الفصل 666: وداعاً يا ميليسا
انطلقت ثلة من شباب عائلة "تشيكي" بالفعل صوب المنطقة الحدودية الشمالية، لترتيب شؤون الحياة اليومية وإرساء دعائم العيش هناك. وبمجرد أن تكتمل أعمال التشييد الأولية، سيتوافد بعض كبار العائلة تدريجياً للاستقرار في ذلك الموضع أيضاً.
ومن المرجح أن تتخذ عائلة "تشيكي" من تلك الديار مستقراً لها لأجيال قادمة؛ ففي نهاية المطاف، وبالإضافة إلى المقارنة مع قمة جبل "ويستيريا"، فإن وفرة الموارد وكثافة ذرات الطاقة الطليقة هناك ستكون أكثر نفعاً وجدوى في صقل الممارسات السحرية لأحفاد العائلة وسلالتها.
وعلى الرغم من أن آل "تشيكي" قد استوطنوا هذه البقاع لأجيال مديدة، إلا أنهم استكانوا لهذا التحول بيسر وسهولة، فهذه فرصة سانحة وعظيمة، إذ لا تحظى إلا القليل من القوى في "الأرض القاحلة" بامتياز حيازة رقعة أرض في ذلك المكان.
لم يطل مقام "هيراج" في قمة جبل "ويستيريا"؛ إذ جاء فحسب لزيارة شيوخ عائلة "تشيكي"، فقد كان يرى أن من قبيل الإجحاف والتقصير ألا يمر عليهم بعد أن قطع كل هذه المسافة الطويلة إلى "الأرض القاحلة".
وبعد مغادرته لقمة جبل "ويستيريا"، عقد العزم على التوجه إلى وجهة أخرى لطالما تاقت نفسه لزيارتها، وهي قارة "كوليسون". كان "هيراج" قد نأى بنفسه عن قارة "كوليسون" لما يربو على ثلاثين عاماً، ولم يدرك مدى تسارع خطى الزمن إلا الآن. بالنسبة لساحر، قد تُعد الثلاثون عاماً برهة قصيرة، بيد أنها بالنسبة للأنام العاديين تناهز نصف عمر الإنسان.
لقد امتطى صهوة البحر بالسفينة للوصول إلى هنا، وظل ينجرف بين الأمواج لعدة أشهر؛ أما هذه المرة، فلن يفتقر إلى سفينة لتقله في رحلة العودة. وعلى مر السنين، دأب "هيراج" على تبادل المراسلات مع "إميل" بين الحين والآخر، فكان على دراية عامة بأحوالهما الراهنة.
لا يزال "إميل" و"ميليسا" يقطنان في مملكة "نورتون"، بل وقد خطّا له عنوان سكنهما في إحدى رسائلهما. ظل "هيراج" مستحضراً لهذا العنوان في ذاكرته، وبعد أن عبر خضم البحر، وطئت قدماه أرض الميناء الذي انطلق منه ذات يوم.
أمسكت "ميسو" بيد "هيراج"، وهي ترنو بفضول واستطلاع إلى هذا الميناء المتواضع، ويجافيها التصديق بأن "هيراج" قد انحدر من مثل هذا المكان البسيط. لم يكن ثمة سحرة معتمدون في الجوار، ولا حتى متدربون مبتدئون؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي تكحل فيها عينا "ميسو" بمثل هذا المشهد الخالي من القوى السحرية.
أوضح "هيراج" وهو يبتسم برفق: "السحرة هنا عملة نادرة، فكثير من العوام لا يدركون حتى كنه وجودهم".
أومأت "ميسو" برأسها موافقة، إذ لم تكن قد اطلعت على أخبار القارات الأخرى إلا بين دفات الكتب؛ وهذه هي المرة الأولى التي تضرب فيها في الأرض بعيداً عن ديارها، فاستبد بها الفضول تجاه كل ما تراه.
وسرعان ما استرعى حضور "هيراج" و"ميسو" أنظار المارة في أرجاء الميناء، فقد كانت سمات الوقار والسكينة البادية عليهما تختلف تمام الاختلاف عن البقية. وحتى ثيابهما كانت غير مألوفة، رغم أن تصميمها البسيط لم يكن ليجلب الأنظار كثيراً، إلا أن نسيج ملابسهما كان فريداً من نوعه بوضوح، إذ بدا ألين من الحرير وأبهى منه، وهو أمر لم تعهده أبصار الكثير من الناس من قبل.
يمكن اعتبار الثياب التي يرتديها "هيراج" و"ميسو" من قبيل القطع الأثرية السحرية، إذ صيغت من مواد صب خاصة، مما جعل مظهرها يباين الملابس العادية تمام المباينة. لقد غابت هذه التفاصيل عن ذهن "هيراج"، وإلا لكان قد ارتدى أسمالاً عادية لتلافي لفت الأنظار وإثارة الريبة.
اصطحب "هيراج" رفيقته "ميسو" إلى نزل، وبعد أن استبدلا ملابسهما بأخرى عادية، خرجا ثانية. سألت "ميسو" بتساؤل: "إلى أين وجهتنا الآن؟"
تأمل "هيراج" للحظة، ثم استذكر أن رسالة "إميل" الأخيرة قد ذكرت أنهما لا يزالان يقطنان مدينة "سوان"، ورغم أن المسكن المحدد قد تغير على الأرجح، إلا أن الأمر يستوجب التقصي والبحث في أرجاء المدينة.
