الفصل 218: الرفض
وقفت "شو يان شين " بجوار نافذة غرفة الاستقبال ، تطل من علو على مجمع شركة "النمل العسكري ". كانت هذه زيارتها الأولى للشركة التي لطالما تردد صيتها في أرجاء البلاد كواحدة من أعظم الصروح التجارية ، خاصة بعد ابتكارها لجهاز رصد الزلازل الذي جعل منها كياناً استثنائياً.
رجلٌ يصغرها بعامٍ واحد ، بدأ من الصفر ، وفي وقت وجيز استطاع أن يرتقي بشركته إلى مكانة جعلت عيون الجميع تتجه إليها بذهول. ويبدو أن هذا الإنجاز الأسطوري بات عصياً على من يحاول مجاراته.
كان "تشين مو " يثير في نفسها شعوراً بالغموض ؛ فهي لا تعرف عنه شيئاً يذكر ، ولا تدرك حتى اهتماماته أو هواياته ، ومع ذلك كان الفضول يغمرها تجاهه. لا سيما بعد أحداث الليلة الماضية ؛ إذ لم تزل صورة "تشين مو " وهو يسحبها بعيداً عن الخطر عالقة في ذهنها ، ذلك الشعور بالأمان الذي لم تألفه من قبل. حيث كان والدها في الأصل من دفعها للتقرب منه ، لكنها وجدت نفسها اليوم تنجذب إليه بصدق.
سألت "شو يان شين " الروبوت في غرفة الاستقبال "كم من الوقت سيستغرق مديركم للخروج ؟ ".
لقد مرت نصف ساعة منذ دخلت الشركة ، وأُبلغت بأن "تشين مو " في المختبر ، وما زال الحال على ما هو عليه.
أجاب الروبوت "يا آنسة شو يان شين ، السيد في المختبر حالياً ، ولا يُسمح لأحد بمقاطعته أثناء البحث. و إذا كنتِ على عجل ، يمكنكِ العودة لاحقاً ، وإلا فعليكِ الانتظار حتى يخرج السيد ليتم إبلاغه ".
قالت "إذاً ، سأنتظر ".
منذ وطئت قدماها الشركة كانت المعاملة تتم عبر الروبوتات ؛ فقد فاق ذكاء الشركة الاصطناعي كل توقعاتها ، ولم يعد غريباً أن يطمح والدها إلى التعاون معهم لتطوير "المباني الذكية ".
في تلك الأثناء ، دخلت "شياو يو " الغرفة وألقت نظرة على "شو يان شين " فقد عرفت أنها ابنة قطب العقارات. وعندما أخبرها "تشين مو " بوقائع الحفل بالأمس ، توقعت أن تسعى للقائه ، لكنها لم تظن أن ذلك سيحدث بهذه السرعة.
قالت "شياو يو " "آنسة شو ، لقد خرج المدير ".
أومأت "شو يان شين " بالموافقة ، ونهضت من مقعدها لتتبعها. وما إن رآهما الموظفون حتى تعالت نظرات الدهشة ، وبدأوا يتهامسون بمجرد دخولهما المصعد.
"ما الخبر ؟ مساعدة المدير ’خه‘ تأخذ ’شو يان شين‘ لمقابلته ؟ هل نحن أمام صراع بين الحبيبة السابقة والحالية ؟ "
"كفوا عن هذا الهراء! ألم تروهم قادمين معاً اليوم ؟ مساعدة المدير تبدو في أبهى حالاتها و كل ما يُشاع على الإنترنت مجرد أكاذيب ، لا تصدقوا كل ما يقال. و لكن حقيقةً كان المدير شجاعاً جداً في إنقاذها لم أكن أعلم أن مهاراته القتالية بهذا المستوى ".
"أنصحكم بالتوقف عن النقاش الآن ، فلو سمعكم المدير ، ستنتهي مسيرتكم هنا ".
ساد الصمت فوراً ؛ ففي أوقات العمل ، تُعد مناقشة الشؤون الخاصة بالمدير مخالفة تستوجب الفصل.
سألت "شو يان شين " وهي تتأمل "شياو يو " "هل الآنسة ’خه‘ مساعدة للسيد تشين مو ؟ ". لقد شاهدت مقاطع فيديو له ، وفي كثير منها كانت تظهر فتاة في ظله ، هي ذاتها "شياو يو ".
ابتسمت "شياو يو " قائلة "أنا مساعدة الرئيس ، وأشغل أيضاً منصب مساعدة المدير ".
تعجبت "شو يان شين " ؛ فجمع هذين المنصبين لا يعني بالضرورة عجز الشركة عن توظيف آخرين ، بل قد يعني أن "شياو يو " تحظى بمكانة خاصة.
سألتها "من أي جامعة تخرجتِ ؟ وما هو تخصصكِ لتنالي ثقة الرئيس والمدير ؟ ".
أجابت "جامعة بينهاي ، تخصص إدارة أعمال ".
ازداد تعجب "شو يان شين " ؛ فجامعة بينهاي ليست سوى جامعة عادية ، ومن غير المألوف أن تشغل خريجة من جامعة عادية منصبين بهذه الحساسية ، مهما بلغت كفاءتها.
تابعت "شو يان شين " "ألا يثقلكِ العمل ؟ ألا يوظف مديركم سكرتيراً أو مساعداً آخر ؟ ".
أجابت "هذا السؤال عليكِ توجيهه للمدير ، وصلنا ".
