الفصل 1092: أنت الخاسر
دوى انفجارٌ هائلٌ هزَّ الأرجاء.
على أثر ذلك التفتت "هو بينغ شين " لا إرادياً إلى الوراء ، لتشهد مشهداً يخلع القلب ؛ حيث تلاشت أرواح أولئك الخارقين -الذين سُحبت وعيهم إلى ذلك الفضاء- تحت وطأة كفٍّ عملاقة ، وكأنهم لم يكونوا شيئاً مذكوراً.
اختفت آلاف الأرواح ، ولم يتبقَّ من أصحابها في المكان سوى أجسادٍ ارتسم على وجوهها ذعرٌ لا يوصف. و بدأت "هو بينغ شين " ترتجف ، فقد أحست بأن الهواء فى الجوار قد تشبّع بعبق اليأس. حيث كان "تشين مو " في هذا الفضاء يتجلى كإلهٍ لا يُقهر.
دوى الانفجار مجدداً!
لم يثنِ "تشين مو " عن فعله ذعرُ "هو بينغ شين " بل لوّح بكفه مرة أخرى ، محطماً بقية الأرواح في فضاء الوعي دون رحمة.
هنا ، عقد "تشين مو " حاجبيه مستغرباً. ففي ذلك الفضاء لم يتبقَّ سوى "هو بينغ شين " واثنان آخران لم يتلاشيا "شي مينغ " و "باي لو ". كانت روحاهما أكثر تماسكاً من بقية الخارقين ، بل كانا قادرين على الحركة والمناورة لتفادي ضرباته ، مما دلَّ بوضوح على أن رتبتهما في القوى الخارقة تتجاوز أقرانهما.
صاح "شي مينغ " وهو يندفع نحو "تشين مو " بكل عزمٍ وإصرار "أطلق سراح السيدة! " وتلاه "باي لو " بذات النداء ، وكأنهما في سباقٍ نحو المصير المحتوم.
"سذاجة! " همس "تشين مو " باحتقار ، ثم أطبق كفه عليهما. فبالنسبة لمن هو في مقام "تشين مو " لا يعدو أولئك سوى نملٍ أقوى قليلاً لا أكثر.
بوم! بوم!!
تردد صدا انفجارين آخرين في فضاء الوعي ، ليعود الهدوء إلى المكان ؛ فلم يبقَ سوى "تشين مو " و "هو بينغ شين ". أما في العالم الواقعي ، فلم يتبقَّ من أولئك الخارقين سوى أجسادٍ خاوية بلا وعي.
سألت "هو بينغ شين " وقد اعتصر الحزن قلبها وبدا الشحوب على وجهها "أي قدرةٍ هذه ؟ " فقد أدركت الآن أنها استهانت بقدرات "تشين مو " وأنها قد وقعت في الفخ.
أجابها "تشين مو " بابتسامةٍ باردة "قدرةٌ لن أطلعك عليها ".
قالت "هو بينغ شين " ببرودٍ يائس "إذا كان لا بد من الموت ، فسنموت معاً. و لقد زُرعت في جسدي شريحةٌ لمراقبة المؤشرات الحيوية ، وبمجرد زوال نبضي ، ستعمل على تفجير أسلحة الفضاء التي نشرناها في نظام 'شين يوان '. عندها ، لن تستطيع الهرب من هذا النظام ".
رد "تشين مو " بهدوء "محاولاتٌ عقيمة ". ثم تقلص جسده داخل فضاء الوعي حتى صار أمامها ، وأمسك برأسها بإحكام.
هتفت بذعر "ماذا تنوي أن تفعل ؟ ".
قال "تشين مو " متجاهلاً سؤالها ، بينما كان يطبق بيديه على رأسها كمن يمسك بقطةٍ صغيرة "سوف تدركين ذلك قريباً "....
في مكانٍ آخر ، جاء التقرير من أحد القادة "سيدي الرئيس توقفت المؤشرات الحيوية لجميع الخارقين الذين كمنوا بالقرب من لورد النجم 'شين يوان ' ".
- "وماذا عن 'بينغ شين ' ؟ ".
- "السيدة بخير ، لكن السيد 'شي مينغ ' والسيد 'باي لو ' قد فارقا الحياة ".
"كراك! " تحطم الكوب في يد "رئيس قبيلة النجم الأبيض " (باي شين) الذي تلون وجهه بلونٍ باهت. فعشرة آلاف من الخارقين ، وإن لم يصلوا لمستوى خبراء النجوم إلا أنهم كانوا الأقوى لدى حضارة "باي شين " وكانوا كفيلين بحسم أي حرب كوكبية ، لكنهم أمام "تشين مو " لم يصمدوا لأكثر من خمس دقائق.
لقد كان أسلوبه غامضاً ومرعباً ؛ فقدرته على إبادة جيشٍ كاملٍ في لحظةٍ خاطفة أمرٌ لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب ، حيث كان يُعتقد دائماً أن الفرد -مهما بلغت قوته- لا يشكل تهديداً للفيالق العسكرية. و لكن "تشين مو " من "نمل الجيش " قد كسر هذه القاعدة.
فجأة ، اتسعت حدقتا الرئيس ووقف مذعوراً ؛ فقد استشعر اضطراباً في المكان مصحوباً بخطرٍ محدق. ولم يكد ينهي استشعاره حتى دوت صفارات الإنذار. و في سماء الكوكب ، ظهرت سفينةٌ فضائية من داخل تموجات الفضاء ؛ إنها ذات السفينة التي ظهرت في نظام "شين يوان " ها هي الآن تظهر في الفضاء المصغر الخاص بـ "باي شين " وفوق الكوكب الذي يختبئون فيه مباشرة!
هبت الأساطيل استجابةً للإنذار ، واتجهت نحو مكان السفينة دون تردد ، لكن قبل أن تقترب ، انفجرت جميعها في الفضاء وتلاشت ككرات لهب.
ساد الصمت ، وكأن الزمن قد توقف. تجمد جميع قادة حضارة "باي شين " في القاعة ، وعيونهم شاخصة بذهول. و لقد تكرر هذا المشهد الغريب في كل ركنٍ من أركان نظام "باي شين ".
وفي قاعة "باي شين " الرئيسية ، ظهر تموجٌ مكاني ، فُتح على إثره بابٌ فضائي بارتفاع مترين ، خرج منه ثلاثة "تشين مو " "مو نو " و "هو بينغ شين ".
نظرت "هو بينغ شين " إلى ما آلت إليه القاعة ، وغمرها الألم والارتباك. حضارة "باي شين " قد انتهت! هذا ما جال في خاطرها.
صاح رئيس القبيلة مذعوراً "تشين مو! ". لم يتخيل أبداً أن "تشين مو " قد أسر "بينغ شين " وظهر في عقر دارهم دون سابق إنذار.
هاجم الرئيس بضربةٍ من قبضته نحو "تشين مو " متجاهلاً كل شيء. تصدعت المساحة المحيطة كشبكة عنكبوت وانهارت في لحظة. تلك الشقوق الناجمة عن انهيار الفضاء ابتلعت القاعة بمن فيها ، وسحقت القادة الموجودين تحت ضغطٍ جويٍ هائل ، فغدوا شظايا دون أن يملكوا فرصةً لإطلاق صرخة استغاثة.
كانت هجمةً عشوائية لا ترحم ، لكن "تشين مو " و "مو نو " ظلا صامدين ، بل إن "هو بينغ شين " التي كانت بجانبهما لم تتأثر بشقوق الفراغ تلك.
قال "تشين مو " ببرود "سيدي الرئيس ، طالما سمعنا عن شأنكم الرفيع ".
رد الرئيس بنبرةٍ ثقيلة ، وقد أحس بخطرٍ يتجاوز ما شعر به يوم تطور عند حافة الثقب الأسود "لطالما سمعنا عنكم أيضاً ".
قال "تشين مو " "لقد خسرت ".
رد الرئيس "ليس بعد! ". اندفع الرئيس نحو "تشين مو " في لمح البصر ، ووجه قبضته مباشرة نحو عقله.
"كراك! كراك! " دون أن يتحرك "تشين مو " توقفت قبضة الرئيس على بُعد عشرة سنتيمترات من رأسه ، وظهرت أصوات تشبه تكسّر الزجاج في الفضاء المحيط بتلك القبضة. تغير وجه الرئيس قليلاً ، فصاح "انفتح! ".
فجأة ، انفتح الفضاء أمام قبضته ، لتظهر قبضته خلف رأس "تشين مو " مباشرة ، مكملةً هجومها. إنها مبارزةٌ في القدرات المكانية ، وكان الرئيس واثقاً من قوته.
لكنه في اللحظة التي ظن فيها أنه ظفر ، شعر بفرغٍ في قبضته ؛ فقد اختفى "تشين مو " وظهر خلفه. تغيرت ملامح الرئيس تماماً ، ولم يتردد في الهروب إلى السماء خارج القاعة.
ساد صمتٌ خانقٌ على كوكب "باي شين ". نظر الرئيس من الأعلى ليجد أن جميع مقاتلي الدروع قد سقطوا على الأرض. حيث تملكه الرعب وبلغ منه الغضب مبلغاً عظيماً ؛ فقدرة "تشين مو " كانت غامضة وغير منطقية.
بوم! بوم! بوم!
دون انتظار ، بدأ الرئيس يوجه ضرباتٍ هوائية بقبضته نحو القاعة و كل ضربةٍ كانت تثير تموجاتٍ مكانية تمزق القاعة وتحوله إلى غبار. تحت وطأة ذلك التمزق المكاني لم تكن هناك أي فرصة لبقاء أحدٍ على قيد الحياة. ولم يبالِ بـ "هو بينغ شين " أيضاً ؛ فلم يكن وقت التردد أو الشفقة ، فإذا سقط زمام الأمور بيد "تشين مو " فستضيع حضارة "باي شين " بأكملها.
كراك!
حوّل الرئيس قبضته إلى كف ، وضغط على الفراغ ، فتكون شقٌ مكاني عملاق فوق مكان القاعة الأصلي. أثار الضغط الجوي المكاني المرعب عاصفةً هوجاء ، وابتلع كل ما كان في القاعة. وعندما هدأت العاصفة لم يتبقَّ سوى حفرةٍ عملاقة بقطر عشرة كيلومترات.
ولكن ، قبل أن يلتقط الرئيس أنفاسه ، ظهر "تشين مو " ومرافقاه فوق الحفرة ، يمشون بخطواتٍ وئيدة ، وكأنهم في نزهةٍ هادئة.