Switch Mode

عبد الظل 2970

الفصل 2970: الظلام الحارق +


سماواتٌ تتبدل ، وأوجهٌ للنهر العظيم تتغير ، بين ليلٍ ونهار...

هوى "ساني " و "نيفس " و "طائر السرقة " عبر أبعاد الزمان والمكان ، تاركين خلفهم أثراً من واقعٍ متهالك. حيث كانت تجربةً عجيبةً لم يسبق لأحدٍ غيرهم أن خبر كنهها ، ومع ذلك لم يلقوا لها بالاً ، فقد كانوا غارقين كلياً في محاولة القضاء على بعضهم البعض. مزّق "ساني " لحم "طائر السرقة اللعين " محاولاً الوصول إلى قلبه وانتزاعه ، بينما كان الطائر يطلق صرخاتٍ حادةً ونعاباً مدوياً ، ممعناً في جرح "ساني " و "نيفس " بمخالبه الحادة ، وناخساً أجسادهما بمنقاره. أما "نيفس " فكانت تتوهج كالنجم ، محيلةً الهواء من حولهم إلى رماد ، في سعيٍ دؤوبٍ منها لإحالة ذلك "الرعب الملعون " إلى هباء.

في خضم هذا النزال المميت ، حيث كان عدوٌ يفوق في فتكِه كل من واجهوه من قبل يتربص بهم ليرديهم قتلى كان لزاماً عليها أن تدفع بقوتها إلى أقصى حدودها ، مبتكرةً في غمرة القتال طرائق جديدة لتوجيه طاقاتها. غمر اللهب الأبيض "طائر السرقة " ثم ما لبث أن احتواه ظلٌ شاسعٌ لا يُسبر غوره ، فكان يحرق "الرعب الملعون " لكنه في الوقت ذاته كان يداوي الظل بدلاً من أن يحرقه.

هكذا كان "ساني " ينجح في النجاة تحت وطأة الهجوم المرعب للإله الملعون في تلك اللحظة ، وهو ما حال دون فنائه حتى الآن تحت وطأة النقاء القاسي لروح رفيقته المتألقة. وبينما كانت كياناتهم تتصارع بشراسة عبر متاهةٍ لا تنتهي من الزمان الممزق كانت إراداتهم هي الأخرى مقيدةً في نزالٍ ضارٍ.

كان "طائر السرقة " قد وهن بفعل اللعنات الثلاث ، لكن إرادته البغيضة ظلت شاسعةً كالسماء ، وعميقةً كالمحيط ، طاغيةً ومروعة. ومع ذلك لم يكن "ساني " و "نيفس " عاجزين في هذا التصادم الإلهيّ ، لا سيما حين كانا يعملان نحو هدفٍ مشترك بتناغمٍ تام و ربما لم يبلغ مجموع إرادتيهما العظيمتين سطوة إله ، ولكن حين يتعلق الأمر بنية القتل والعزم الذي لا يلين على الإجهاز على الخصم لم يكن لهما نديد.

ألم يكونا ابني "عالم الحرب " ؟ لقد صقلتهما "تميمة الكابوس " ومرستهما ، إذ عاشا حياةً لم تكن إلا فصولاً من سفك الدماء والنزاع. و لقد صاغ ماضيهما منهما قاتلين ، ومحطمين للأشياء ؛ فكان ذلك هو السبيل الوحيد للعيش الذي عرفاه ، وهو الميدان الذي بَرعا فيه أكثر من غيره.

كانت مواجهة "رعب ملعون " صدمةً في البدء ، لكنهما الآن ، وقد انغمسا في القتال ، وخطيا على الحبل الرفيع الفاصل بين الوجود والعدم ، باتا يتعلمان سريعاً كيف يواجهان عدوهما المرعب. و لقد كان "طائر السرقة " عريقاً ، وعظيم القدرة ، يبدو أن حيويته لا تنفد... ومع ذلك كان في الوقت ذاته معتوهاً وبهيمياً ، قد دفعه الفساد إلى الجنون. أو ربما لم يكن سوياً منذ الأزل ؛ فلو لم يكن كذلك لِمَ يُقدم على سرقة عين "النسّاج " رغم علمه بأن مخالفته لـ "شيطان القدر " هي على الأرجح أحمق فعلٍ قد يقترفه كائن ؟

لذا حتى وإن كان "طائر السرقة " من الصلابة بمكانٍ بحيث تتردّد هجمات "الجبابرة العظام " عنه كقطرات المطر ، وحتى وإن لم تظهر عليه علامات الجراح البالغة رغم تضافر قواهما في الهجوم عليه... فقد كان يضعف شيئاً فشيئاً. كلما ألحقا به جرحاً ، تسربت منه حيويته التي بدت لا حدّ لها ، وكلما هشّما إرادته ، تضاءلت قوتها التي كانت تبدو مستحيلة القهر.

