الفصل 599: بث مباشر من الفضاء
في الفضاء الخارجي على ارتفاع 400 كيلومتر ، استقرت مركبة "شين-نو " (الإلهة) في مدارها ، بعد أن توقفت محركاتها الأيونية عن العمل لتُحلق الآن في سكون وانسجام.
لقد بلغ هذا الارتفاع ما يعادل مدار المحطات الفضائية الدولية.
منذ لحظات ، بدأ "تشين مو " يستشعر تغيرات البيئة من حوله ؛ فقد تحرر جسده من سطوة الجاذبية ، مما أشعره بعدم التوازن ، وكأن عالمه قد انقلب رأساً على عقب ؛ فاندفعت الدماء إلى رأسه ، مما أصابه بدوارٍ وشرودٍ في الذهن.
ومع مرور الوقت كانت تلك الأحاسيس تزداد حدةً وضراوة.
صحيحٌ أنه خضع لتدريبات مكثفة على الأرض ، بما في ذلك محاكاة وضعية الانقلاب ، وتدريبات في المسابح وأجهزة الطيران لمحاكاة انعدام الجاذبية إلا أن خوض التجربة حقيقةً على أرض الواقع يختلف تماماً عن فصول التدريب.
لقد انتابه شعورٌ بالغثيان وضيق في الصدر ، وشعر باحتقانٍ في الرأس وانتفاخٍ في الوجه ، كأن دماءه تأبى إلا أن تتدفق نحوه ، بينما فقد جسده القدرة على الاستجابة لأوامره.
- "مو-نيو ، ما هو الوضع الراهن ؟ "
تنفس "تشين مو " بعمق ، محاولاً التغلب على اعتلال صحته ، ثم سأل.
كان يشعر بضيق في مقصورة الأمان ، لكنه في الوقت ذاته كان يترقب ما خلف جدرانها.
- "مركبة 'شين-نو ' تعمل باستقرار ، الارتفاع 417 كيلومتراً ، والسرعة 7.85 كيلومتر في الثانية. ثم ضغط الهواء ودرجة الحرارة داخل المقصورة ضمن المعدلات الطبيعية. "
جاءه صوت "مو-نيو " عبر أذنه.
- "إليك صورة لما يبدو عليه المشهد في الخارج. "
أرسلت "مو-نيو " صورةً إلى شاشة المقصورة كانت لوحةً لنجومٍ متلألئة في أرجاء المجرة ، تبدو أكثر روعةً وبهجةً مما يُرى من على سطح الأرض.
- "يا أخا 'مو ' ، هل تشعر بأي توعك ؟ "
- "أنا بخير ، أشعر بانتفاخ في الوجه وضيق في الصدر ، إنه أمرٌ مزعج قليلاً ولكن يمكنني التأقلم. أرغب في الخروج ، استعدي لذلك. " أجاب "تشين مو ".
- "المركبة تحلق الآن في مسارٍ مستقر ، يمكنك الخروج في أي وقت يا أخي. "
- "حسناً. "
بعد أن تأكد من استقرار الأوضاع ، فك "تشين مو " أحزمة الأمان بحركاتٍ مضطربة.
في اللحظة التالية ، راح جسده يطفو دون سيطرة ، فخلا الفراغ من حوله من أي نقطة ارتكاز ، مما أشعره بفقدان الأمان ، وصارت حركاته ثقيلة وغير متناغمة.
لم يجد "تشين مو " بداً من التشبث بالمقبض الجانبي للحفاظ على توازنه.
- "افتحي بوابة مقصورة الأمان. " قال ذلك وهو يحاول تنظيم أنفاسه لتخفيف وطأة ما يعانيه.
*طقطقة...*
بصوت خافت ، فُتحت البوابة بانسيابية.
بخطواتٍ متعثرة ، أمسك "تشين مو " بالمقبض ، حذراً من دفع نفسه بقوة مفرطة.
فقد نصحه الخبراء سابقاً بأن الحركة في الفضاء تتطلب رفقاً ، وإلا فإن أقل اندفاعٍ قد يقذفه للاصطدام بالجدران.
بعد أن طفا خارج مقصورة الأمان ، علق "تشين مو " في مقصورة النشاط ، وبمساعدة الروبوت ، خلع بدلة الفضاء وارتدى بدلةً ضيقة مخصصة للحركة.
- "يا أخا 'مو '. " دخلت "مو-نيو " إلى المقصورة لتساعده في تغيير ملابسه.
كانت قدما "مو-نيو " مزودتين بمغناطيسات كهربائية تلتصق بجدران المقصورة ، وهي بطبيعتها لا تتأثر بالجاذبية ، لذا كانت حركاتها متناغمة وأكثر مرونة من "تشين مو ".
- "لننطلق ، فلنذهب إلى المقصورة المركزية. "
فرك "تشين مو " وجهه المتورم ، واتكأ على كتف "مو-نيو " لتسحبه نحو المقصورة المركزية.
مركز "فايي " للفضاء.
في غرفة التحكم كان الجميع في حالة انتظار.
كانت "شياو يو " و "تشاو مين " تعيشان حالةً من القلق البادي على وجهيهما.
ولولا أن الأجهزة كانت تؤكد سلامة الرحلة واستقرارها ، لكان القلق قد بلغ بهما أشد مبلغه.
- "كيف حال 'وو-شوانغ ' في مدرستها الآن ؟ "
كانت "تشاو مين " تشعر بالتوتر أيضاً ، وأدركت أن "شياو يو " في حالة من التوجس تفوقها ، فأرادت تشتيت انتباهها.
- "إنها مطيعة للغاية ، وقد تأقلمت مع أجواء الروضة. و لقد أعدّ 'تشين مو ' مجموعة من المواد التعليمية التأسيسية للمدرسين هناك ، وكانت النتائج مبهرة. و لقد حازت 'وو-شوانغ ' مؤخراً على وسام 'الزهرة الحمراء ' وكانت تتباهى به أمام والدها ، وهي لا تنفك تذكر اسمك يا خالة 'مين ' ، وتطلب مني أن أريكِ إياه. "
- "سأمرُّ لزيارتها هذه الليلة إذن. " ابتسمت "تشاو مين " ببهجة بعد سماعها شوق الطفلة إليها.
- "تلك المواد التعليمية التي وضعها كانت على الأرجح مصممة لـ 'وو-شوانغ ' خصيصاً ، لكن الأطفال في تلك الروضة محظوظون حقاً ، ومن يعلم ؟ قد يخرج منهم عباقرة في المستقبل. "
- "في البداية ، أبدى بعض أولياء الأمور تحفظات على منهجه التربوي ، لكن حين علموا أنه هو من أعدّها ، تلاشت تلك الاعتراضات. والآن ، يتسابق أثرياء المدينة لإلحاق أطفالهم بالروضة بعد أن عرفوا أنها المكان الذي يرتاده أطفال 'تشين مو ' حتى إن صف الانتظار باتت طويلة. بل إن وزارة التعليم أرسلت وفداً للحصول على نسخة من تلك المواد ، قيل إنهم يدرسون تعميمها على مستوى البلاد. "
ابتسمت "شياو يو " بفخر ، وعندما جاء ذكر براعة "تشين مو " تبددت كل همومها.
- "لا أدري كيف حاله الآن ، إنه لا يفتأ يثير قلقنا. "
- "حسب الجدول الزمني ، يجب أن يتواصل معنا قريباً. " نظرت "تشاو مين " إلى الساعة.
- "حين يعود ، سأجعله ينام على الأرض فعلاً. "
- "أشُكُّ أنكِ ستطاوعكِ نفسكِ على ذلك. " مازحتها "تشاو مين ".
في تلك الأثناء كان انقطاع الإتصال بين المركبة والمركز يضفي جواً من الحذر والتوتر. فـ "تشين مو " شخصية ذات ثقلٍ كبير ، وأي مكروه يصيبه سيكون خسارة فادحة.
كان "لي تشنج تشي " يشعر بذات القلق ؛ فـ "تشين مو " ثروة وطنية نادرة ، وأي خطأ قد يقع ستكون عواقبه وخيمة. و لكن في حضرة الخبراء والروبوتات لم يجد من يسأله ، فظل يترقب بصمت.
تم الاتصال!
فجأة ، انبعث صوت "مو-نيو " في أرجاء المركز المتوتر.
أحدث ذلك الصوت صمتاً مطبقاً ، سرعان ما تحول إلى ترقب ، حيث اتجهت أنظار الجميع نحو الشاشة الضخمة.
ظهر وجه "تشين مو " مبتسماً ، في زاوية تصوير تشبه "السيلفي " وبدا في حالة صحية جيدة.
كدت "شياو يو " تبكي من شدة التأثر.
بعد ساعات من القلق ، رأت "تشين مو " سالماً معافى ، فاستراح قلبها أخيراً.
- "نجح الأمر ، أعتذر لأنني جعلتكم تنتظرون. "
بمجرد نطق هذه الكلمات ، عمّت الفرحة غرفة التحكم.
- "كيف حالك ؟ هل أعراض التوعك حادة ؟ " سأل "أو تشنج ".
- "أنا بخير ، رد فعل الجسد كان أقوى قليلاً مما جربته في التدريبات ، لكن بعد التأقلم لم تعد هناك مشاكل كبيرة ، بل على العكس ، إنها تجربةٌ فريدة ومدهشة. " أجاب "تشين مو ".
- "هذا جيد. "
سلامة "تشين مو " كانت نبأً ساراً للجميع.
- "أين 'شياو يو ' ؟ "
- "أنا هنا. " سارعت "شياو يو " لتقترب من الشاشة ، وعيناها تفيضان رقةً.
- "لا تقلقي ، الأمور تحت السيطرة ، وسأعود قريباً ، أراهن أنكِ تخططين لجعل نومي على الأرض عقاباً لي. " قال "تشين مو " مازحاً.
- "لقد حزرت ذلك بالفعل. " ردت "شياو يو ".
- "... "
ساد صمتٌ قصير بعد جملتها ، ثم انفجر الجميع في غرفة التحكم بالضحك. حيث كانت دعابةٌ خفيفة أزاحت ثقل القلق عن الصدور.
ابتسم "تشين مو " أيضاً.
- "تذكري أن تجهزي لي وجباتي المفضلة للاحتفال. النجوم هنا تبدو ساحرة ، والأرض تبدو بديعة الجمال ، سأصحبكِ معي في المرة القادمة. "
- "اتفقنا. " أومأت "شياو يو " برأسها بقوة.
- "وماذا عن 'تشاو مين ' ؟ "
- "أجل. " اقتربت "تشاو مين " من الكاميرا "أخيراً تذكرتني. "
- "هل هناك ما يتوجب علي فعله ؟ " سأل "تشين مو ".
فمن معرفته بـ "تشاو مين " يعلم أنها لن تترك فرصة تجارية تفوتها ، وبما أنه نجح في الوصول للفضاء ، فبالتأكيد ستستغل ذلك للترويج.
- "أنت تفهمني جيداً. " ابتسمت "تشاو مين ".
- "بما أنك سألت ، فسأقترح عليك: إذا شعرت بالملل من تأمل المناظر ، فقم ببثٍ مباشر من الفضاء ، ألقِ كلمةً للموظفين من هناك. "
إن قيام صاحب الشركة ببثٍ مباشر من الفضاء ، وعلى متن طائرته الخاصة ، هو أبلغ رسالة ثقة في التكنولوجيا التي يمتلكونها ، مما يعزز روح الفخر والانتماء لدى الموظفين ، ويضفي طابعاً من الكاريزما القيادية على "تشين مو ".
علاوة على ذلك فهي وسيلة ترويجية غير مباشرة.
وبما أن "تشين مو " شخصية ذات ثقل ، فإن البث سيجذب وسائل الإعلام تلقائياً.
وهذا الترويج سيمنح العالم ثقة أكبر في مشاريع "مجموعة النمل " سواء في السياحة الفضائية أو إطلاق الأقمار الصناعية ؛ ففي كل الأحوال ، النجاح في الوصول للفضاء حدثٌ لا يمكن المرور عليه دون استغلاله إعلامياً.
- "أضف إلى ذلك قم ببثٍ مباشر لروضة 'بينهاي ' أيضاً ، لترى 'وو-شوانغ ' والأطفال روعة الفضاء. " أضافت "شياو يو ".
فمثل هذا المشهد سيجعل الطفلة ترى والدها ، ويزرع في قلبها الصغير مشاعر الفخر به ، كما أن ابنتهم شديدة التعلق بوالدها ، وسيكون هذا مصدراً لسعادتها.
- "حسناً ، رتبوا الأمور ، سأبقى هنا لأيام ، ويمكننا إجراء البث غداً. "