كانت أربعة أشباحٍ تشق طريقها صعوداً فوق منحدرٍ وعرٍ وشديد الانحدار ، يكتنفها لفيفٌ من غيوم الضباب الأبيض الغامض. حيث كانوا "ملك العدم " و "السيد الظلال " و "نيفيس ذات الشعلة الخالدة " وفارساً فارع الطول مهيب المظهر يرتدي درعاً من حجر ، وهو "قديس اليشم ".
توارى الضباب من أمامهم ، مزاحاً بفعل إرادة "ملك العدم " ثم ما لبث أن عاد ليتدفق سادّاً مسدّ الفراغ خلفهم بعد لحظاتٍ من مرورهم.
ترددت أصداء خطواتهم في ذلك السكون المريب ، وعلى الرغم من أن شيئاً لم يلوح في الأفق مهدداً إياهم في تلك المساحة القفرة المكتظة بالضباب الدوار إلا أن الأربعة بدوا على أهبة الاستعداد للنزال.
كان شطرٌ من عقل "ساني " مشغولاً بمراقبة ما يحيط به ، باحثاً عن أي نذرٍ للخطر ، بينما كان الشطر الآخر يستحضر تلك الأوقات العصيبة التي قضاها في اجتياز "الجبال الخاوية " حين كان "قديساً " حيث كان أقرب إلى فقدان صوابه ، بالكاد يقوى على حفظ كيانه وسط تيارات العدم الفانية.
"لا داعي للقلق. "
جاء صوت "موردريت " بارداً خالياً من الاكتراث.
رمقه "ساني " بنظرة خاطفة ، ثم رفع حاجبه وقال:
"حقاً ؟ بل أرى أن هناك أسباباً جمّة تدعو للقلق ، فقد رأيتُ من الأهوال ما لا عين رأت في المرة الأخيرة التي وطئت فيها قدماي هذه الأرجاء. "
أومأ "موردريت " صامتاً:
"صدقت ، فالجبال الخاوية تضمرُ الكثير من المخاطر. و لكننا لا نزال في أطراف السلسلة الجبلية ، أما الأهوال الحقيقية فمكمنها في الأعماق. "
كان سماع ذلك مدعاةً لبعض الطمأنينة.
لقد كانوا بالفعل عند التخوم الخارجية للجبال الخاوية. أما عن سبب صعودهم إلى الأعلى بدلاً من البحث عن طريقٍ للنزول... فقد كان لذلك سببٌ وجيه.
تشير الأنباء المتناقلة بين رعايا "النطاق البشري " إلى أن "نيفيس " قد قصدت منطقة موتٍ لم تُستكشف من قبل ، لكن ذلك لم يكن دقيقاً تماماً ؛ إذ سبق لأحدهم استكشاف "العالم السفلي " في الماضي ، وعلى رأسهم "السيف المكسور " ورفاقه.
والأهم من ذلك أن "نيفيس " قد ولجت "العالم السفلي " من قبل ، وإن كان ذلك في حلمٍ من "الكوابيس " لا في الحقيقة. ولا ريب أن مملكة "شيطان القدر " قد تغيرت كثيراً على مر آلاف السنين ، بيد أن شيئاً من معرفتها السابقة ظل قائماً ، وهو ما وجه قرارهم بشأن مكان الدخول.
يظن جلّ العارفين بوجود "العالم السفلي " أنه فضاءٌ واحدٌ مدفونٌ في أعماق الأرض ، في عظام الثرى ، لكنهم ليسوا على صواب تماماً. ففي الواقع ، يتألف "العالم السفلي " من ثلاث طبقاتٍ تقريباً و كل واحدةٍ منها أشد خطراً من سابقتها. و كما أنه ليس كهفاً عملاقاً واحداً ، بل نظامٌ متصلٌ من تجاويف هائلة عديدة.
كانت الطبقة العليا -وهي أكثرها أماناً- مخبأة داخل الجبال نفسها ؛ ففي نهاية المطاف لم تكتسب "الجبال الخاوية " اسمها من فراغ. فهي في جوهرها خاوية من الداخل ، حيث تشكل كل قمةٍ منها كهفاً عمودياً ضخماً يتسع كلما تعمقت نحو الأسفل.
لقد قامت مستوطنات لـ "القديسين الحجريين " داخل تلك القمم الخاوية في سالف الأزمان ، وكان هذا هو المكان الذي يتصل فيه "العالم السفلي " بالعالم الخارجي ، أو بالأحرى بالعوالم الأخرى. وفي ذروة حضارة "القديسين الحجريين " كانت الطبقة العليا من الجبال الخاوية مركزاً تجارياً يأتيه الغرباء للتجارة أو للبحث عن ممرٍ يؤدي إلى عوالم أخرى عبر "العالم السفلي ".
وقد دأب الكثيرون على المجيء لأداء طقوس الدفن والسهر المقدس ، ظناً منهم أن ذلك يضمن رحلةً آمنة لظلال موتاهم.
إلا أن المستوطنات الموجودة في القمم الخاوية للجبال الشاهقة لم تكن سوى أطراف حضارة "القديسين الحجريين " ؛ إذ كان قلبها النابض يكمن في الطبقة الوسطى من "العالم السفلي " التي تقع تحت الجبال ، غارقةً في ظلامٍ سحيق.
وهناك كان يتربع عرش "نيذر " والمدينة المحيطة به ، حيث عاش معظم "القديسين الحجريين " بالقرب من حصن صانعهم.
وأخيراً كانت هناك الطبقة الدنيا ، وهي أعمق أجزاء "العالم السفلي " مخبأةً في أعماقٍ لا يغشاها نور ، وهي من الرهبة والخطر بمكانٍ لا يطيق معه حتى "القديسون الحجريون " العيش فيها. وهناك تقع الفجوة المؤدية إلى "الهاوية " حيث تقطن أهوالٌ لا يدرك كنهها إلا الاله ، تولدت من الظلام الحقيقي.
ومن محاسن الصدف أن هذا هو الجزء الوحيد من "العالم السفلي " الذي زارته "نيفيس " بنفسها. ففي "كابوسها الثاني " تقمصت الجسد المحطم لأحد مخلوقات "نيذر " الفاشلة ، وحاولت بناء مجتمعٍ للمخلوقات الأخرى التي تقطن الظلام ، ممن نبذهم العالم لم يلبث ذلك المجتمع أن أُبيد عن بكرة أبيه على يد هولٍ انبثق من "الهاوية ".
لذا لم تكن لديها معرفةٌ شخصية بالطبقات العليا من "العالم السفلي " سوى حكاياتٍ وقصصٍ تناقلها المنبوذون الآخرون. ورغم ذلك كانت تلك القصص تنطوي على معلوماتٍ وافرة ، مكنت "ساني " من خصم بعض الأمور.
كان يعلم أنه رغم إمكانية ظهور "بوابات الكوابيس " في أي مكان إلا أنها تنجذب نحو الأماكن التي تضج بوجود الكائنات الحية. وبالمثل ، فإن "بذور الكوابيس " لا تنمو اعتباطاً ؛ إذ تظهر غالباً في الأماكن التي شهدت أحداثاً مريعة في الماضي.
لا بد من وجود من شهد ذلك الرعب ، مما يعني أن "البذور " هي الأخرى تترعرع في الغالب في أماكن سكنتها كائناتٌ حية يوماً ما.
كانت غاية هذه البعثة هي العثور على المكان الذي لقي فيه "السيف المكسور " حتفه ، والأرجح أن ذلك الموقع يقع بين مكان "بذرة الكابوس " التي قهرها هو ورفاقه ، وبين البقعة التي انقلب فيها عليه "السياديون ". وبما أن "القديسين الحجريين " قد استوطنوا الطبقتين العليا والوسطى من "العالم السفلي " فلا بد أن "البذرة " كانت هناك أيضاً.
وعليه لم يضطر "ساني " و "نيفيس " إلى بدء بحثهما من الجزء الأكثر خطورة في "العالم السفلي " بل على العكس ، فإن التوجه إلى أكثر أجزائه دعةً سيكون أجدى لهما.
ولهذا السبب أقنعوا "موردريت " بأن يدلهم على مدخل إحدى القمم الخاوية ، وها هم ذا يتسلقون الجبل الآن.
وما هي إلا فترة وجيزة حتى وجدوا شيئاً لم يتوقع "ساني " رؤيته في "الجبال الخاوية " قط ؛ بقايا طريقٍ قديمٍ متهالك. حيث كان الطريق يلتف حول الجبال ، يزداد ارتفاعاً ، تكتنفه أعمدةٌ سوداء شاهقة ، ترتفع على جانبي الطريق بمسافاتٍ متباعدة.
كان بعض الأعمدة محطماً ، وبعضها الآخر قد سقط ، ملقىً الآن على الصخر البارد وسط الضباب. أما تلك التي لا تزال قائمة ، فقد أثارت في نفس "ساني " شعوراً غريباً. وبدافعٍ من حدسه ، أحدق في أعماقها فلاحظ مشهداً مألوفاً.
كانت هناك خيوطٌ ماسية مغروزة في الأعمدة ، تشكل أنماطاً معقدة. حيث كانت هي ذاتها السحر الذي استخدمه "نيذر " لبعث الحياة في "القديسين الحجريين " وهي نسخةٌ بدائية من "نسيج السحر " الذي طوره لمحاكاة سحر الشياطين الأقدمين. حيث كان ذلك النسيج القديم ميتاً الآن ، خاملاً من السحر ، لكن لا بد أن هذه الأعمدة قد أدت يوماً ما غرضاً مهماً.
'هل كانت مصممةً لصد الضباب ؟ '
لم يأتِ الجواب ، ولم يكن هناك من يُسأل.
تسارعت خطاهم بعد العثور على الطريق القديم.
وسرعان ما تجلى لهم مدخل "العالم السفلي ".