**الفصل 642: تداعيات تقنية الاندماج النووي المحكوم**
كان إعلان "تشين مو " عن نجاحه في استخراج "الهيليوم-3 " من القمر بمثابة زلزال من الدرجة العاشرة ، أطلق موجات تسونامي أغرقت أرجاء المجتمع التكنولوجي والطاقة والاقتصاد في العالم بأسره.
تشير نتائج المسح القمري إلى أن احتياطي الهيليوم-3 على سطح القمر يتجاوز المليون طن. ولتقريب الصورة ، فإن استهلاك 100 طن فقط من هذا العنصر في عمليات الاندماج النووي المحكوم كفيل بتلبية احتياجات الطاقة للعالم أجمع لمدة عام كامل ؛ مما يعني أن مخزون القمر يكفي البشرية لعشرة آلاف عام.
ومع نجاح "تشين مو " في تطوير تقنية استخراج هذا العنصر تم تذليل العقبة الأخيرة أمام التطبيق الواسع لتقنية الاندماج النووي المحكوم ، وأصبح تعميمها أمراً لا مفر منه. و هذا النبأ تسبب في اضطرابات اقتصادية عالمية هائلة.
بمجرد شيوع الخبر ، ساد الذعر في أسواق الفحم ، حيث شهدت عقود الفحم الآجلة -التي كانت تعاني أصلاً من تراجع- انهياراً حاداً جديداً ، مما جعل سوق الفحم كمن "يخبط خبط عشواء " في فوضى عارمة.
سجلت أسعار الفحم أدنى مستوياتها منذ نصف قرن ، ووجدت الدول التي يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على صادرات الفحم نفسها في مهب الريح ؛ إذ تهاوت اقتصاداتها إلى الحضيض ، وبلغت معدلات البطالة فيها مستويات قياسية تاريخية. وفي بعض تلك الدول ، خرج العاطلون عن العمل في مسيرات حاشدة احتجاجاً على تطوير "مجموعة جيش النمل " لتقنية الاندماج النووي المحكوم.
وبفضل هذا الإنجاز ، تصدّر "تشين مو " غلاف مجلة "تايم " وهو يحمل عينة من الهيليوم-3 ، ليُختار شخصية العام للمرة السابعة في تاريخه. وفي تحديث قائمة "فوربس " لأقوى الشخصيات في العالم ، قفز "تشين مو " إلى المركز الرابع ، متقدماً على قادة ثلاث دول عظمى ، ليُتوج كأكثر رواد الأعمال والعلماء تأثيراً ونفوذاً. وهي المرة الأولى التي يظهر فيها رجل أعمال لا يمارس السياسة في مرتبة متقدمة كهذه في قائمة السلطة والنفوذ. و لقد أصبح فرداً يضاهي تأثيرُه تأثيرَ دولة عظمى.
أما "شياو يو " و "تشاو مين " وبصفتهما زوجة "تشين مو " ورئيسة "مجموعة جيش النمل " على التوالي ، فقد احتلتا المركزين الأول والثاني في قائمة أكثر النساء تأثيراً في العالم ، بينما جاءت "مو نو " في المركز العاشر بصفتها المساعدة الأولى لـ "تشين مو ".
لقد باتت الأوساط الغربية تنظر إلى "مجموعة جيش النمل " بمزيج من الهيبة والرهبة ؛ فالجميع يدرك ما يعنيه النجاح في استغلال موارد القمر. وفي ظل افتقار العالم حالياً للقدرة على منافسة هذه الموارد ، ستستأثر "مجموعة جيش النمل " بخيرات كوكب كامل ، وسيستمر هذا التفرد حتى تكتسب دولة أو شركة أخرى المهارات التقنية ذاتها. وأي سوق يخضع لاحتكار من هذا النوع يحقق أرباحاً تجعل الرأسماليين في حالة سُعار ، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمورد استراتيجي كالهيليوم-3 ؟
أغرق خبر نجاح "تشين مو " منصات الأخبار العالمية. وبعد وقت قصير ، بادرت دول عدة بقيادة الولايات المتحدة إلى الدعوة لجلسة طارئة في الأمم المتحدة ، آملة في حث الصين على فتح منصة التعاون الخاصة بها ، والسماح للدول الأخرى بالمشاركة في استكشاف القمر. وقد رفضت الصين هذا الطلب بحجة أن المنصة ملكية خاصة لشركة ولا تملك سلطة القرار بشأنها ، لكنها أبدت استعدادها لمنح الدول عينات من صخور وتربة الجانب البعيد من القمر دعماً للأبحاث العلمية.
لم يكد يُرفض المقترح حتى طالبت الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية -بذريعة المادة الثانية عشرة من "معاهدة الفضاء الخارجي "- بإجراء تفتيش على مركبة "الإلهة " التابعة لـ "مجموعة جيش النمل " ومعدات قاعدتها القمرية ، مجددين الطلب بفتح منصة التعاون.
جاء رد "مجموعة جيش النمل " قاطعاً وبالرفض المباشر ؛ حيث صرحت بأنها ترحب بالتعاون ، ولكن ليس تحت إملاءات أحد ، ولن تتعاون أبداً مع من يضمرون نوايا سيئة.
ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد ؛ فقد انتشرت الشائعات فور رفض المجموعة ، لا سيما في الدول التي انهار اقتصادها بسبب تقنية الاندماج النووي. وبدأت بعض وسائل الإعلام تشين حملات تضليل لتأجيج السخط ضد "مجموعة جيش النمل ". وفي الوقت ذاته ، قدمت واشنطن وسيول أدلة مزعومة للأمم المتحدة ، تشكك في أن شركة "نملة العمل للدفاع " التابعة للمجموعة ربما تنشر أنظمة تسليح في القاعدة القمرية ، في محاولة للاستحواذ على القمر وجعله ملكية خاصة لـ "تشين مو " بالمخالفة للمعاهدات الدولية ، مطالبين بوقف خطة المجموعة القمرية وإرسال لجان تحقيق.
