في وقتٍ عصيبٍ بلغت فيه الحاجةُ مداها ، اختفى ستةٌ من أقوى أبطال النطاق البشريّ ، متوغلين في أعماق "كابوسٍ " محفوفٍ بالمخاطر.
إيفي ، وكاي ، وجيت ، ومورجان ، وسيشان ، ونايت سائر...
عرفتهم الآدميةُ محاربين عباقرة وقادةً فذين. وفي مجمع الأبطال الذين سلكوا "درب الصعود " لم يكونوا يبتعدون عن الآلهة الحقيقية - "النجم المتغير " و "ترنيمة الساقطين " بل وحتى "ملك العدم " - إلا بخطوةٍ واحدةٍ.
كان كلٌّ منهم أسطورةً تمشي على الأرض. فـ "التي ربتها الذئاب " و "نايتينغيل " عُرفتا بكونهما الرفيقتين المخلصتين لـ "النجم المتغير " وقد خاضتا غمار أهوالٍ لا تُحصى جنباً إلى جنب مع إلهة البشرية. و لقد حظيتا بالتبجيل والمحبة ، إذ فتحتا اثنتين من أعظم المستوطنات البشرية في "عالم الأحلام " وحكمتاهما "الحصن " و "قلب الغراب ".
أما "حاصدة الأرواح " جيت ، فلم تكن بحاجةٍ إلى تقديم ؛ إذ تضاهي شهرتُها سوءَ سمعتِها ، وما من إنسانٍ حيٍّ إلا وكان يكنُّ لها الإعجاب أو الخوف... أو كليهما. ومع ذلك أجمع الجميع على أنه لا وجود لقديسةٍ أكثر فتكاً منها. وفي الوقت ذاته ، بين صفوف القوات الحكومية كانت سمعتُها تضارع سمعة الآلهة البائدة نفسها.
وحمل كلٌّ من "مورجان الفالور " و "سيشان الترنيمة " أساطيرهما الخاصة ؛ أساطيرَ صاغوها بأيديهم ، وأخرى واسعةً ورثوها عن "العشائر العظمى " التي اندثرت.
وغنيٌّ عن القول إن "نايت سائر " - ذلك النموذج الذي يُعدّ من أكثر نماذج الجيل الأول إنجازاً وغموضاً ، والذي اختفى دون أثرٍ ليظهر مجدداً بعد عقودٍ من إعلان وفاته - كان هو الآخر أسطورةً حية.
لم تكن المعلوماتُ حول وجهتهم خافية ، وسرعان ما ضجّ العالمان بالنقاشات حول ما إذا كانوا سيغدون الفوج الثاني الذي يقهر "الكابوس الرابع " أم أنهم سيهلكون في أعماقه.
كان هؤلاء الستة أبطالاً تواترت سيرتُهم على ألسنة عامة البشر...
لكن بالنسبة لـ "ساني " كانوا مجرد أصدقاء. وبدا العالمُ خالياً بشكلٍ موحشٍ في غياب إيفي وكاي وجيت.
في إحدى غرف "برج الأمل " استقرت ستُّ "ذكرياتٍ " على لوحٍ من الرخام الأبيض. حيث كانت كلُّ واحدةٍ منها تخصُّ واحداً من القديسين الستة الذين تحدوا "الكابوس الرابع " ؛ فما داموا على قيد الحياة ، فإن هذه الذكريات لن تتلاشى.
أما إذا حلّ بهم مكروهٌ أثناء خوض التجربة ، فإن تلك الذكريات ستنهار في دوامةٍ من الشرر وتتلاشى إلى الأبد.
في الأسابيع التي تلت الرحلة إلى القارة القطبية ، اكتسب ساني عادة زيارة "غرفة الذكريات " وتأملها ، متسائلاً عما يمر به أصدقاؤه هناك ، في خضم تلك المحنة العنيفة للكابوس.
وبطبيعة الحال لم يكن هناك جوابٌ ؛ ولن يكون كذلك لفترةٍ طويلة. و لكن رؤية الذكريات سليمةً كانت تمنح ساني قدراً من السلوى.
وعلى الرغم من ذلك لم يكن لديه متسعٌ من الوقت ليغرق في تأمل الذكريات الست ؛ فالعالم كان ما زال يتهاوى.
فكل ما كان يفتك بالنطاق البشريّ سابقاً تفاقم الآن ؛ سواءٌ لأن نهاية العالم كانت تشتد وطأتها ، أو لأن ستةً من أعمدة البشرية قد فُقدوا. ولم يكن العالمُ يفتقد قوتهم الشخصية فحسب ، بل نفوذهم وقيادتهم أيضاً.
