الفصل 582: قلب الموازين
«يا إلهي ، أي محرك هذا ؟»
«وما تلك المادة المصنوع منها ؟»
«ذاك الجزء ، كيف صُنع ؟ من المستحيل على مخارطنا الحالية أن تُشكل هذه الأجزاء المخرمة المعقدة بهذه الدقة المتناهية.»
«إنها تبدو كطائرة قاذفة.»
كان الخبراء المتواجدون في المكان كمن أصابهم مس من الجنون ، يفتشون في أدق تفاصيل تخصصاتهم. ولولا ما يتحلون به من انضباط ، لاندفعوا نحو الآلة دون تردد.
هذا العملاق القابع أمامهم ، والذي كان في طور الإنتاج ، يجمع بين جنباته كل ما توصل إليه العلم من تقنيات متطورة ، وكأنه تحفة فنية من الطراز الرفيع.
لقد تجاوزت الكثير من تفاصيله كل ما يحملونه من معرفة مسبقة.
كان الحاضرون نخبة من أبرز العلماء والخبراء في مجالاتهم ، لكنها المرة الأولى التي يشعرون فيها بصدق مقولة: «ما أكثر العلم وما أقلّ ما نعلم» ، إذ عجزت معارفهم المكتسبة عن تقديم تفسير منطقي لما يرونه أمامهم.
وقف «لي تشنج تشي» ذاهلاً ، كشخص غريب لا يفقه في الأمر شيئاً ؛ فالخبير يرى خبايا الأمور ، بينما هو لا يرى سوى عرض مبهر.
توهجت وجوه الخبراء واحمرت أعناقهم من شدة الانفعال ، وبعد برهة ، أدركوا أنهم قد فقدوا وقارهم ، فبدأوا يهدأون تدريجياً ، موجهين أبصارهم نحو «تشين مودي» بانتظار إجابة شافية منه.
أجاب «تشين مودي» بهدوء: «هذه هي الطائرة الفضائية التي صممتها ، ومحركاتها هي محركات أيونية.»
كان وقع كلامه صادماً ، كالصاعقة التي تخرس الألسن.
«ماذا ؟»
تعالت صيحات الذهول من الجميع حتى كادت حناجرهم تتمزق.
فقد فريق الخبراء صوابهم تماماً ، وتخلوا عن كل رزانة ، وقد بدت آثار الحيرة والاندهاش جلية على محياهم.
«هذا مستحيل! لا يمكن! إن أرقى أجهزة الدفع الأيوني في العالم حالياً لا تكاد تبلغ قوة دفعها نيوتناً واحداً ، فكيف يعقل وجود محرك أيوني بهذه القوة ليحلق بطائرة تزن عشرات الأطنان ؟»
هز أحد خبراء المحركات رأسه بعنف ، وقد تملكه اضطراب شديد ، إذ رفض عقله تصديق ما سمع. حيث كان يشعر أن منظومته المعرفية التي أفنى عمره في بنائها تتداعى أمام عينيه ، وكل ما رآه جاء ليقلب موازين فهمه ، ويجبره على الإقرار بوجود علم جديد كلياً.
ابتسم «تشين مودي» دون أن ينطق بكلمة ؛ فهو يعلم أن كثرة الشرح لا تجدي نفعاً ، فما لم يتقبل المرء الحقيقة بنفسه ، فلن يؤمن بها حقاً.
بظهور هذه الطائرة الفضائية ، لن يعود ممكناً إخفاء تقنيات المحركات الأيونية ، لذا لا بد للعالم الخارجي من أن يمر بمرحلة استيعاب ، حيث ستتوالى الكشوفات التقنية مستقبلاً.