خرجتا من المصعد ، وبعد أن ألقت "شياو يو " التحية على "وانغ هاي " وأحد أفراد الأمن ، فتحت الباب الزجاجي لتدخلهما إلى مكتب "تشين مو ". كان المكتب فسيحاً ، يضم مختبرات وأماكن للراحة ، بديكور بسيط يخلو من التكلف ، وباب المختبر كان مغلقاً بإحكام ، مما يحجب ما يدور خلفه.
قالت "شياو يو " وهي تغمز لـ "تشين مو " بمرح "مدير ، الآنسة شو هنا ".
ابتسم "تشين مو " بفتور ، واتجه نحو الأريكة وقال "تفضلي بالجلوس يا آنسة شو ".
جلست "شو يان شين " قبالته وقالت بابتسامة "بما أننا أصبحنا أصدقاء ، نادني بـ ’يان شين‘. حقاً كان الوصول إليك أمراً عسيراً ".
أخذت تتأمل ديكور المكتب ؛ فالمرء يُعرف من أسلوب ترتيب مساحته. فخلفه لوحة كتب عليها "البراعة التي تشبه الغباء " وبجانبه رف للكتب التقنية والعلمية ، وطاولة عليها أقلام ، وجهازا مكبر صوت ذكي ، وأربعة حواسيب. و هذا الأسلوب البسيط أكد لها أنه رجلٌ يحب البساطة.
قال "تشين مو " "كنت في المختبر للتو ". لم يخفِ دهشته من زيارتها ؛ فقد كانت "شياو يو " محقة ، وقد جاءت بسرعة أكبر مما توقع.
قالت "يبدو أن لنجاحك أسباباً منطقية ".
سألها "ما الذي جاء بكِ ، وقد انتظرتِ طويلاً ؟ ".
نظرت إليه بجدية وقالت "جئت لأشكرك على إنقاذي بالأمس. هل أنت متفرغ هذا المساء ؟ أود دعوتك إلى العشاء ، تعبيراً عن امتناني ".
هز "تشين مو " رأسه رافضاً "أعتذر منكِ ، أقبل شكركِ ، لكن ما فعلته كان واجباً بسيطاً ، ولا داعي للعشاء ".
شعرت "شو يان شين " ببعض الخيبة ، فهي تعتبر نفسها امرأة متميزة ، واعتادت أن ينتظر الرجال دورهم لدعوتها ، لكنها حين بادرت هي بالدعوة ، قوبلت بالرفض. حيث كانت هذه أول مرة في حياتها تُقابل فيها بالرفض بعد مبادرتها.
قال "تشين مو " "هل جئتِ لهذا فقط ؟ لا داعي لأن تحملي الأمر على محمل الجد لم يكن حدثاً جللاً ".
قالت "في الحقيقة ، جئت لأمر آخر. درست إدارة الأموال سابقاً واستثمرت مصروف جيبي ، والآن عدت من بريطانيا وأعتزم فتح شركة استشارات استثمارية ، وأحتاج لتوريد بعض الأجهزة المكتبية من شركتكم ، كما أرغب بطلب روبوت ذكي ".
أومأ "تشين مو " "جيد جداً ، سأوجه المسؤولين ليتواصلوا معكِ لتلبية طلباتكِ ".
أصرت "شو يان شين " قائلة "السيد تشين ، هل يطاوعك قلبك على رفض دعوة من امرأة جميلة ؟ ".
أجاب "تشين مو " باعتذار "أعتذر حقاً ، فالبحوث كثيرة ، و’تشاو مين‘ في رحلة عمل ، والعمل يتراكم عليّ ".
بالنسبة له كانت حادثة الأمس مجرد عارض ، وما حدث قد عرفه الناس جميعاً ، وتلبية الدعوة ستجلب المزيد من المتاعب. فلم يكن يشعر تجاه "شو يان شين " بأي ميل ، ومع وجود "شياو يو " فلا داعي لتعقيد الأمور.
قال وهو يتجه إلى ماكينة القهوة "سأكتفي بدعوتك لفنجان قهوة كعربون اعتذار ". وقدم لها القهوة.
في المقابل كان "شو جيا لين " في منزله يطالع الصحف التي غطت خبر إنقاذ "تشين مو " لابنته ، وهو يتأمل الخبر بملامح جامدة. وعندما عادت ابنته ، ارتسمت على وجهه ابتسامة وسأل "كيف سارت الأمور ؟ هل قابلتِه ؟ ".
قالت "شو يان شين " بضيق "قابلتُه ، لكنه رفض دعوتي ". فقد كان من الصعب عليها أن تظن أنها كانت تتوهم الاهتمام تجاه رجلٍ تراه مناسباً لها.
قال "شو جيا لين " "تمهلي أنتِ تعلمين أن مثل هذه الأمور لا تُحسم بين عشية وضحاها ".
قالت "سنرى ". ثم صعدت إلى غرفتها.
رأى "شو جيا لين " علامات الضيق على وجه ابنته ، فعبس. فهو يرى ابنته كاملة الأوصاف في الجمال والحكمة والقدرة ، فكيف يُرفض طلبها ؟ أيتمنى هذا "تشين مو " الزواج بحورية من السماء ؟
فجأة ، قاطع أفكاره اهتزاز هاتفه.
جاء صوت حذر من الطرف الآخر "مدير ، تبين أننا أغفلنا معلومة صغيرة عن ’تشين مو‘ ، فوفقاً للتحقيقات ، هو متزوج بالفعل ".
ضيّق "شو جيا لين " عينيه وقال "حقاً ؟ ومن هي هذه المرأة ؟ ".
أجاب المتصل "إنها مساعدة رئيس شركة النمل العسكري ، ’خه شياو يو‘ ".