الفصل 777: اندلاع المعركة الضارية
«تفرّقوا.»
خمسُ واثنتان من بدلات القتال تقترب من مدينة «تشنجشوي» ، وبإشارةٍ من «تشي شانغ» ، تفرقت في أرجاء المدينة كافة. خففت من سرعتها ، لكنها ظلت تقترب من سفينة فضائيي «الأعين الثلاث» من جميع الجهات.
إنها مقامرة العمر ؛ فإما النصر وإما الشهادة ، وهي فرصتهم الوحيدة والأخيرة.
بينما كان الفريق يتفرق ليتخذ مواقع الكمين ، حط «تشي شانغ» فوق سطح مبنى شاهق ، ورفع غطاء خوذته ، مسمّراً بصره نحو السفينة المعلقة في كبد السماء.
لطالما قيّد حضارة الأعين الثلاث تطور تقنيات الطيران في «تشنجشوي» حتى بات سكانها محرومين من ارتياد الفضاء ، محبوسين في هذا القفص ؛ والآن ، لاحت لهم بارقة أمل لا تتكرر.
«هل أنت من (الأحرار) ؟»
حط «تشي شانغ» في المبنى الموازي للمبنى الذي يقف فيه «تشين مو». عرفه «تشين مو» فوراً ؛ إنه ذلك الحر الذي اشترى منه مواد في «ساحة الحرية».
«أيسعى الأحرار أيضاً لانتزاع السفينة ؟» تساءل «تشين مو» في سرّه ، مدركاً مرماهم ؛ فالأحرار لا يطيقون العيش في هذا العالم الموصد تماماً كما هو حاله.
قال «تشي شانغ» عبر جهاز الاتصال: «القائد ، فرقة الأحرار في مدينة تشنجشوي في وضع الاستعداد.»
رد صوتٌ عجوزٌ صارم من جهاز الاتصال الخاص ببدلة القتال: «علمتُ ذلك. التعزيزات تقترب من المدينة ، والقرار لك في الميدان.»
استمر الانتظار. و في السماء كان فضائيو الأعين الثلاث ينتظرون بدورهم ؛ يترقبون استجابة «ديدان الرصد» ليتمكنوا من تحديد موقع «تشين مو».
فجأة ، تحركت ديدان الرصد داخل أقفاصها ، فرفع «تورييل» حاجبه مشيراً إلى «سان ياه» بأن الوقت قد حان.
«ابدأوا الهجوم.»
أمر «سان ياه» جنوده ، فحمل كل واحد منهم دودة رصد وغادروا المختبر. انفتحت بوابات السفينة ، وتهاوت منها بدلات القتال الواحدة تلو الأخرى ، تليها آلاف أجهزة الالتقاط.
دوى نداء المعركة الصامت في قلوب كل المرابطين في زوايا مدينة «تشنجشوي».
همس «تشي شانغ» آمراً: «استعدوا جميعاً ، ونفذوا الخطة عند إشارتي.» وكان أمامه فريق من محاربي الأعين الثلاث يقتربون. و في تلك الأثناء تملّك التوتر سائر أفراد الفريق المتمركزين في نقاط أخرى من المدينة.
أمسك «سان شوي» قفص دودة الرصد وتقدم نحو جهة اتجاه الدودة ، وخلفه ثلاثة أجهزة التقاط ، يتبعه بقية الجنود في نسقٍ واحد ، مما أكد لهم أن الهدف الذي ينشدونه يكمن في ذلك الاتجاه.
جاء صوت «سان ياه» محذراً عبر الأثير: «توخوا الحذر ، ذلك الكائن ذكي للغاية ، وقد يكون مجهزاً ببدلة قتال من كوكب تشنجشوي.»
ضحك أحد المحاربين في قناة الفريق باستهزاء: «لا داعي للقلق ، فبدلات كوكب تشنجشوي أوهن من لعب الأطفال!» وضحك البقية من حوله. و في نظرهم ، تقنيات بدلات القتال على هذا الكوكب لا تعدو كونها خردة عديمة الفائدة.
«إن مراقبة هؤلاء الأدنياء وهم يحدقون بنا ممتعة حقاً.»
«إنها نظرات الانبهار التي يلقيها الضعفاء على الأقوياء.»
استمع «سان شوي» لثرثرة فريقه ولم يعلق بغير ابتسامة باهتة. فهو لا يحتقر هؤلاء الكائنات الدنيا ، بل يؤمن أن لكل كائن واعٍ فكره الخاص ، وأن الفارق يكمن في تقدم التقنية وقدرات البحث والتعلم فحسب. أما في جوهر الوعي ، فالكائنات العاقلة سواسية ، بل إن بعض الكائنات البدائية تملك من الوعي ما يفوق كائناتٍ أخرى متقدمة.
أعاد تركيزه إلى دودة الرصد ؛ فلطالما قادته إلى هذا الاتجاه. فجأة ، بدأت الدودة في وعائها تضطرب بعنف ، وتصطدم بجدران القفص نحو جهة معينة ؛ جهة المبنيين الشاهقين أمامهم.
«تيت ، تيت ، تيت!!!»
«تم رصد تقلبات طاقة عالية في الأمام. خطر.»
وما إن حدّق «سان شوي» نحو المبنى حتى انطلقت صافرات الإنذار الحادة في بدلته. تغيرت ملامحه ، ولم يتردد في تفعيل درع الحماية الطاقي.
بوم!!
انطلق شعاع ليزر من المبنى الأول ، ليرتطم بدرع «سان شوي» الذي قام فوراً بتشتيت الشعاع بعيداً عن بدلته.
«إنها كمين!»
