الفصل 832: 【سُمّ】 و【تدرّج الرمادي】
مع مرور الوقت ، طغت أخبار مزاد «المدينة السوداء» على كل ما عداها ، وصار الحديث عنها حديث الساعة.
لقد كثفت المجموعة التجارية القائمة على هذا المزاد من حملاتها الدعائية ، مما دفع معظم القوى العظمى في «اتحاد الكون» إلى توجيه أنظارها نحو كوكب «شي غان» ، وانضم إليهم الحضارات ذات المستويات الإلهية ، لتتحول هذه الفعالية إلى مزاد لم يسبق له مثيل.
وتشير الشائعات المتداولة إلى أن «حضارة العين السوداء» قد جهزت ترسانة من التقنيات الفائقة لتقديمها كبديل في سبيل الظفر بتقنيات تطوير القدرات الخارقة الخاصة بـ «حضارة لهب الشيطان». شمل ذلك تقنيات الدروع القتالية المتقدمة ، ومواد نادرة ، وتقنيات استخراج المادة المظلمة ، وتقنيات أسلحة مستوى الأبراج التي تطمع بها «حضارة لهب الشيطان» ، هذا بالإضافة إلى مبالغ طائلة من عملات النجوم وأقاليم مجرية كاملة.
فلو تسنى لـ «حضارة لهب الشيطان» الحصول على هذه التقنيات ، فإن تحوله إلى حضارة من المستوى الإلهيّ لن يكون سوى مسألة وقت.
بيد أن بقية الحضارات الإلهية لم تقف مكتوفة الأيدي ؛ بل سعت عبر قنوات شتى لنشر أخبار ، صادقة كانت أم زائفة ، لاختبار حدود خصومها ومكاشفة أوراقهم.
لقد بات نظام «شي غان» النجمي محط أنظار الكون بأسره ؛ فبعد أن كان الأمر مقتصراً على تقنيات تطوير القدرات الخارقة ، تلاه مقتل أحد كبار خبراء الدروع القتالية في «حضارة زيوي» ، ثم إعلان «حضارة لهب الشيطان» عن مزاد «المدينة السوداء» التقني ، وصولاً إلى الصراع المشتعل بين الحضارات السبع ذات المستويات الإلهية.
لقد أضحى نظام «شي غان» ساحة لتجمع العمالقة.
ومن بين الحضارات السبع الإلهية كانت «حضارة النجم الأبيض» هي الأكثر نشاطاً ، حيث أطلقت بجرأة سيلاً من الأنباء المتباينة ، معلنة عن عزمها الراسخ في نيل تقنيات تطوير القدرات. وفي المقابل تميزت «حضارة البحر اللانهائي» و«حضارة عالم الموتى» بأقصى درجات التكتم.
تتسم «حضارة عالم الموتى» بطبيعة متعالية وقاسية ، وهي الأكثر صعوبة في التعامل بين الحضارات الإلهية ، ولم تظهر هذه المرة علناً ، وكأنها لا تكترث بتقنيات القدرات الخارقة.
أما «حضارة البحر اللانهائي» و«حضارة الغابة المظلمة» ، فتعيشان حالة من المواجهة المحتدمة على خلفية مقتل الأمير «لونغ» ، ولم تبدِ «حضارة البحر اللانهائي» منذ البداية أي رغبة معلنة في التنافس على تلك التقنيات. وتقول الأقاويل إن عراف «حضارة البحر اللانهائي» قد تنبأ بأن رحلتهم إلى «شي غان» لن تجلب لهم مكاسب تُذكر ، لذا اكتفوا بإيفاد ممثلين عنهم كإجراء رمزي فحسب ، أما صحة ذلك فتبقى في علم الغيب.
وفي المقابل ، فإن «حضارة زيوي» -التي كانت يوماً أقوى الحضارات الإلهية ومبتكرة نظام الدروع القتالية- لم تكن بالحدة ذاتها ، واتسم موقفها بالهدوء ، ولم تنخرط في صراع المزايدات المحتدم بين «النجم الأبيض» و«العين السوداء» و«إله الرعد». ولاحقاً ، تأكد أن «زيوي» أرسلت مبعوثاً جديداً إلى «شي غان».
تزايدت حدة الشائعات وتضاربت مع اقتراب الموعد ، وأدركت كافة الأطراف أن المعركة الفاصلة ستكون تحت سقف مزاد «المدينة السوداء».
في قاعدة أبحاث «المدينة السوداء» ، وُضعت بدلة قتالية على طاولة الاختبار.
كان «دونغ» يتأمل البدلة ؛ طلاؤها الأبيض والأسود وتصميمها الفريد يذكرانه تماماً بالشكل الذي رآه في العرض الهولوغرافي سابقاً. إنها درع قتالية تكيفية ، بلا شكل ثابت ، بل هي مجرد مفهوم تصميمي.
بصفته مسؤولاً عن «المدينة السوداء» لسنوات ، فقد اعتاد رؤية الكثير ، لكن الدروع القتالية من المستوى «النيلي» كانت نادرة ، فهذه الدروع فائقة التطور لا يقتنيها إلا النخبة والقادة في الحضارات العظمى ، أما خبراء الدروع العاديون فلا يتسنى لهم ذلك.
قال «تشين مو»: «اسمها 【سُمّ】».
نظر «دونغ» إلى البدلة متسائلاً: «سُمّ ؟ وماذا يعني هذا الاسم ؟».
أجاب «تشين مو»: «هو طائر صغير في موطني يمتاز ببراعة فائقة في الطيران. صُممت هذه البدلة خصيصاً للقتال القريب ، وهي مزودة بـ 38 محركاً متفاوت الأحجام ، وتصل قوة سلاح الليزر النبضي قصير المدى فيها إلى 1.3 بيتاواط. صُنعت من مواد مركبة تعتمد على المادة المظلمة ، ويمكنها الصمود أمام أشعة ليزر عالية الطاقة من مسافة عشرة كيلومترات لمدة 150 نانو ثانية ؛ وهذا الوقت كافٍ لتفعيل درع الطاقة ، مما يقيها من الهجمات المباغتة عن بُعد».
حالياً ، لا تملك 【سُمّ】 سوى سلاح ليزر وسلاح قتال قريب مخصص يسمى 【إبرة ذيل السنونو】 ، بينما تركت المواضع الأخرى فارغة لتوفير حرية اختيار الأسلحة حسب رغبة قائد البدلة.
وفي مؤخرة البدلة ، توجد زعانف ذيلية ، ومثلها على الفخذين والساقين ، وهي ما يمنحها لقب «ذيل السنونو» ، حيث تتيح للبدلة تغيير اتجاهاتها بمرونة فائقة. وإذا كان قائدها من الفصائل الشبيهة بالوحوش ، فإن هذه الزعانف تتكيف تلقائياً لتشكل ذيلاً خاصاً بتلك القبيله.
وأضاف «تشين مو»: «الأداء الفائق في القتال القريب والرشاقة هما أكبر ميزاتها. و كما أنها تعتمد على التحكم العقلي اللحظي دون أدنى تأخير ، وبإمكانها الوصول إلى سرعة تضاهي ثلاثة أخماس سرعة الضوء. و علاوة على ذلك تتمتع بقدرة مذهلة على الاندفاع الانفجاري قصير المدى ، حيث يمكنها الوصول إلى سرعات تقاس بالكيلومتر في الميكروثانية».
أوجز «تشين مو» مواصفاتها ، بينما أصيب «دونغ» بالذهول ؛ فالهوة بين الدروع القتالية المتقدمة وتلك الفائقة شاسعة ؛ إذ لا تتعدى الأولى سرعة الكيلومتر في الملي ثانية ، بينما تصل الثانية إلى الكيلومتر في الميكروثانية. قد يبدو الفرق في حرف واحد ، لكن الأداء يتفاوت ألف ضعف ، وهما في مستويين لا يلتقيان.
تردد «دونغ» قليلاً: «هل أنت متأكد من قرار بيعها ؟» إذ استغرب تفريط «تشين مو» في بدلة بهذا المستوى.
أومأ «تشين مو»: «نعم ، سأبيعها». فقد نفدت أرصدته من عملات النجوم ، وهو بحاجة لثمن هذه البدلة ليتمكن من شراء وقود المادة المضادة. ومع تدهور الأوضاع في نظام «شي غان» ، لا يبتغي «تشين مو» سوى الابتعاد عن هذا المركز الموبوء والعودة إلى الأرض.
«سيتولى خبراؤنا في المزاد تقييم البدلة وعرضها. و هذه دعوة مزاد "المدينة السوداء " بعد غد ، يمكنك دخول قاعة المزاد بها». ناول «دونغ» بطاقة الدعوة لكبار الشخصيات إلى «تشين مو».
قال «تشين مو» وهو يتسلمها: «شكراً لك».
