا كنه هذا الحزن العميق الذي اعتصر قلب والدتهم.

اغرورقت عينا إميل بالدموع أيضاً، وبعد صمتٍ طويل، رمق هيراج بنظرة ممتنة وقال بصوت متهدج: "شكراً لك".

اختزلت هاتان الكلمتان فيضاً من المشاعر الجياشة، وأسهمتا في فك تلك "العقدة" التي جثمت على قلبي إميل وميليسا لردح طويل من الزمن.

وبعد فترة وجيزة، سكنت ثورة ميليسا واستعادت هدوءها تدريجياً.

حينها قال هيراج: "حسناً، دعني الآن أتفحص اعتلالاتك الصحية يا إميل".

"اعتلالات صحية؟" تمتمت ميليسا بذهول وهي تنظر إلى زوجها، فمن الجلي أنها لم تكن تعلم شيئاً عن سوء حالته.

ارتبك إميل قليلاً وتغيرت ملامحه، ثم هز رأسه ممانعاً: "أنا بخير، لا داعي للفحص".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط