الفصل 944: الأنطولوجيا الكونية وخرق التناظر (باريتي فيولاشن)
كان هدفُ «تشين مو» جلياً ، ألا وهو البحث في الوعي الفلسفي للوجود في البعد الرابع الخاص بـ «نجم مو» (ميو’س النجمة) ، والأنطولوجيا الكونية ، بالإضافة إلى النماذج الرياضية لوجود أبعادٍ أعلى.
تلك هي الأبحاث الرئيسية التي أجراها «نجم مو» حول البعد الرابع.
لقد طالع «تشين مو» في مكتبة التكنولوجيا كل ما يتعلق بأبحاث الوعي في البعد الرابع ، والآن إذ أتيحت له فرصة الاستفادة من تجارب الآخرين ، فقد عزم ألا يفوّت هذه الفرصة ؛ فالحكمة ضالة المؤمن ، يستقيها ممن وجدها.
أما بخصوص ألواح التكنولوجيا الأخرى أو الألواح المتعلقة بالرياضيات والفيزياء ، فلم يكن «تشين مو» مهتماً بها كثيراً ؛ إذ إن تلك التقنيات كانت في حوزته منذ أمدٍ بعيد ، بل وكانت لديها أكثر شمولاً واكتمالاً مما يمتلكه «نجم مو».
تتألف الأنطولوجيا الكونية من أكثر من عشرين لوحاً ، وهذه اللوحات تحديداً لا تستقطب الكثير من الكائنات للمطالعة مقارنة بغيرها. وعندما وصل «تشين مو» ومن معه ، وجدوا مساحة رحبة يكفى لهم للقراءة.
وعلى عشرين لوحاً شاهقة الارتفاع ، نُقشت نصوصٌ دقيقة بحجم الإبهام ، تحمل في طياتها معارف غزيرة.
كان الفصل الأول من الأنطولوجيا الكونية يتناول «قانون خرق التناظر».
في جسيمات الكون الأساسية ، هناك ثلاثة أنماط للتناظر: تناظر الشحنة ، وتناظر انعكاس المكان ، وتناظر الانعكاس الزمني. بيد أن تجارب الجسيمات الدقيقة أثبتت أن هذه الأنماط الثلاثة ليست مطلقة.
إن سلوك الجسيمات والجسيمات المضادة ليس متطابقاً ؛ فبسبب اختلاف طفيف في القوانين الفيزيائية ، لا يوجد تناظر في شحنة الجسيمات.
وفي مطلع الانفجار العظيم ، زادت المادة العادية بنسبة ضئيلة عن المادة المضادة ، وبعد فناء كل منهما للآخر ، شكّلت المادة المتبقية الكون الذي ندركه اليوم. ولو كان التناظر تاماً بين المادتين ، لما وجد الكون بعد الانفجار العظيم.
إن الاختلاف بين الجسيمات هو الذي أدى ، بعد التفاعل ، إلى نشوء هذا الكون المليء بالتنوع والروائع.
وفيما يتعلق بقانون عدم تناظر الشحنة ، افترض «نجم مو» وجود كونٍ من المادة المضادة. ففي زمان ومكان يجهلونهما ، وبعد انفجارٍ كوني كانت كمية المادة المضادة المتبقية أكثر من المادة العادية ، مما أدى إلى تكوّن كونٍ ذي قوانين تختلف تماماً عن قوانين كونهم الحالي.
أما الأمر الأكثر إثارة فهو النوع الثالث: عدم تناظر الانعكاس الزمني.
وكما هو الحال في قانون خرق التناظر على كوكب الأرض ، خلصت أبحاث «نجم مو» إلى أن الزمن أيضاً لا يتمتع بالتناظر ، أي إن للزمن اتجاهية ؛ فهو يسير في خطٍ محدد.
إن عملية التحول بين نوعين من الجسيمات تستغرق وقتاً مختلفاً عند عكسها ، وهذه ظاهرة قانونية.
لقد وضع «نجم مو» فرضيات حول إمكانية السفر عبر الزمان والمكان ، مؤكدين أن كل رحلة كهذه ، سواء أراد المسافر أم لا ، ستخلق كوناً موازياً. فبمجرد عودة المسافر عبر الزمن إلى الماضي ، فإنه بمجرد استنشاقه ذرة هواء واحدة ، يتدخل في جسيمات الكون الأصلي ، مما يجعلها تتخذ حالة مختلفة عما كانت عليه ، فتأثير الفراشة يجعل من الكونين عالمين منفصلين لا يجمعهما مسار واحد.
والكائنات التي تستطيع تغيير حالة هذا الكون الموازي هي كائنات «البعد الرابع» ؛ فهي قادرة على التحكم في كل مادة في الكون ، وإذا تدخلت هذه الكائنات ، يمكنها إعادة محاور الزمان وجسيمات الكون إلى مساراتها الأصلية.
إنها فرضية غامضة ومذهلة.
أما الفصل الثاني من الأنطولوجيا الكونية ، فيطرح فرضية أخرى لـ «نجم مو»: الكون هو جثة كائنٍ من البعد الرابع.
يا لها من فرضية مرعبة!
الانفجار العظيم هو لحظة موت كائنٍ من البعد الرابع. وكل كائن ومادة في الكون ما هي إلا «بكتيريا» تعيش على جثة ذلك الكائن. وإذا ما تمكن وعيٌ من الكائنات داخل الكون من تجاوز البعد الرابع ، فإنه سيتمكن من التحكم بكل ما في ذلك «الجسد».
لقد وضع «نجم مو» خمس فرضيات حول الأنطولوجيا الكونية ، ومهما كانت الحالة ، فإن لجميع الفرضيات سمة مشتركة: كائنات البعد الرابع هي كائنات متعالية ، موجودة في كل مكان ، قادرة على التحكم في كل مادة في الكون ، بما في ذلك محاور الزمان والمكان ومسارات الجسيمات ، بل وحتى السيطرة على الأكوان الموازية.
بدا «تشين مو» وكأنه غارق في التفكير.
كانت هذه الطروحات بمثابة الذرة الأخيرة التي أطلقت شرارة الربط ، مما جعل أفكاره السابقة تتصل وتتكامل. وفي مكتبة التكنولوجيا ، بدأت جميع الأبحاث والبيانات المتعلقة بكائنات البعد الرابع تتشكل وتتطور داخل عقله.
بدا «تشين مو» كالمسحور ، يحدق في اللوح دون حراك.
أحست «شياو يو» بما يدور ، فأشارت للجميع بالتراجع قليلاً كي لا يقتربوا منه. فهي التي رافقته طويلاً ، تدرك أن الإلهام كالبرق الخاطف ، يمر ولا يعود. ففي كثير من الأحيان ، قد يتراكم لدى الباحث فيضٌ من المعرفة ، وتسير أبحاثه وفق منهجية دقيقة ، ولكن تظل نقطة الإلهام الأخيرة غائبة ، فيبقى الباحث عالقاً حيث هو.
لقد شهدت «شياو يو» الكثير من هذه الحالات في رحلات البحث التكنولوجي ؛ إذ قد يأتي الاختراق المنشود بعد عجز طويل بمجرد سماع كلمة عابرة من شخصٍ آخر ؛ ليست الكلمة بحد ذاتها هي العبقرية ، بل إنها الضربة التي تسقط أول قطعة في أحجار دومينو ، فتتحرك أفكار الباحث في اللحظة المناسبة.
تراجع «جينغ غو» و«كو ياو» ومن معهم خطوة إلى الوراء ، وأحاطوا بـ «تشين مو» في الهواء ، مانعين الكائنات الأخرى من الاقتراب منه.
فلكل كائنٍ وعيٌ مختلف عند مطالعته للألواح ، وما يدركه يختلف باختلاف رؤيته للعالم ، إذ إن عوالم الكائنات ليست متطابقة. وإذا ما حقق «تشين مو» استفادة هنا ، فسيكون ذلك مفاجأه سارة لهم جميعاً.
- «يبدو أن هذا الكائن على وشك إيقاظ قدراته.»
- «يبدو الأمر كذلك.»
- «لننتظر ونرَ.»
- «لا يبدو أنه يتصنع ذلك لننظر إلى قراءة كاميرا الطيف الحيوي.»
تجمعت كائنات بجوار اللوح ، وبدأوا يتهامسون ويناقشون حال «تشين مو» الذي ظل ثابتاً لا يتحرك. فوفقاً لما اعتادوه ، فإن استيقاظ القدرات الخارقة لدى الكائنات غالباً ما يظهر بهذه الهيئة.
وفجأة ، بدأ عدد الكائنات المتفرجة في التزايد.
- «لقد بثت صورته على العرض المجسد (الهولوغرام)!»
تردد صوت صرخة خافتة ؛ فقد التقطت الكاميرات حالة «تشين مو» الطافية أمام اللوح ، وبُثّت على شاشات العرض المجسد في غابة «نجم مو» التذكارية.
فشاهد الجميع في الغابة ذلك المشهد.
كانت طيفُه الحيوي مختلفاً ، وقد التقطته كاميرات الغابة ، فجسد «تشين مو» كان يتغير بالفعل. إن كاميرات الطيف الحيوي مخصصة للكائنات التي تمر بمرحلة التطور ، فهي ترصد التغيرات في الخلايا وتكوينات الأنسجة ، حيث ينعكس مستوى الكائن من خلال هذا الطيف.
في غابة «نجم مو» ، تُستخدم هذه الوسيلة للتأكد مما إذا كان الكائن يمر بمرحلة تطور سريع.
- «طيفه الحيوي فريدٌ جداً ، هل رأيتموه من قبل ؟»
- «لم أره ، إنها المرة الأولى.»
- «هل يولد كائنٌ إلهي جديد ؟»
- «لماذا لستُ محظوظاً مثله ؟»
- «تذكروا اللوح الذي يقف عنده ، لنذهب ونلقي نظرة لاحقاً.»
- «...»
بدأت أفواج الكائنات تتجمع باستمرار نحو موقع «تشين مو» ، يراقبونه من بعيد ، ولم يجرؤ أحد على مضايقته ، فهذا قانون الغابة التذكارية. فمن يتجرأ على مقاطعة كائنٍ في لحظة إيقاظ قدراته ، فإنه يعرض نفسه لهجوم الكائنات الأخرى ؛ إذ يُعد ذلك عداءً لدوداً ، كما أنه سيُلاحق من قِبل إدارة الأمن ، وسيلقى جزاءه المحتوم.
وفي غياب المعرفة المسبقة بين الطرفين ، لا يرغب أحد في خلق عدو جديد ، ناهيك عن رغبتهم في دخول السجن المجاني إلا إذا كانوا من ذوي الأرواح المضطربة.
- «من المؤكد أن هذا سيجذب انتباه الحضارات العظمى ، أليس كذلك ؟»
- «بالطبع ، إن انضمامه إلى إحدى الحضارات الكبرى صار أمراً مفروغاً منه.»
- «أتساءل أي حضارة ستضمه إلى صفوفها.»
- «ظهر أول شخصية عبقرية في مهرجان نجم مو.»
- «...»
توالت النقاشات دون انقطاع.
انتشرت الصور في أرجاء الغابة التذكارية ، وصارت أنظار الجميع شاخصة نحو «تشين مو». ففي اللحظة التي يوشك فيها مهرجان «نجم مو» على البدء ، يظهر كائن يوقظ قدراته ؟
انتقلت الصور عبر قنوات البث الإخباري ، وتناقلتها الأنباء في كافة أرجاء «نجم مو». فبعد شهرين لم يوقظ فيهما أي كائن قدرات خارقة في الغابة التذكارية كانت أعين لا تحصى تراقب بغيرَةٍ عرض «تشين مو» المجسد.
ها هو المهرجان يبدأ ، وقد أُشعلت ذروة الحماس منذ اللحظة الأولى.
- «إنه هو.» نظرت «زي يون» إلى شاشة العرض العالية ، وقد تبدلت تعابير وجهها الهادئ.
لم يمر سوى بضع ساعات على افتراقها عن «تشين مو» ، وها هو الآن يحدث ضجة كبرى في الغابة التذكارية.
كان طيفه الحيوي يتغير بعنف ، ورغم أنهم لا يدركون المعنى الدقيق لهذا الطيف إلا أنهم أيقنوا أنه طيفٌ لظهور قدرة خارقة مميزة.
لقد كانت تعلم أنه يمتلك تكنولوجيا تطوير القدرات ، فهل يظهر الآن قدرة ثانية ؟
- «يبدو أن (زي يون) كانت محقة ، إنه ليس كائناً عادياً.» تنهد «مو تشانغ شينغ» وهو يشاهد العرض بإعجاب.
كم من كائنات تقضي حياتها بأكملها في غابة «نجم مو» دون أن تحقق غايتها ، بينما «تشين مو» بمجرد وصوله أحدث كل هذا الصخب ، مما أثار غيرة الكثيرين. حيث يبدو أن قرار إرسال تلك الدعوة إليه كان صائباً تماماً.