وبالطبع ، برز آخرون لمحاولة ملء الفراغ ، لكن أحداً لم يستطع حقاً تعويض أولئك الستة الذين توغلوا في الكابوس.
ونتيجةً لذلك اتخذ الوضعُ مساراً كئيباً لفترةٍ طويلة.
استمر الصدع في حدود العالم في التوسع ، وتدفقت المزيد من "مخلوقات الكابوس " إلى عالم اليقظة. واضطر ساني ونيفيس إلى التخلي عن خطة إعادة التوطين المُعتمدة ، والإسراع في إجلاء الملايين إلى "عالم الأحلام " رغم أنه لم يكن مستعداً لاستيعاب هذا النمو السكاني السريع.
كانت نقطة النجاة هي "بحر العواصف " حيث كانت المدن العائمة تتوسع بسرعةٍ بمساعدة "شعب النهر ". وقد انضمت "أنانكي " شخصياً إلى جهود البناء ، مما سرّع وتيرة الإنجاز بشكلٍ هائل. وبالطبع لم يكن توسيع تلك المنطقة الخطرة من "عالم الأحلام " بلا مخاطر ؛ فبدأت معاركُ بحريةٍ مرعبة تنفجر فيها بوتيرةٍ متزايدية.
في ظل هذه الظروف ، أُتيحت الفرصة لجيلٍ جديدٍ من المحاربين ليُثبتوا جدارتهم. فقد أثبتت ابنة "زهرة الريح " وحفيدُها أنهما خليفتان جديران بسلالتهما العريقة ؛ بينما صاغ قديسو الليل ومحاربوهم سمعةً جديدة لعشيرتهم البائدة في غياب مؤسسها. وبشكلٍ غير متوقع - أو ربما على العكس تماماً - برز رجلٌ يُدعى "جونلاوج " محارباً جنباً إلى جنب مع القديسين رغم أنه لم يكن يتعدى كونه "مُصعداً ". كان نمطُه القتاليُّ ملائماً بشكلٍ فريد للمعارك الضارية في أعماق "بحر العواصف " وذكّر إصرارُه الصارمُ الناسَ بلقبه القديم "الغواص المظلم " قبل أن يُصبح لورد القلعة المشرقة.
ومن الأفواج الأخرى التي اكتسبت الشهرة والاحترام في "بحر العواصف "... كانت "تامار الأسى " ومحاربوها.
تزايدت أهمية "حصون بحر العواصف " بشكلٍ كبير ، لذا كان لزاماً على النطاق البشريّ حشد المزيد من القوات للدفاع عنها. وأرسل ساني بضعة أفواج من "عشيرة الظل " إلى هناك. وفي الوقت نفسه كان "بحر العواصف " هو الوجهة التالية التي اختارتها "رين " التي أرادت المشاركة في بناء المدن العائمة إلى جانب "شعب النهر ".
وهكذا ، أصبحت واحدةً من مبعوثيه هناك. فلم يكن من المفترض بـ "رين " وفوجها الانخراط في الكثير من المعارك ، لكن لا وجود لـ "مُستيقظ " يستطيع النأي بنفسه عن القتال أثناء نهاية العالم. وبما أن الـ "مُصعدين " كانوا ما زالوا قلةً نسبياً ، سرعان ما نالت "تامار " شهرةً بين المحاربين المحليين ، واكتسبت سمعة بصفتها "السيدةً " شابةً قويةً تقود فوجاً من المقاتلين الاستثنائيين.
لكن ، بالطبع لم يعنِ النجاحُ المحدود في "بحر العواصف " اختفاءَ كافة المشكلات الأخرى التي كانت على ساني ونيفيس مواجهتها.
فالآدميةُ كانت محاصرةً من كل جانب ؛ حدودُ العالم تزداد هشاشةً مع مرور كل شهر ، وبوابات الكابوس تواصل الانفتاح في أرجاء عالم اليقظة ، ومخلوقات الكابوس في "عالم الأحلام " تهاجم مدن الحصون بضراوةٍ متزايدية. ووسط كل هذا كان رفاقُهم الأعزُّ مفقودين ، يخاطرون بكل شيءٍ في الكابوس. انغمس ساني ونيفيس في بوتقة نهاية العالم ، مطلقين العنان لقواهما العظمى دون تحفظ. كانا يقاتلان بضراوةٍ وتواترٍ أكبر من أي وقتٍ مضى ، بالكاد يجدان وقتاً للراحة. و لقد كان وقتاً مليئاً بالضغوط... وزماناً مرعباً.
ولكن ، من المفارقات ، أن ساني شعر بسعادةٍ لم يشعر بمثلها من قبل.