سأله أحد مهندسي تصميم المحركات بعينين ملؤهما الطمع في المعرفة: «هل تتوفر لديك بيانات تجريبية ومقاطع مصورة ؟ هل يمكنك تزويدي بنسخة منها ؟»
ورغم شكه في صحة ادعاءات «تشين» إلا أن حصوله على محرك بهذه القوة -حتى لو كانت مجرد بضع عشرات من النيوتنات- سيعد قفزة حضارية تسارع من خطى البشرية في استكشاف الفضاء.
أجاب «تشين مودي» بسخاء: «سأمنحك نسخة لاحقاً.»
كان يمتلك بالفعل كل البيانات والتسجيلات ، لكنه يعلم أن من لا يمتلك البنية التحتية للنظريات العلمية المتعلقة بالمحركات الأيونية ، سيظل كمن وجد كنزاً في الصحراء ولا يملك سوى النظر إليه بحسرة. حتى لو منحهم تلك النظريات ، فلن يستطيعوا هضمها وإنتاج محرك أيوني ناضج قبل عقد من الزمان.
«دعونا ننتقل الآن لمشاهدة الطائرة الجاهزة للتجربة.»
قاد «تشين مودي» الجموع خارج ورشة العمل ، بينما كان الخبراء ينظرون خلفهم بتعلق شديد ، وكأنهم يودون اقتطاع قطعة من المكان قبل رحيلهم.
لم يمض وقت طويل حتى توقفوا أمام مستودع ضخم.
وما إن ارتفعت بوابته ببطء حتى ظهر كيان «شين نوي» العملاق أمام أنظارهم.
«آه...»
شهق جميع أعضاء فريق تصميم الطائرات في آن واحد ، وقد غمرهم الذهول مجدداً.
إذا كانت الهياكل التي رأوها سابقاً مجرد نماذج أولية ، فإنهم الآن أمام الطائرة الكاملة بكامل عظمتها.
تصميم مثالي ، وخطوط انسيابية هادئة كأنها صنيعة يدٍ خفية. إنها أجمل طائرة وقعت عليها أعينهم حتى أولئك الذين شاركوا في تصميم القاذفة «هونغ-20» شعروا أنها لا ترقى إلى مستوى هذه التحفة.
خالجتهم رغبة عارمة في البكاء من شدة التأثر.
سأل «يانغ وي» بصوت متهدج يملؤه الإلحاح: «هل تسمح لنا بالدخول لرؤية الطائرة من الداخل ؟»
أومأ «تشين مودي» بالموافقة.
بمجرد نيله الإذن ، اندفع فريق الخبراء كالأطفال حين يجدون ألعابهم المفضلة ، متسابقين نحو الطائرة بسرعة أذهلت الناظرين.
راقبهم «تشين مودي» من الخلف وهو يهز رأسه ، فقد بدوا كرياضيين لا كباحثين ، وخشي عليهم من التعثر ، فإصابة أحدهم ستكون خسارة فادحة.
أما «لي تشنج تشي» الذي التزم الصمت طوال الوقت ، فقد اتسعت عيناه غير مصدق لما يرى. ففي عرفه ، هؤلاء الأكاديميون والخبراء كانوا دائماً رزانةً ووقاراً ، لكن صورتهم تلك انهارت في هذه اللحظة ، وهي رؤية لم يألفها من قبل ، بدت كأنها ضرب من الخيال.
«هيا بنا.»
ابتسم «تشين مودي» ونادى «لي تشنج تشي» ليلحق به ؛ فهو يتفهم تماماً حالة هؤلاء الخبراء. فكل واحد منهم مهووس بعمله ، وهو سر ما وصلوا إليه من مكانة. ولا عجب أن يبدوا بهذا الحماس الجامح ، فهم كمن يرى جوهرة نادرة تلمع أمام عينيه.
بما أن باب الطائرة لم يكن مفتوحاً بعد ، اكتفى الباحثون بالدوران حول الهيكل وتأمله. تجمعت مجموعة من الخبراء حول محرك أيوني ضخم في بطن الطائرة ، محاولين اقتفاء أثر تقنيته ، وهم يجادلون باستخدام ما تعلموه لإثبات ما إذا كان المحرك بتلك القوة التي ادعاها «تشين».
