الفصل 1670: وأدُ الأوهام
ما الوهم ؟
هو أن تفرض إرادة المرء الواهية على واقعٍ لا يمت لها بصلة.
قد يبدو الأمر مضحكاً ، وكأن الحماقة وحدها هي التي تدفعنا لذلك.
بيد أننا:
في مقاعد الدراسة ، كنا نمني أنفسنا ببارقة أمل ، أن نفتح مغاليق الفهم ، فتعتلي درجاتنا القمم ونسبق الأقران.
وفي معترك العمل ، كنا نرجو أن نغدو الركن الركين في شركاتنا حتى يضطر المدير لمداراتنا وخطب ودنا.
أمام القبور ، كنا نتمنى لو أننا نملك اخذ أعز الراحلين ، نبذل في سبيل ذلك الغالي والنفيس.
وعلى أسرّة المرض ، كنا نعد أنفسنا بأننا لو شفينا ، فلن تشغل بالنا صغائر الأمور امس.
في الصغر تمنينا انقضاء الوقت سريعاً لنكبر.
وفي الكبر تمنينا تباطؤ الزمن لئلا يدركنا المشيب.
ننسج في الماضي آمالاً للغد ، ونحلم في المستقبل بماضٍ عاديٍّ بسيط.
لذا ليس الوهم حكراً على الحمقى ؛
فالكل يقتات على الأوهام.
ليس الوهم جهلاً ، بل هو ملاذٌ أخير ، وومضة أملٍ نستدعيها حينما نعجز عن مجابهة الحقائق الصلدة.
غير أن التشبث بالأوهام يوهمنا بأن الخطب يسير ، فيفسد علينا صواب التقدير ، ويحجب عنا الرؤية الرزينة.
فلا سبيل لترتقي بذاتك إلا أن تقتل وهمك.
أوهام الحياة أثرها محدود ،
أما أوهام الحرب ، فحصادها أرواحٌ لا تُحصى.
كان "تسيان ون داو " يعي هذه الحقيقة تماماً ،
لذا اختار أن يرحل.
قبل ذلك استطاع أكثر من مئة غازٍ أن يكسروا خط دفاع المنطقة 931 في أقل من ساعتين.
أما اليوم ، فقد زاد عدد الغزاة المهاجمين للمنطقة 937 عن مئة وسبعين شخصاً ، يتقدمهم "ويليام " و "مارجيريت " وثلاثة من سادة الأقاليم ذوي القدرات الخارقة.
وبعد نصف ساعة فحسب ،
بفضل تضافر قواهم ، وبثمنٍ بخس لم يتجاوز قتيلين من صفوفهم ، سقط دفاع المنطقة 937.
لم يحالف سكان المنطقة 937 ما حالف رفاقهم في المنطقة 931 من حظوظ.
هذه المرة لم يكن الغزاة بحاجة لرهائن ، ولا إلى تفاوض مع أحد.
فالحكومة الموحدة ، وأمينها العام الجديد لم يكونوا في أعين هؤلاء سوى أضحوكة لا قيمة لها.
لقد قُتل سيد الإقليم الثامن ، ولم يبقَ أمامهم سوى مهمة واحدة: حصد جثث "السكان الأصليين " لتمهيد الطريق لغزوهم القادم.
في غرفة عمليات المنطقة الأولى كان "قو ويرونغ " يقبض على جهاز اللاسلكي بكلتا يديه ، يصرخ في وجه الغزاة الذين يملأون الشاشات ، وقد بحّ صوته وانهارت قواه دون مجيب.
ثم تجرّد "قو " من كبريائه ، متوسلاً بضراعة ، باذلاً حياته فداءً لنحو مئات الآلاف من المدنيين في الساحة.
لكن "ويليام " المعلق في كبد السماء لم يلتفت لاستغاثات "قو " البائسة.
انهار خط الدفاع انهياراً تاماً.
مئات الآلاف من العزّل أُجبروا كأنهم قطعان من الماشية ، دُفعوا بعنف ليتراكموا بعضهم فوق بعض في الميدان الكبير وسط المنطقة.
لم تكن هناك صرخات هستيرية ؛
فعندما يلامس نصل السكين العنق ، ينقطع النَفَس ويُطبق الصمت.
مئات الآلاف من العيون ، المفعمة بالذعر واليأس والعجز ، شخصت ببصرها نحو ذلك النبيل ذي العينين الزرقاوين في السماء.
مسح "ويليام " ببصره ذلك الحشد اللامتناهي ، دون أن يرفّ له جفن ،
ثم التفت ببرود ، وبنبرته المتكلفة المتسامية ، أمر رجاله "تذكروا أن تجمعوا الجثث بعناية ".
"أمرك يا سيدي ".
بعدها ، رمق "ويليام " "قو ويرونغ " الغاضب عبر الشاشة ، وقال له متهكماً:
"تُقاتل من أجل الحرية ؟ يا للسخرية! الضعفاء لا يملكون حرية. "
ثم ولى مدبراً.
لم يصدر "ويليام " أمراً بالقتل أو الإعدام تجاه تلك الأرواح النابضة ؛
ففي عقيدته ، هؤلاء المرتجفون لا يرتقون لمرتبة "البشر " ،
والضعفاء أمثالهم لا قيمة لوجودهم ، فهم لا يستحقون حتى حُكماً بالإعدام أو شرف اعتبارهم أعداءً يُقتلون.
قيمة هؤلاء تكمن في الجثث التي سيتركونها خلفهم ، ليتسنى للغزاة عبور حدود الإقليم الثامن.
لا أكثر ولا أقل.
لو كان "تسيان ون داو " على قيد الحياة ، لما اكتفى "ويليام " بهذا القدر من القول ،
بل كان سيلقي بتبعة هذه المذبحة على عاتق "تسيان " متهماً إياه بنقض العهد ورفض التفاوض ، ليغسل يدي الغزاة من دماء الضحايا ، ويُثبت أن قوتهم لا تُضاهى.
كان "ويليام " يطمح لجعل الجماهير تكره "تسيان " بقدر ما تكرهه هو ، وليبقي في نفوسهم وهماً بأن خضوعهم وعدم مقاومتهم قد ينجيهم.
ولكن ،
مات "تسيان ون داو ".
بموته ، مزّق كل أقنعة الزيف التي كانت يتوارى خلفها الغزاة.
فأي فعل وحشي يقدمون عليه الآن ، لا يمكن تفسيره إلا بكونه انعكاساً لنذالة فطرتهم ، مما يجعل "مناطق الأمان " تدرك حقيقة شرهم.
وعلى العكس ، لو توقفوا عن بطشهم ، لأثبتوا أنهم ليسوا وحوشاً فاقدي الإنسانية ، وحينها ستتضاءل قيمة التضحية التي قدمها "تسيان ".
لذا
لم يكن موت "تسيان " كافياً لقتل أوهام الجميع.
فربما ما زال هناك من يأمل في التعايش السلمي ، مفضلاً خسارة القليل من المال أو بعض جرعات "سيروم " القوة على فقدان حياته.
في مخطط "تسيان " كانت الخطوة الأخيرة لوأد أوهام سكان مناطق الأمان هي "بطش الغزاة ".
حين أيقن "تسيان " حاجة الغزاة للجثث ، أدرك أن الوحشية حتمية لا مفر منها.
ومع ذلك تمنى أن يراعي "ويليام " غضب الناس فلا يبطش بهم فوراً ؛
وكانت هذه أمنية "تسيان " الخاصة ، أو لنقل "وهمه " الشخصي.
غير أن "ويليام " لم يبالِ بحياة هؤلاء ، فكيف يبالي بمشاعرهم ؟
سقط نصل السكين بلا رحمة ،
وفاضت أرواح المئات من الآلاف.
وهكذا ، بيده ، أتم "ويليام " الخطوة الأخيرة في خطة "تسيان ".
عندها ،
في مناطق الأمان ،
ماتت الأوهام موتها الأخير.
وصار الكفاح هو السبيل الوحيد.
على الشاشات كانت أجساد الرفاق تتساقط كأكوامٍ من الحصيد ، كأنها سكاكين صدئة تمزق قلوب المشاهدين بلا هوادة.
ذعر ، وعجز ، وحزن ، وغضب ،
تتلاطم هذه المشاعر في الصدور ، لتصهر في النهاية وتتحول إلى كراهية حمراء لا تعرف الرحمة.
أغلب من في مناطق الأمان هؤلاء ، ولدوا في زمن الرخاء قبل الكارثة ؛
اعتادوا الطمأنينة والتحضر ، ولم يقرأوا عن الحروب والمذابح إلا في كتب التاريخ أو مشاهد السينما.
لم يدركوا ماهية الغزاة ، ولا معنى ضياع الأوطان أو إبادة الناس.
لكن حين رأوا أولئك الطغاة يتعاملون مع البشر كأنهم نفايات ، استيقظت ذكريات دفينة في أعماقهم بفضل حرارة الدماء المسفوكة.
لا يهم لون البشرة ، ولا اختلاف اللغات ، ولا الأصول التي انحدروا منها قبل الكارثة ؛
في تلك اللحظة ، عبرت أرواح الملايين حواجز الزمن ، وعادت بهم إلى عقودٍ خلت ،
إلى تلك الأيام التي تهدمت فيها الأوطان ، فتوحد العالم وتناسى الضغائن ، ليصنعوا بأجسادهم سوراً من اللحم والدم في وجه الغزاة الغاشمين وسط دخان المعارك.