راقب «دونغ» رحيل «تشين مو» وتنهد ؛ فمنذ أن عرف أنه مصمم دروع قتالية بارع ، تخلى عن فكرة استقطابه ، فمثل هذا المصمم الفذ لن يرضى بالعمل في مؤسسته المتواضعة ، بل لو أراد ، لاستقبلته الحضارات الإلهية برحابة صدر ومنحته مكانة مرموقة فيها.
لم يتبقَّ سوى يومين على المزاد ، ولن يقل سعر هذه البدلة عن 40 ملياراً ، وبمجرد بيعها ، سيتمكن من توفير المادة المضادة ومغادرة «شي غان».
في هذه الأثناء كان «جينغ غو» يواصل تدريب «غراي 21» ، وهما مهووسان بالتدريب لدرجة جعلت «تشين مو» نفسه يشعر بالرهبة. وعندما هبطت المركبة توقف «جينغ غو» وسمح لـ «غراي 21» بالاستراحة.
كأنه تحرر من قيود ، ارتمى «غراي 21» على الأرض القاحلة المليئة بالحفر. كلما تدرب أكثر ، أدرك مدى رعب «جينغ غو» ؛ إنه حقاً إنسان غير طبيعي ، فبعد كل هذا التدريب لم يستطع الصمود أمام ضرباته لأكثر من ثلاث جولات. فقد منحه «جينغ غو» الحق في مهاجمته في أي وقت ، واعداً إياه بأنه إن نجح في إصابته ، فسيُعتبر متخرجاً من مدرسته ، لكنه منذ ذلك الحين يعيش حياة بائسة.
نادى «تشين مو» على «غراي 21» ملوحاً له ، فنهض «غراي 21» بصعوبة ، متجاهلاً ألم جسده ، واختفى من مكانه في لحظة ليظهر أمام «تشين مو». لقد صار الآن بارعاً في استخدام «الانتقال الآني» بفضل ضغط «جينغ غو» المستمر.
وقف «غراي 21» وقال باحترام: «سيدي».
فتح «تشين مو» الصندوق الذي بين يديه ، كاشفاً عن البدلة ؛ ذات هيئة فضية رمادية تشبه لون بشرة «غراي 21» ، لكنها بدلة قادرة على التمويه ، حيث تتغير ألوانها لتطابق البيئة تماماً مثل الحرباء.
أجاب «غراي 21» بامتنان وقد غمرته السعادة: «شكراً لك يا سيدي». إنها المرة الأولى التي يمتلك فيها بدلة مخصصة له وحده. فقد كانت البدلة التي هرب بها سابقاً غير ملائمة ، مما تسبب في إصابته بجروح بالغة حين تعرض لاصطدام. و لقد كان قراره باتباع «تشين مو» ضربة حظ ، ولم يتوقع أبداً أن يغامر «تشين مو» بقبوله ، بل ويصمم له بدلة بهذا الرقي.
اعتراه شعور غامض ، ونظر إلى «تشين مو» بنظرات ملؤها التقدير ؛ فبعد كل العذابات التي قاساها ككائن تجارب في «حضارة لهب الشيطان» كان «تشين مو» أول من عامله بإنسانية.
أربت «تشين مو» على كتفه قائلاً: «اسمها 【تدرّج الرمادي】 ، اذهب وسجل بيانات هويتك عليها ، فهي ملكك الآن».
لم يزد «غراي 21» على قوله: «حسناً» ، فقد أدرك أن الأفعال أبلغ من الأقوال في رد الجميل لسيده.
وتحت أنظار «تشين مو» و«جينغ غو» ، غطت 【تدرّج الرمادي】 جسد «غراي 21» ببطء ، وحين انطبق القناع وأضاءت العيون الفضية تملكت «غراي 21» مشاعر الفخر ، وشعر بقوة لم يألفها من قبل. و هذه هي بدلته ، الأولى التي تنتمي إليه بحق.
لم يكن «تشين مو» ليدرك آنذاك أن «غراي 21» الذي آواه سيصبح في المستقبل أعظم مغتال في تاريخ القتلة ، وسيصنع أسطورة «مغتال الدروع القتالية».
وبصوت بارد كقطعة ثلج ، قال «جينغ غو»: «تدريب». شعر «غراي 21» المسكين وكأنه سقط من السماء إلى الجحيم ، ليعود إلى واقع تدريبه القاسي الذي بدأ لتوّه.
في تلك الأثناء ، دخل كوكب «النجم الأبيض» المرحلة الأخيرة من التحضيرات لمزاد «المدينة السوداء». وبعد يومين ، انطلق المزاد الذي حبس أنفاس «اتحاد الكون» في موعده المحدد.