حدث هذا رغم أن إرادتيهما كانتا تشعران بفتورٍ متزايد مع تعاقب ضربات العدو المروعة التي أثقلتهما بالألم ، دافعةً بهما نحو حالةٍ من الهياج الجنوني. حيث كانا يندفعان عبر سماءٍ مرصعة بالنجوم ، والنهر العظيم يلمع بريقاً في الظلام البعيد تحتهما. وبعد لحظة اخترقا شقاً في الواقع المتهالك وفرا نحو ضياء النهار المبهر ، محلقين على ارتفاع أمتارٍ قليلة فوق سطح الماء. ثم غاصا في التيارات الباردة ، مما جعل سطح النهر العظيم يتموج ، وارتفعت من أثرهما أمواجٌ هائلة.

ثم... وجدا نفسيهما فجأةً محاطين بظلامٍ دامس ، ومياهٍ ساكنة تمتد على مد البصر. وكانت هناك هيئة مألوفة أمامهما مباشرةً ، تنهض من تربة جزيرةٍ واسعة كأنها مسلةٌ سوداء. و لقد كانت "برج أليثيا ". وقبل أن يدرك "ساني " ما الذي يحدث ، اصطدم الثلاثة به ، محطمّين معظم طوابقه الوسطى ، ومرسلين قمته لتهوي من فوق التلة.

انهالت أمطارٌ مدمرة من حطام الحجارة على الجزيرة المظلمة ، مقتلعاً أعداداً لا تحصى من الأشجار ، وتدحرجت قمة البرج لتصطدم بالغابة ، مدمرةً مساحةً واسعة منها. وبعد لحظة كانا قد انتقلا إلى مكانٍ آخر ، وفي زمنٍ مغاير. حيث كانت السماء تضطرم بمليون لونٍ من القرمزي ، والهواء يضج بخرير مياهٍ هادرة ، وشلالٌ عظيم يمتد في كلا الاتجاهين تحتهما ، وهاويةٌ سوداء سحيقة تمتد من بين غيوم الرذاذ الدقيق إلى ما لا نهاية.

كانت هناك أطلال مدينةٍ مهجورة تنجذب نحو "الحافة " وقد عرفها "ساني " ؛ إنها "النعمة الساقطة " "النعمة الساقطة " بعد أن هجرها آخر "قوم النهر " بحثاً عن مأوى في "السفينه " الذي بناه "دايرون بحر الغسق " والملك "كرونوس ".

وبينما كانت كتلة اللهب الحي التي تنهش "طائر السرقة " ترتفع ، متخذةً هيئةً بشريةً غامضة ، رافعةً شعاعاً هائلاً من الضياء الخالص كأنه سيف لتهوي به على عنق ذلك "الرعب البغيض " سقطت أولى سفن الجزيرة فوق "الحافة " متواريةً في تيارات المياه المتساقطة ، ومندفعةً نحو الظلام الأبدي في الأسفل.

وبعد لحظة كانا في مكانٍ آخر. إذ تحرك الدرع الأسود لسُلحفاةٍ هائلة عبر الماء تحتهما. وبينما وجهت "نيفس " "البركة " بكل قوتها الجبارة ، أطلق "طائر السرقة " نعاباً حاداً ولوى عنقه ، متفادياً الضربة بطريقةٍ ما — وهو أمرٌ ما كان ليحدث وفقاً لقوانين الكون — ولكن "نيفس " أخطأت الهدف. فهوت "البركة " كشعاعٍ من ضوء الشمس وشقت الدرع الأسود تحتهما ببراعة ، قاطعةً الوحش العظيم إلى نصفين. وقبل أن يمتزج دمه بالماء كانا قد تجاوزا الأفق. تفتت الواقع مرةً أخرى ، واخترقا الشق المتسع ، هاربين نحو النور.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط