Switch Mode

Shadow Slave 2821

الفصل 2821 فوق سطح السفينة


في ذكرى أخرى، كانت حاصدة الأرواح "جيت" تتأمل المدى الشاسع لـ "حديقة الليل"، بينما كانت الحياة تتدفق ببطء من روحها المحطمة، قطرة تلو أخرى، كما كانت تفعل دوماً.

رفعت ثمرة ذهبية إلى فمها، وقضمت منها مضغاً لبها ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ملامح تفكير عميق. أطالت النظر في الفاكهة وهي تقول في نفسها: "تناول الفاكهة كل يوم..."

لم يسبق لها أن رأت فاكهة قط خلال فترة إقامتها في الضواحي، ناهيك عن أن تتذوقها؛ فالحياة كانت مليئة بالمفاجآت، وتجري فيها المقادير بما لا تشتهي السفن.

أخذت قضمة أخرى، وواصلت مراقبة المساحة النابضة بالحياة للطوابق المتراصة في الأسفل. لقد بدأت الأمور تتخذ منحىً غريباً في "حديقة الليل".

كانت السفينة تحلق حالياً عبر هاوية السماء المظلمة التي لا حدود لها، أسفل الجزر المقيدة، فلم يكن فوقها شيء سوى فراغ سرمدي، أما تحتها، فكان يمتد بحرٌ هائل من النيران، وكأن "حديقة الليل" تبحر فوق سطح نجم مستعر.

كانت الحرارة المتصاعدة من محيط اللهب الإلهيّ هي ما يُبقي السفينة العملاقة طافية في الهاوية الفارغة. لا يعني ذلك أنها كانت تنزلق على تيارات الهواء الدافئ المتصاعدة، بل كان هيكل "حديقة الليل" يمتص تلك الحرارة ويحولها إلى سيول من الجوهر للحفاظ على سحرها الكامن.

كان ذلك نبأً ساراً، إذ أصبحت السفينة تستهلك كمية هائلة من الجوهر الآن بعدما غدت تبحر في الهواء بدلاً من الماء، وقد أصبحت قادرة على ذلك بعدما خضعت للإصلاح والترميم في رصيف المدينة الخالدة، من بين تحسينات أخرى.

اتضح أن جعل "حديقة الليل" تطير أمرٌ في غاية البساطة، فهي لم تعتمد قط في إبحارها على الرياح أو محركات الدفع، بل كانت تتحرك بفضل السحر الإلهيّ الذي خلفه شيطان السكينة. لذا، إذا كان ربانها ماهراً وقوياً بما يكفي، فبإمكان هذه السفينة الحية أن تبحر بسهولة في الهواء عوضاً عن الماء، أو حتى في قلب العدم إذا اقتضى الأمر.

كانت المشكلة تكمن ببساطة في أن كمية الجوهر اللازمة لرفعها في الهواء كانت مرهقة للغاية بالنسبة لقائد من رتبة "المتعالين". فمن الواضح أن كائنات بهذه الرتبة لم تكن مُهيأة للتحكم الكامل في هذا الوعاء الحي، ولأن القائد لم يكن بوسعه تعويض الجوهر الذي تستهلكه "حديقة الليل" من جوهره الخاص، فقد كان لا بد من وجود مصدر خارجي لإبقائها معلقة في الهواء لفترات طويلة؛ شيءٌ أشبه بعاصفة هوجاء، أو بحر من اللهب الإلهيّ يحترق في هاوية سحيقة.

كانت مهمة إجلاء سكان "ملاذ نوكتيس" مفاجئة وطموحة في آنٍ واحد. حيث سافرت سفينة "حديقة الليل" إلى الجزر المقيدة عبر بوابة الأحلام، بقيادة قديسي الليل: "نيفيس"، و"إيفي"، و"بلوود ويف"، و"نايت ووكر" نفسه. ومع تناوب الأربعة على قيادة السفينة، بالكاد استطاعت السفينة الحية الحفاظ على طفوها.

وصلت سفينة "حديقة الليل" إلى الملاذ - تلك المدينة التي امتدت الآن على ست جزر حول "ملاذ نوكتيس" - حيث صعد إليها جميع السكان المحليين على عجل، وانضم إليهم القديسان "تيريس" و"روان"، بالإضافة إلى محاربي عشيرة "الريشة البيضاء" المستيقظين. ثم غاصت السفينة الحية في السماء السفلى قبيل نزول "ملك العدم" على الجزر المقيدة قادماً من الجبال الخاوية.

وها هم الآن يطفون فوق بحر اللهب، بينما رحلت "نيفيس" إلى حيث وجهتها، وكان العالم الفاني ينهار ببطء في مكان ما بعيداً فوقهم.

كانت "حديقة الليل" مكتظة بالسكان بشكل كبير في ذلك الوقت، ورغم أن الجميع كانوا يعيشون في ظروف ضيقة، إلا أن الزاد كان وفيراً للجميع. وكان على متنها أيضاً القديسون السبعة: "جيت"، و"نايت ووكر"، و"بلوود ويف"، و"إيفي"، و"نيفيس"، و"تيريس"، و"روان". لذا، حتى لو نفدت بعض المؤن، فبإمكانهم جلب المزيد من العالم الواقعي.

لكن المعضلة كانت تكمن في مكان آخر.

أخذت "جيت" قضمة أخرى من الفاكهة، وضيّقت عينيها وهي تراقب حركة الناس على الطوابق الرئيسية لـ "حديقة الليل". بدا كل شيء على ما يرام، ومع ذلك شعرت بريبة؛ فقد كانت هناك تيارات خفية وعلامات صراع داخلي لا تخطئها العين، ولكن كان هناك شيء آخر أيضاً.

كانت تعلم أن معظم سكان قلعتها العاديين قد سقطوا بالفعل ضحيةً لتأثير "أستريون"، أما ولاء المحاربين المستيقظين فكان محط ارتياب. صحيح أن هناك طرقاً عديدة للتأكد من انتماء شخص ما إلى "عالم الأحلام"، لكن "جيت" شكّت في أن أياً منها جدير بالثقة حقاً.

في واقع الأمر، كانت على استعداد للمراهنة على أنه حتى لو لم تكن هناك طريقة منطقية لخداع الاختبارات، فإن مخلوقات الأحلام قد وجدت منذ أمد بعيد سبيلاً للقيام بذلك.

تصرف الجميع كعادتهم، لكن في الوقت ذاته، أثار الكثيرون شكوكها. لذا قامت "جيت" والقديسون الآخرون، بالإضافة إلى الضباط "الصاعدين" تحت قيادتهم، بوضع القوات التي اعتبروها جديرة بالثقة - أو هكذا أملوا - بالقرب من العناصر الحيوية للنظام البيئي للسفينة الحية.

كان الموالون والخونة، والمؤمنون والمرتدون، على متن "حديقة الليل" يدخلون باستمرار في صراعات صغيرة، وكان الجنود تحت قيادة "جيت" يبذلون قصارى جهدهم لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة.

كانت السفينة الحية أشبه ببرميل بارود على وشك الانفجار، ومرت الأيام في أجواء مشحونة بانعدام الثقة والتوتر، وبدا وكأن نُذر تمرد تلوح في الأفق.

مضغت "جيت" الفاكهة الذهبية بهدوء. لو ثار سكان "حديقة الليل" العاديون، حتى لو انضم إليهم جنود المستيقظين، فلن يتمكنوا من السيطرة على السفينة الحية؛ ببساطة لأنهم لن يستطيعوا هزيمة القديسين السبعة الذين يحرسونها. ومع ذلك، لم تكن "جيت" تشك في عامة الناس والمستيقظين فحسب، بل كانت تضع الجميع في سلة واحدة؛ لذا لم تكن تثق تماماً بضباطها "الصاعدين"، وكانت تراقب القديسين الستة الآخرين - حتى "نايت ووكر" - بعين حذرة ومليئة بالشك.

كانت هناك بالتأكيد أمور مثيرة للريبة تحوم حولهم، حيث لاحظت "جيت" تزايد التناقضات الغريبة يوماً بعد يوم، هذا إن لم تكن كل تلك الهواجس مجرد أوهام من نسج خيالها.

وربما كانت تراودهم هم أيضاً ذات الأفكار تجاهها.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط