لم تلبث المدينة أن تأهبت للنزال ؛ أو هكذا خُيّل لها في ظل هذه الظروف الحالكة.
لم يكن "أزاراكس " ليقصر هجومه على مجرى النهر فحسب ، بالطبع ؛ فكي يصرف تركيز "إيفي " عن حماية ذلك الامتداد الضيق من سور المدينة حيث تستقر البوابة الحديدية ، عمد إلى دفع محاربيه للتقدم على طول السور بأكمله.
هناك ، أمام أسوار المدينة ، تدفق محيط شاسع من الخوذات إلى الأمام ، ودوت أبواق الحرب كأنها الرعد القاصف. حيث كان المشهد أشبه بطوفان فولاذي يلتهم العالم ، طوفانٌ لا مفر منه ولا قبل لأحد بصده لم يعد يفصله عن الارتطام بأسوار الحصن المحاصر سوى دقائق معدودات.
بين هذا المحيط من الفولاذ ، لاحت أشكال هائلة لأبطال "متسامين " تنبعث منهم هالة رهيبة من الخطر المحدق. وبسحب من تلك المخلوقات الجبارة ، اندفعت أبراج حصار عملاقة ، يختبئ في جوفها المصفح عشرات الآلاف من الجنود.
كان مدافعو المدينة يتهيأون للقتال فوق الأسوار ؛ فوضعت جِعاب السهام على طول الشرفات ، وأُلقمت آلات الحصار بالمقذوفات الثقيلة ، واشتعلت النيران تحت أحواض فولاذية تُسخَّن فيها قدور الجير الحي ، تأهباً لإلقائها على الأعداء في الأسفل.
غير أن عدد الجنود على السور اليوم كان أقل بكثير من المعتاد ، فقد كان جلُّهم في مكان آخر...
لقد اختفى النهر العظيم تماماً ، كاشفاً عن قاعه الطيني. وهناك ، فوق أرضية خشبية أُقيمت على عجل ، اصطف آلاف المحاربين في تشكيل عريض ، مستعدين لمواجهة أشرس هجمات "حشد الفولاذ ".
كان "مورغان " و "نايت سائر " هناك أيضاً ، يقفان أمام الجنود ، يرمقان الأفق بتجهم.
لم تكن البوابة قد دُمرت بعد ، لكن كان من الواضح أن زوالها مسألة وقت لا غير. أما المتراس المؤقت الذي أُقيم من الطين والصخور والجليد أمامها ، فلم يزل صامداً ، وإن كان لا أحد يظن أنه سيصمد طويلاً.
كان قاع النهر الطيني قد أصبح اليوم ساحة معركة محتومة ، وحين تحين لحظة الصدام...
من يدري ؟ فقد يجري النهر بالدماء بدلاً من الماء هذا اليوم.
بينما تقف تحت السور ، مرتدية درعاً فولاذياً بدا كأنه طبقة ثانية من جلدها ، أخذت "إيفي " نفساً عميقاً ثم فعّلت قدرتها "المتسامية ". وفجأة ، تلالأ جسدها الوضاء وانفجر في عاصفة من النور ، لتنبثق منه هيئة عملاقة.
كانت أسوار المدينة تقارب المئة متر ارتفاعاً ، لكن حين تحولت "إيفي " كانت قامتها تتجاوز الأسوار ببساطة. حيث تمدد الدرع مع جسدها ، وكذلك القماش الأبيض المربوط حول خصرها وكتفيها - "جزء ضوء النجوم " تلك الذكرى التي حملتها معها منذ "الشاطئ المنسي ".
وحين وقعت أعين المدافعين ، على الأسوار وفي قاع النهر الجاف ، على قائدهم ، تعالت هتافاتهم ابتهاجاً ، وارتفعت أصواتهم إلى عنان السماء كزئيرٍ هادر ؛ وفي تلك اللحظة ، سَرَت في أجسادهم أصداء قوتها وصمودها الجبار. غمرت قلوبهم شجاعةٌ ضارية ، ولهفةٌ جارفة للبقاء.
وفي الوقت ذاته ، دوى صوتٌ رعدي فوق المدينة ، جعل الأرجاء ترتجف:
"كونوا أقوياء! كونوا أشداء! ولا تأخذكم بهم رحمة! "
كان ذلك "كاي " يقود المدافعين بقوة صوته الغامضة. أصغى العالم نفسه له ، فمنحهم قوة مضاعفة ، وجعلهم في منأى عن هالة الرعب التي يبثها نخبة محاربي "حشد الفولاذ " وملأ نفوسهم بجرأة لا تلين. حيث كانت "إيفي " بهيئتها العظيمة ، ترقب المحيط الفولاذي الزاحف بترقبٍ كئيب. وفي اللحظة ذاتها كان "كاي " يحدق إلى الأمام أيضاً.
لكنه لم يكن يراقب الجنود ، بل كان بصره يخترق المسافة الشاسعة بين سور المدينة وخط المنجنيقات العملاقة التي تقف بعيداً ، مصوبة جميعها نحو نقطة واحدة: مركز البوابة المعدنية التي تغلق الفتحة العريضة في سور المدينة المنيع.
(ما الذي ينتظرونه ؟)
كان الحشد قد بدأ حركته بالفعل ، لكن المنجنيقات ظلت ساكنة ؛ كانت ملقمة بالذخيرة ، لكن أمر الإطلاق لم يأتِ بعد.
ولم يطل الانتظار حتى جاءت الإجابة.
في الأفق البعيد كان رجل يقف على قمة تلٍ شاهق ، يراقب الحشد الزاحف بتعبير يمتزج فيه المكر بالنشوة. حيث كان الرجل فارع الطول ، عريض المنكبين ، ذو بنية قوية ، يغلفه درع متقن الصنع. حيث كان مهيباً ووسيم الملامح ، بجلد برونزي ، وشعر أسود ، وعينين زرقاوين ثاقبتين تتقدان بحدة مرعبة فوق لحيته الكثيفة.
كان جسده بالكامل ينبض بفيض من القوة الجامحة ، والرجولة الطاغية ، والسلطة المستبدة.
كان ذلك "أزاراكس " بلاء الفولاذ.
وحين أحس بنظرات "كاي " التفت "أزاراكس " برأسه قليلاً ، ورماه بنظرة خاطفة ثم ابتسم بخبث.
بعدها ، سار متجاوزاً المنجنيق القريب بخطوات وئيدة ، واستل فأس حرب ثقيلاً من حلقة في حزامه.
قذف "أزاراكس " الفأس في الهواء ، والتقطه بحركة مسترخية...
ثم انطلق فجأة للأمام ، مرسلاً الفأس ليشق السماء كمذنبٍ من نار.
كانت قوة رميته هائلة لدرجة أن التل الذي تحته اهتز ، وتصدعت الأرض تحت وقع موجة صادمة أطاحت بالمنجنيق الضخم تماماً ، محولة إياه إلى كومة من الحطام.
في تلك اللحظة ، أدرك "كاي " لماذا ظلت آلات حصار "حشد الفولاذ " ساكنة.
قطع فأس "أزاراكس " المسافة بين التل والبوابة الحديدية في ثوانٍ معدودة ، تاركاً خلفه ذيلاً من لهب. وقبيل لحظة ارتطام نصله بالبوابة ، تباطأ قليلاً...
كان ذلك "نايت سائر " يطوي المكان أمام البوابة ليحميها. فلم يكن يحاول صد المقذوفات التي أُرسلت لتدميرها ، بل كان يسعى لتحويل مسارها - ربما لإرسالها طائرةً لترتد إلى الحشد المهاجم.
غير أن قوة وإرادة "بلاء الفولاذ " الطاغية كانت أشد ضراوة ؛ فقد شق فأسه المكان ذاته ، جاعلاً كل محاولات "نايت سائر " هباءً منثوراً.
في اللحظة التالية ، ارتطم الفأس بحديد البوابة المسحور. لم تُخترق البوابة التي تمتد لأكثر من كيلومتر ، فحسب ، بل مُحيت تماماً ، وانهارت ككتلة مشوهة من المعدن ، إذ صُهرت مساحة واسعة منها فوراً لتتحول إلى نهر من المعدن السائل.
استمر الفأس في اندفاعه ، مهدداً بشق طريق دموي بين مدافعي المدينة المتجمعين في قاع النهر الجاف - وكان سيفعل ذلك لولا "مورغان " التي تقدمت وأمسكت به بقبضة حديدية.
تموجت ذراعها قليلاً لامتصاص الصدمة ، ثم عادت إلى هيئتها المعتادة.
رمقت "مورغان " الفأس المتوهج الذي ارتفعت حرارته لدرجة أنه بدأ يحرق معدن قفازها ، ثم امتصت الشفرة في جسدها بصمت ، وألقت بمقبضه الخشبي.
توهجت عيناها القرمزيتان بنور ناري للحظة ، قبل أن تعودا إلى حدتهما الباردة المعتادة.
"لقد انتهى الأمر. "
لم يعد للبوابة الحديدية وجود....كانت المعركة على وشك أن تبدأ.