غير أن هذا المقترح لم يمر ؛ ففي هذه الظروف الحرجة ، لا أحد يرغب في معادات "مجموعة جيش النمل " التي تجاوزت قوتها وتأثيرها حدود محاولات الحصار. بل على العكس ، أصبح هؤلاء يخشون أن توقف المجموعة تزويدهم بأجهزة الإسقاط الهولوغرافي ، وأجهزة رصد الزلازل ، وتراخيص براءات الاختراع ، مما قد يعرض شركاتهم الوطنية للانهيار. فاليوم ليس كالأمس ، وبغياب الدعم الدولي ، باءت محاولات فرض عقوبات على المجموعة بالفشل ، وجعلت من الولايات المتحدة أضحوكة دولية لعدة مرات.
كانت هذه المحاولات الفاشلة هي التي كشفت للعالم حجم التأثير الحقيقي لـ "مجموعة جيش النمل " وأثبتت أن وصول "تشين مو " للمركز الرابع عالمياً كان استحقاقاً لا جدال فيه. استمر هذا الصراع شدّاً وجذباً لخمسة أشهر ، شهدت خلالها المجموعة أربع رحلات ناجحة للجانب البعيد من القمر ، مع تعزيز القاعدة بمزيد من الروبوتات والمواد الإنشائية. وخلال هذه الفترة ، اكتمل بناء فندق الفضاء التابع لشركة "النملة الطائرة " وبدأ مشروع السياحة الفضائية التجاري يدخل مرحلة التسارع.
وفجأة ، أعلنت روسيا -التي كانت تقف خارج هذا الصراع- انسحابها من "اتفاقية التعاون المشترك لأبحاث بلازما الحرارة العالية " التي يهيمن عليها الغرب ، وقررت السير منفردة. و هذا المشروع ، المعروف بـ "خطة خلق الشمس " كان قد أُسس كبديل للمشاريع التي تشارك فيها الصين ، حيث استبعد الغربُ الصينَ منه وقادته الولايات المتحدة وروسيا مع سبع دول أخرى.
أثار قرار روسيا صدمة كبيرة ، وفسر المحللون ذلك بوجود خلافات وتهميش داخل المنظمة. وسرعان ما حذت اليابان حذو روسيا ، مما عزز الاعتقاد بوجود شرخ عميق بين أطراف هذا التحالف.
ولم تكن استقالة اليابان نهاية المطاف ؛ فبعد فترة وجيزة ، تولت الرئيسة الجديدة للولايات المتحدة "إيفا " -وهي الابنة الكبرى للرئيس السابق وأول امرأة تصل لهذا المنصب- السلطة ، وفي يومها الثالث في الحكم ، وقعت قراراً بالانسحاب من "خطة الشمس " لتصبح الدولة الثالثة التي تغادر الاتفاقية.
رحيل الدولتين القائدتين ، إضافة إلى دولة تقنية عظمى ، أدى إلى انهيار المنظمة دون التوصل لنتائج. ولم تفهم الأطراف الأخرى أسباب هذا الانسحاب الجماعي ، واكتفت برد ذلك إلى التوترات السياسية والصحية السابقة.
وبينما كان العالم يتساءل عن الأسباب ، أعلنت أكاديمية العلوم الروسية ومعهد "كورتشاتوف " عن تحقيق اختراق جوهري في تقنية الاندماج النووي ، وأن المشروع يقترب من مرحلة النضوج. أثار الخبر حماسة وطنية في روسيا وذهولاً عالمياً ؛ فمعهد "كورتشاتوف " هو مهد أول مفاعل "توكاماك " في التاريخ ، وها هو اليوم يسجل إنجازاً جديداً.
أثار هذا الإعلان غضب التحالف المكون من سبع دول بقيادة الاتحاد الأوروبي ، متهمين روسيا باستغلال الأبحاث المشتركة في "خطة الشمس " لتحقيق هذا التقدم ، ثم الانسحاب للاستئثار به. وبينما كانت حرب التصريحات على أشدها ، تفاجأت الولايات المتحدة الجميع بإعلانها عن تحقيق اختراق مماثل ، وسرعان ما لحقت بها اليابان.
في تلك اللحظة ، أدرك الاتحاد الأوروبي وبقية الأطراف أنهم تعرضوا لخيانة من حلفائهم ، وأن الدول الثلاث كانت قد اكتشفت المفتاح التقني للاندماج النووي ، واختارت الانسحاب لكي لا تشاركهم ثمرة هذا الاكتشاف. وعندما طالب الأوروبيون بمشاركة تقنية ، قوبل طلبهم بالرفض القاطع.
حوّلت هذه السجالات العالم إلى ساحة من الفوضى ، في وقت كان فيه المشهد الدولي يتغير بشكل جذري. وقد شهدت الدول التي تعتمد على صادرات الفحم والنفط حالة من الانهيار الاقتصادي ، وبدأت ملامح الاضطرابات تلوح في أفق بعض الدول الصغيرة. و لقد تجلت الآثار الحقيقية لتقنية الاندماج النووي المحكوم حين أعلنت تلك الدول عن اختراقاتها ، وكأن الكثيرين راحوا يلمحون ملامح عصر جديد ونظام عالمي مختلف تماماً.