انهالت المعادلات ، لكن عقولهم ظلت في حيرة. أما «لي تشنج تشي» فقد كان يستمع إلى نقاشاتهم ويشعر بالدوار ؛ فالكلمات صينية ، واللغة مفهومة ، لكن الربط بينها كان خارج نطاق استيعابه.
وفي زاوية أخرى كان خبراء المواد يدرسون جسد الطائرة ؛ من العجلات إلى الهيكل الخارجي والطلاء ، متمنين لو استطاعوا اقتطاع عينات منها للبحث ، لكنهم اكتفوا بالنظر.
كانت الوجوه متوهجة بحماس لا يوصف. فمقابلتهم لهذه التقنية المتطورة جعلت لهذه الزيارة ثماراً يانعة حتى وإن لم يحصلوا على التقنيات مباشرة ، فقد وجدوا الطريق الصحيح ، مما سيسمح لهم بوضع مجالهم في مستوى جديد خلال حياتهم.
«من هنا.»
وصل «تشين مودي» إلى باب كائن في بطن الطائرة ، وما إن انفتح الباب ببطء حتى انكشفت مقصورة القيادة للجميع.
توزع ترتيب المقصورة بوضوح لا غموض فيه.
بعد أن استجمعوا أنفاسهم ، دخل الخبراء الواحد تلو الآخر بحذر شديد ، خوفاً من لمس التجهيزات الحساسة.
قال «يانغ وي» بصوت مرتعش من الحماس: «هذه الطائرة يمكن تحويلها إلى قاذفة استراتيجية من الجيل السادس!»
تعد القاذفات الاستراتيجية رمز قوة الردع لأي دولة. وعندما ظهرت القاذفة الشبحية في العرض العسكري سابقاً ، أذهلت العالم بأسره ، ورغم أن الروبوتات الحربية خطفت الأنظار إلا أن القاذفات ظلت السلاح الاستراتيجي الأكثر رعباً.
إن القاذفة التي تعمل في الفضاء والجو هي الردع النووي للجيل القادم ، والمهمة التالية لكل فريق تصميم. وهذه الطائرة التي أمامهم تحقق كل الشروط التي يطمحون إليها.
سأل «هوا شينغ» ، كبير المهندسين في مشروع «لينغ شياو» ، بحماس: «ما هي الحمولة القصوى التي يمكن لهذه الطائرة نقلها ؟»
أجاب «تشين مودي»: «نقدر أقصى وزن للإقلاع بنحو 230 طناً.»
ثم سأل «تشانغ جيان فينغ» ، كبير المصممين في مشروع «تشانغ إيه» (استكشاف القمر) ، وهو يرمق «تشين مودي» بنظرات ثاقبة: «هل تستطيع الوصول إلى القمر ؟»
رد «تشين مودي»: «بمجرد نجاح الرحلة التجريبية ، سأبدأ بالتحضير لمهمة القمر. و من الناحية التقنية ، نعم ، هي قادرة على ذلك.»
«هاهاها...»
ضحك «تشانغ جيان فينغ» الذي تجاوز الأربعين من عمره ، كطفل صغير ، فقد رأى أخيراً طموحهم في الوصول إلى القمر يتحقق.
قاطعه خبير في محركات الطيران بسؤال مريب: «أكاديمي تشين ، ما هو مصدر طاقة هذه الطائرة ؟ ولماذا لا نرى خزانات الوقود ؟»
توقف الجميع عاجزين عن الكلام والتفتوا نحو «تشين مودي» بانتظار الجواب.
«اتبعوني.»
لم يتفاجأ «تشين مودي» بهذا السؤال ، فتوجه مع «مو نوي» (الذكاء الاصطناعي) نحو قمرة التحكم المركزية ، بينما سارع الخبراء لإفساح الطريق له ، متبعين خطاه بانتظام.