تحت ضغط الضوء الهائل ، شحب وجه «سان شوي». لو لم يكن لديه درع طاقي ، لكان نبض الليزر ذاك كفيلاً باختراق بدلته. و من ذا الذي تجرأ وقال إن أسلحة كوكب تشنجشوي ليست سوى لعب ؟
قبل أن يتمكن من اتخاذ خطوة أخرى كان القدر قد سَبق.
بوم!!
تردد في أذنيه دويّ اختراق حاجز الصوت. حاول «سان شوي» الحركة ، لكنه اكتشف أن سيفاً قد اخترق صدره ، تألق عليه نبضات طاقة قصيرة. غمر الألم وعيه ، ولم يكد يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى لمح لوناً واحداً ببدلة خصمه.
«هناك عدو.»
عند رؤية وميض الليزر وسماع صرخة «سان شوي» ، تبخرت حالة الاسترخاء لدى «سان ياه». ولكن حين أفاق من صدمته كان صراخ «سان شوي» قد انقطع.
لقد استخفوا بعدوهم. ولم يدرِ حتى هوية الخصم ؛ أهو محارب من حضارة «الدم الأزرق» تسلل إلى الكوكب ونصب لهم هذا الفخ ؟
«هجوم!»
بعد قتل «سان شوي» ، استل «تشي شانغ» ماسورة مدفع من ظهره ، وانطلق دون تردد نحو محاربي الأعين الثلاث ، ثم دفع بدلته للخلف مبتعداً عن أرض المعركة في لمح البصر.
تغيرت سحنة «سان ياه» ، فاستخدم الرادار لتعقب «تشي شانغ» وغادر مكانه بسرعة.
في هذا العصر ، لا تخشى بدلات القتال المقذوفات التقليديه ؛ فالهجمات الفيزيائية لا تقتصر على المتفجرات البدائية ، بل قد تحتوي القذائف على مواد كيميائية تآكلية أو أسلحة غير متوقعة. وبفعل الحروب الطويلة ، باتت معظم الأسلحة مصممة خصيصاً لفتك بدلات القتال والسفن الحربية.
دوّى الانفجار خلفه ، وانتشرت سحابة دخان أخضر قاتم. فرّ من كان رد فعلهم سريعة ، لكن أحد الجنود البطيئين غمرته السحابة.
جاء التحذير عبر الأثير: «إنه غاز مآكل لمواد بدلة القتال!»
اندلعت المعارك في كل زوايا مدينة «تشنجشوي» ، وملأت أصوات الانفجارات عنان السماء. حيث طارد «سان ياه» «تشي شانغ» بإصرار ، ظناً منه أنه من حضارة «الدم الأزرق» ، فهو التفسير الوحيد لقدرته على قتل جنديه بتلك السهولة ، رغم أن هذا النوع من البدلات لم يره من قبل.
لقد تخلى مؤقتاً عن فكرة القبض على «تشين مو».
تبادل الاثنان المطاردة بسرعة فائقة في سماء المدينة حتى مزقت أصوات اختراق حاجز الصوت سكونها. وفي الأفق البعيد كانت معارك أخرى تستعر. وبعد صدمة الهجوم المباغت تمكن محاربو الأعين الثلاث من استعادة توازنهم ومواجهة حصار «الأحرار» بسهولة.
أدرك سكان المدينة هول ما يحدث ، فسارعوا لامتطاء بدلاتهم أو مركباتهم للهرب ، لكن الفوات قد سبق البعض. حيثما مرّت أشعة الليزر عالية الطاقة ، صارت الأرض يباباً. و غطت الانفجارات العنيفة كل أرجاء المدينة ، سُوّيت المباني بالأرض ، وصارت أجساد الكائنات أشلاءً ، وعلت صرخات الذعر في وسط الأنقاض ؛ فكانت تلك صورة ضعف العاجزين.
وقف سكان «تشنجشوي» مذهولين ، فلم يتخيل أحدٌ أن يجرؤ أحد على مباغتة حضارة «الأعين الثلاث» داخل عقر دارهم. و لقد كان الطرفان يفيضان قوةً ، ويمارسان تدميراً وقتلاً لا يعرف الرحمة.
كان قتالاً بلا هوادة ، خلف دماراً يفوق الخيال. لم يجرؤ أحد على التدخل ، فومضات الليزر والانفجارات المباغتة كانت كفيلة بمحو أي كائن يعترض طريقها. أما من لم يخشَ الموت ، فقد اختبأ في الأعالي يراقب بقلبٍ يرتجف ؛ فالمعركة من هذا الطراز كانت سابقةً لم يشهدوها من قبل ، وصارت الحياة في تلك اللحظة رخيصة الثمن.
حيثما مسحت أشعة الليزر ، انشطرت المباني نصفين وانهارت ، بأسطح مصقولة كأنها المرايا. وبفضل الأسلحة الطاقية ، أضاءت النيران الأرض. أما المحاربون الذين لم يفعّلوا دروعهم في الوقت المناسب ، فقد انقسموا إلى نصفين بضربة واحدة.
«طاخ ، طاخ ، طاخ!» ، تساقطت الذخيرة كأنها المطر الغزير. تفادت البدلات الرصاص ، لكن المدينة في الأسفل كانت هي الضحية. و غطت الانفجارات العنيفة المدينة كقطرات المطر ، ومبانيها المشيدة من مواد فائقة الصلابة باتت مخرمة ، تحت تأثير التآكل وموجات الصدمة ، لتتحول الأطلال إلى غبار.
في خضم هذا القتال الضاري كان «تشين مو» يتنقل برشاقة بين الأنقاض ، يراوغ الانفجارات المنهمرة من السماء ، متوارياً عن الأنظار ، ومستعداً للانقضاض في اللحظة المناسبة.