الفصل 213: بطاقة الدعوة
شعر "وي تشي " بذهولٍ شديد إثر زيارة "تشين مو " الشخصية. ولم يكن هو وحده فحسب ، بل إن قسم برمجة اللغة الصينية بأكمله ، لحظة رؤيتهم لـ "تشين مو " ارتسمت على وجوههم ملامح الدهشة.
نادراً ما يظهر "تشين مو " في منطقة مكاتب الموظفين ؛ فلديه أبحاثه الخاصة ، وعادة ما يمضي وقته في مختبره الخاص أو في المبنى رقم واحد الغامض. أما شؤون الشركة ، فتتولى إدارتها "تشاو مين ". وحتى "تشاو مين " ذاتها ، قلما يتاح للموظفين العاديين فرصة التواصل معها ، مما جعل "تشين مو " ذلك المالك الشاب ، يبدو أكثر غموضاً في أعينهم.
"تشين مو " هو الركيزة التي يستند إليها التطور التقني لشركة "النمل العسكري " وهذا المالك ذو العقلية الجبارة بات أيقونةً لكل العاملين في الشركة ، وفارس أحلام الشابات فيها.
إن زيارة المالك الكبير للقسم جعلتهم في حالة من التوتر ؛ فلو وُجد أي خلل ، فسيكون أمرهم جللاً ، وقد يصل بهم الحال إلى فقدان وظائفهم.
عندما فُصلت أقسام الشركة لتصبح شركات تابعة مستقلة ، خضع الموظفون لتعديلات هيكلية ضخمة إلا أن "قسم برمجة اللغة الصينية " كان من بين الأقل تغييراً ؛ فمهامهم التقنية في الأقسام الفرعية واضحة ومحددة. و لكن من ينجح في الانضمام لهذا القسم ، فإنه يُعد من بين أكفأ مواهب تطوير البرمجيات في الشركة ، فضلاً عن إتقانهم للغة البرمجة الصينية. و لقد سعت العديد من الشركات جاهدة لاستقطاب هؤلاء النخب ، لكن بفضل قيود عقود العمل ، أصبح ذلك أمراً من سابع المستحيلات.
تُعد لغة البرمجة الصينية حالياً واحدة من أكثر لغات الحاسوب رواجاً ، ولا سيما في أوساط خبراء التقنية ، حيث صار إتقانها بمثابة معيارٍ للتميز. و لقد أدرك الكثير من العباقرة ، وخاصة في مجتمع "الهاكرز " تفوق هذه اللغة ، وبات الكثير منهم شغوفين بها حتى إن قضية "فيروس المهرج " الذي اختطف المدينة وابتز دولةً بأكملها ، أصبحت أسطورة يتناقلونها.
وبسبب تلك الحادثة ، صار التمكن من تحرير أكواد فيروسات اللغة الصينية علامةً فارقة ؛ فشرع المزيد من القراصنة في تعلمها لصناعة فيروسات تدر عليهم الأرباح.
بالنسبة لنظام "ويندوز " فإن كل فيروس يُصمم بلغة البرمجة الصينية يُعتبر فيروساً من نوع جديد ؛ وعلى الرغم من ظهور العديد من برامج مكافحة الفيروسات إلا أن تلك الحلول تظل سطحية ولا تعالج أصل المشكلة.
لقد تسبب انتشار لغة البرمجة الصينية في تنامي مخاوف الناس بشأن أمن الحواسيب ، لذا أصبح "نظام النمل الأبيض " -الذي يُزعم قدرته على صد جميع الهجمات الفيروسية تقريباً- الخيار الأمثل لأصحاب الشركات. لا أحد يرغب في أن تُسرب أسرار شركته أو أن تتعرض أعماله للسرقة بسبب قراصنة ، مما يكبد الشركة خسائر فادحة ؛ لذا لم يكن المال المدفوع في نظام "النمل الأبيض " يشكل عائقاً لأحد.
وهكذا ، أدى انتشار لغة البرمجة الصينية إلى زيادة غير مباشرة في أرباح سوق "مكاتب الشركات " التابع لشركة "النمل العسكري " وهو سوق يمد الشركة بالدماء باستمرار. فإذا كانت أرباح أجهزة قياس الزلازل أشبه بعاصفة هوجاء ، فإن أرباح قطاع مكاتب الشركات أشبه بمطرٍ هتان ، دائم لا ينقطع.
ومع انتشار "نظام النمل الأبيض " أصبحت إحدى مهام قسم البرمجة الصينية هي التطوير العميق لنظام هذا النظام البيئي. و لقد ازدهر القسم منذ تأسيسه تحت إدارة "وي تشي " وذلك لتمتعه بطبيعة فريدة.
سأل "وي تشي " "سيدي ، لماذا لم تبلغنا بقدومك مسبقاً ؟ "
منذ أن ضمه "تشين مو " إلى شركة "النمل العسكري " وجد "وي تشي " نفسه في بيئته الطبيعية ، كالفرس الأصيل الذي وجد فارساً خبيراً يقدر موهبته ، فأطلق العنان لإبداعه في ميدان العمل.
أجاب "تشين مو " "لقد طرأ أمرٌ مفاجئ ".
ألقى "تشين مو " نظرة على أعضاء قسم البرمجة الصينية. حيث كانت هناك ثلاث مجموعات ، تضم كل منها عشرة أفراد ، يعيشون في حالة من المنافسة البناءة ؛ يتعاونون في المنافسة ، ويتنافسون في التعاون. أعداءٌ وأصدقاء في آنٍ واحد ، وهذا النوع من المنافسة الشريفة هو ما تنشده الشركة.
سأل "تشين مو " "هل أنتم مجتمعون بهذا العدد الكبير لعقد اجتماع ؟ "
رد "وي تشي " "نناقش بعض القضايا التقنية ".
بصفته رئيساً للقسم ، نقل "وي تشي " أسلوب تبادل المعرفة الذي كان متبعاً في منظمة "المهرج " إلى هذا المكان. و في جلسات النقاش التقني ، يتساوى جميع الموظفين ، ويتبادلون الخبرات وجهاً لوجه ، بل ويتشاركون في حل المعضلات التقنية. فاللغة لا تزال في طور النمو ، والكثير من خباياها ما زال بحاجة للاكتشاف.
إن أسلوب الانفتاح في الحوار هذا ساعدهم في تدارك العيوب بسرعة ، مما جعل تقدم الأعضاء مذهلاً. وبالطبع لم يخلُ الأمر من نظام للثواب والعقاب ؛ فكل عضو يطرح مشكلة تقنية ويجد لها حلاً من زملائه ، يحصل على مكافأة ، وكذلك من يقدم أكبر عدد من الحلول ، بشرط أن تكون الحلول عملية ومعتبرة.
هذا التشجيع على النقاش رفع من حماس الأعضاء ، وطوّر من قدراتهم التقنية بشكلٍ ملحوظ. ولأن "وي تشي " لم يسبق له العمل في الإدارة ، فقد اعتمد أسلوباً فطرياً أثمر نتائج مدهشة ، ولم تتدخل "تشاو مين " في إدارته ، بل تركت له زمام الأمور.
أومأ "تشين مو " برأسه برضا "أحسنتم ، يبدو أن شغف التعلم لديكم متقد. إنكم في هذا القسم تمثلون نخبة الملمين بلغة البرمجة الصينية. وبعد هذا الوقت الطويل ، أثق أن كل واحد منكم يدرك مزايا هذه اللغة ، وأنا أولِي هذا القسم اهتماماً بالغاً ".
بكلماته هذه ، شعر الموظفون بحماسٍ لا يوصف ؛ فإشادة "تشين مو " نادرة ولم يُسمع بها من قبل ، وكانت هذه المرة الأولى.
تابع "تشين مو " وهو يشير بيده نحو "لين شو " "اليوم ، جئتكم بزميلة جديدة. تدعى لين شو ، وهي موهبة خاصة استقطبتها لخبرتها في لغة البرمجة الصينية ".
نظر الجميع بفضول إلى "لين شو " ؛ فملابسها البسيطة ووجهها الطفولي لم يوحي بأنها موظفة ، بل طالبة غضة لم تغادر مقاعد الدراسة بعد. حيث كانت "لين شو " متوترة ، فهي المرة الأولى التي تخطو فيها إلى شركة "النمل العسكري " وهو أمر لم تجرؤ حتى على الحلم به.