كانت مدينة "سوان" هي الحاضنة لأكاديمية "نوسنتان"، وفي ذلك الزمان الغابر عندما هلكت عائلة البارون، لاذت "ميليسا" بالفرار مع من تبقى من الأتباع لطلب الحماية لدى معلمها، السيد "كلود"، وحطوا رحالهم في مدينة "سوان". وكما تبيّن لاحقاً، كان "هيراج" أيضاً تلميذاً للمعلم "كلود"، حيث نهل من علمه أساسيات السحر ولغة "سيفير".
توسم المعلم "كلود" في "هيراج" مخايل النباهة والإمكانات العالية، فقبله طالباً عنده، على أمل أن يغدو "هيراج" في مستقبل الأيام شخصية ذات شأن ومكانة. ومع ذلك، فقد انصرمت قرابة ثلاثين سنة في لمح البصر، ومن المرجح أن السيد "كلود" قد فارق هذه الحياة الدنيا؛ ولم يكن "هيراج" يدري ما الذي يسعه أن يقدمه لذكراه الآن.
عند وصوله إلى قارة "كوليسون"، لم يبتغِ "هيراج" التصرف بزهو أو لفت الأنظار. كان هذا المكان غاصاً بالأناس العاديين، حتى أن مجرد متدرب ساحر بسيط كان يمثل في نظرهم كياناً خارقاً يحيط به الغموض. ولو كشف "هيراج" عن هيئته "السلفية" الحقيقية، لخرّوا له سُجداً وبجلوه كإله معبود. والأهم من ذلك، أن هذا المكان يكتسي أهمية وجدانية خاصة في قلب "هيراج"، ولم يكن يرغب في تعكير صفو سلامته وهدوئه.
اشترى "هيراج" عربة واستأجر شيخاً فانياً نحيلاً ليكون سائقاً لها، والذي أقلهما بدوره إلى مدينة "سوان". وصلا إلى وجهتهما عند الغسق، فاستأجر "هيراج" نُزلاً ليستقرا فيه قبل أن يصطحب "ميسو" إلى المكان الذي كان يقطنه فيما مضى.
كان ذلك فناءً استأجرته "ميليسا" ذات مرة، وكان يعج بالناس في ذلك الوقت؛ حيث شكل "إميل" فرقة من المغامرين مع بعض حراس القلعة الذين نذروا أنفسهم لمرافقته، والاضطلاع بمهام شتى تحت إمرته. ولكن حينما بلغ "هيراج" العنوان الذي خطه "إميل"، وجد أن ملكية الدار قد انتقلت لغيرهم، وحين استفسر عن "إميل"، لم يكن الساكن الجديد على دراية بأي شيء، ويبدو أنه قد حلّ في المكان حديثاً.
وبعد أن أخفق في العثور عليهم هناك، قرر "هيراج" تقصي الأثر في أكاديمية "نوسنتان"، لعلّه يظفر ببعض الأخبار. وفي صبيحة اليوم التالي، شد "هيراج" و"ميسو" الرحال إلى الأكاديمية.
أصبح الولوج إلى أكاديمية "نوسنتان" يتطلب الآن تسجيلاً رسمياً، لذا أفصح "هيراج" عن رغبته في زيارة أصدقائه والبحث عن الآنسة "ميليسا". بحث حارس الأكاديمية في السجلات ملياً لكنه لم يعثر على أثر للآنسة "ميليسا"، ثم أبلغهم لاحقاً بوجود أستاذة في علم اللغويات تُدعى "ميليسا".
بغتةً، أدرك "هيراج" أنه بعد انصرام ثلاثين عاماً، لا بد أن الآنسة "ميليسا" الشابة قد ناهزت الآن الخمسين من عمرها. وبعد أن استوثق الحارس من "هيراج" أنه يبتغي بالفعل البروفيسورة "ميليسا"، ذهب لإخطارها بالأمر.
وبعد برهة من الانتظار، تناهى إلى مسامع "هيراج" وقع خطى متسارعة، فالتفت ليرى امرأة ممتلئة القوام قليلاً، في مقتبل العمر المتوسط، تركض نحوه بهمة، وبشكل يثير العجب كانت أسرع من ذلك الحارس الفتي.
"هيراج!" صاحت "ميليسا" وقد عرفته على الفور؛ فقد بدا كما فارقته قبل ثلاثين عاماً، باستثناء تلك البراءة الشبابية التي اضمحلت من تقاسيم وجهه، وظل محتفظاً بشبابه كما عهدته دوماً. كما استطاع "هيراج" تمييز "ميليسا" رغم تبدل ملامحها بشكل جذري، إذ لم تعد تشبه صباها إلا في ملامح يسيرة.
قال "هيراج" بابتسامة غمرها الحنين إلى الماضي: "ميليسا، لم تكتحل عيناي برؤيتك منذ أمد بعيد".
اندفعت "ميليسا" بلهفة، وأمسكت بيدي "هيراج"، وتفرست في ملامحه عن كثب، قبل أن تغلبه دموعها وتنخرط في بكاء مرير. سأل "هيراج" بوجل وقلق: "ما الذي ألمّ بكِ؟"
كفكفت "ميليسا" عبراتها وابتسمت من بين الدموع قائلة: "لا ضير، كل ما في الأمر أنني لم أكن أحتسب أن أراك ثانية. لقد كنت أنا و"إميل" والأطفال في خير حال طيلة هذه السنوات، ورؤيتك سالماً قد أثلجت صدري وأراحت بالي".
سأل "هيراج": "وأين هو "إميل" الآن؟"
أجابت "ميليسا": "لا بد أنه في أكاديمية الفرسان في هذا الوقت. ولو علم بنبأ عودتك، لاستطار فرحاً بكل تأكيد!"