قالت "لين شو " وهي تحيي الحضور "مرحباً بالجميع ، اسمي لين شو ، وقد تخرجت للتو من المرحلة الثانوية ".
أثارت كلماتها دهشة الجميع ؛ فتعيين طالبة ثانوية بقرار خاص من "تشين مو " يبدو غير منطقي ، رغم أن الواقع أمامهم. ومع ذلك ظن الكثيرون أن ثمة علاقة تربط "تشين مو " بها ، وإلا فما الداعي لهذا التعيين ؟
قال "تشين مو " "تتولى يا وي تشي توزيع مهام عملها ".
أومأ "وي تشي " وهو ينظر إلى "لين شو " "حسناً ".
قال "تشين مو " موصياً "لين شو " "اجتهدي في التعلم هنا ". وعندما أومأت برأسها ، التفت إلى "وي تشي " قائلاً "تولَّ ترتيب مهامها ، وأكملوا اجتماعكم ".
استدار "تشين مو " مغادراً ، لكنه توقف فجأة وعاد بنظره إلى "وي تشي " "لقد نسيت إخباركم ، إنها صانعة الفيروس السابق 'فيروس جيانغنان ' ، وهو النسخة الأم لـ 'فيروس المهرج '. وبرنامج 'النمل الأبيض ' لمكافحة الفيروسات في شركتنا ، هو تطوير لما ابتكرته هي في الأصل. لا تستهينوا بها لصغر سنها ".
عند سماع ذلك ساد الصمت ، والتقط الجميع أنفاسهم بذهول. و في تلك اللحظة ، أدركوا سبب اهتمام "تشين مو " بها ؛ فلم يكن الأمر محاباة ، بل تقديراً لموهبة حقيقية. إن ضجة "فيروس المهرج " كانت ذائعة الصيت في أوساط المبرمجين ، ومن يعمل في هذا المجال يستحيل ألا يعرفها. لم يخطر ببال أحد أن خلفية ذلك الحدث تعود لهذه الفتاة التي لم تتجاوز السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمرها. وشعر الكثير ممن يعتبرون أنفسهم عباقرة بضربة موجعة لكبريائهم.
قال "وي تشي " بجدية ، إذ لم يعد بإمكانه التهاون معها "لين شو ، ستكونين مساعدتي في البداية ، وحين تكتسبين الألفة مع بيئة العمل والقسم ، سننظر في مهام أخرى ". كان يدرك أن "تشين مو " وضعها هنا بهدف استثمار المواهب ، ولأنها تمتلك قدرات فذة ، لزمه أن يشرف عليها بنفسه ليكون مطمئناً.
ابتسمت "لين شو " وقالت "شكراً لك ، أنا سعيدة بمعرفتكم جميعاً ".
صفق "وي تشي " بابتسامة "حسناً ، مرحباً بكِ. لنكمل نقاشنا ، والآن وقد انضمت إلينا الآنسة الصغيرة لين ، شاركينا الحديث ".
عاد "تشين مو " إلى مكتبه ، وتناول كوب الشاي الذي قدمه له الروبوت وجرعه دفعة واحدة. إن "لين شو " عبقرية ، ولهذا يوليها اهتماماً خاصاً ؛ فهي تعلمت ذاتياً دون مرشد ، واستطاعت تطوير كود ذكي. ورغم أنه لم يكن طويلاً إلا أنه كان كافياً للتدليل على براعتها.
ما إن تتلقى تعليماً منهجياً ، سيكون مستقبلها مشرقاً بلا حدود ، وربما ترفد شركتهم بطاقة قوية جديدة.
وبينما كان يهم بارتداء معطف المختبر ، ظهرت "شياو يو " وقدمت له بطاقة دعوة "بعد أسبوع ، ستقيم مدينة بينهاي حفل استقبال تجاري ، وسيحضره كبار رجال الأعمال والمديرون في المقاطعة ، وهذه دعوة موجهة إليك ".
أخذ "تشين مو " الدعوة وألقى عليها نظرة سريعة ، ثم فكر قليلاً وأومأ "حسناً ، لنذهب ونلقِ نظرة ".