الفصل 474: إضحاك الجميلة بكلماته
كان الشاب ذو الجفن الواحد ينوي فحسب أن يربت على كتف "هونغ جي شين"، مقترحاً عليها الانضمام إلى طاولتهم والجلوس مع ذلك الرجل النحيل الطويل.
لكن بمجرد أن لامست كفه كتفها، واجه رداً صاعقاً لم يتوقعه.
أمسكت "هونغ جي شين" بإصبعين من أصابعه ولواهما بقوة، فصرخ من شدة الألم وسقط على ركبتيه كسيراً.
لقد اكتسبت "هونغ جي شين"، بفضل تدريباتها الشاقة مع "لو يانغ"، جرأة ومناعة لم تعهدهما من قبل، وصارت خبرتها القتالية تنمو يوماً بعد يوم.
فحين واجهت هؤلاء الأوباش، لم تتردد لحظة في الرد بقوة؛ وبدأت تلك التقنيات التي لقنها إياها "لو يانغ" تتبلور وتؤتي ثمارها في مواقف القتال الحقيقية.
علاوة على ذلك، فإن وجود "لو يانغ" في الفناء الخلفي للمطعم منحها شعوراً مطلقاً بالأمان والثبات.
ركلت "هونغ جي شين" الشاب ذا الجفن الواحد بقوة، فأطاحت به أرضاً.
عند هذه اللحظة، أدرك الرجل النحيل الطويل أن "هونغ جي شين" ليست مجرد امرأة رقيقة، بل هي مقاتلة أشداء.
وفجأة، نهض سبعة أو ثمانية شبان من أماكنهم وأحاطوا بها من كل جانب.
تعالت صرخات "آن يوينغ" والفتيات الأخريات، اللواتي تملكهن الذعر من هذا المشهد العنيف.
في تلك الأثناء، كان "لو يانغ" و"لياو شينغيانغ" قد انتهيا من حديثهما وخرجا من الفناء الخلفي، وكان "لياو شينغيانغ" يسير خلفه بوقار.
وبينما كانا يهمان بدخول القاعة، كان الأوباش يتأهبون للانقضاض على "هونغ جي شين".
لمح "لياو شينغيانغ" الرجل النحيل الطويل، فنادى عليه مستبشراً: "أيها الأخ 'هي'، لقد أتيت في الوقت المناسب تماماً! هناك من يفتعل المشاكل هنا، أرجوك خلصني منهم".
وبينما هو يتحدث، اندفع للأمام ليقدم سيجارة للرجل النحيل الطويل كنوع من الاحترام.
تعرف "لو يانغ" فوراً على ذلك الرجل؛ لم يكن سوى "شو هي"، أحد الأتباع الخمسة الأقوياء لعائلة "لين"، وهو رجل ذاع صيته وإن ظل اسمه الحقيقي مجهولاً للكثيرين.
عندما ظهر صاحب المطعم، كان البلطجية قد حاصروا "هونغ جي شين" بالفعل، لكنهم لم يبدأوا هجومهم بعد.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عينا "شو هي" على "لو يانغ"، تجمدت الدماء في عروقه، وسقطت السيجارة من فمه من فرط الصدمة والهلع.
وعلى عكس صاحب المطعم، كان "شو هي" رجلاً منخرطاً في دهاليز العالم السفلي، ويعرف تماماً موازين القوى فيه.
لقد أصبح هذا الشاب، "لو يانغ"، منذ أمد بعيد شخصية يحسب لها ألف حساب، ويهابه الجميع في المنطقة.
فقد قُتل "دا فينغ"، أحد أقوى رجال عائلة "لين"، وكان "شو هي" يدرك يقيناً أن "لو يانغ" هو من تخلص منه.
بل إن تابعاً آخر من الخمسة الكبار، وهو "لي غونغجون"، قد ذاق ويلات الضرب المبرح على يد "لو يانغ" نفسه.
ومن بين أولئك الأتباع الخمسة، لم يبقَ سوى ثلاثة لم يصطدموا بـ "لو يانغ" وجهاً لوجه، وكان "شو هي" أحدهم حتى تلك اللحظة.
لم يستطع "شو هي" الحفاظ على ثباته بعد أن التقى به هنا بشكل غير متوقع؛ وبدا التردد والارتباك واضحين في نظراته الزائغة.
فلو فر الآن، لضاعت هيبته ومكانته كقائد أمام رجاله، ولو بقي، لربما انتهى به الأمر جثة هامدة أو محطماً بالضرب.
حين مد "لياو شينغيانغ" يده بالسيجارة، ظل "شو هي" مشلولاً لم يرفع يده لأخذها.
"يا أخ 'هي'…" كرر "لياو شينغيانغ" قوله وهو يضع السيجارة في يد "شو هي" المرتجفة.
أمسك "شو هي" السيجارة بآلية، بينما استطرد "لياو شينغيانغ" مشيراً بيده: "يا أخ 'هي'، إنه هذا الفتى، هو من يسبب المتاعب".
لكن "شو هي" ظل صامتاً كالصخرة، ولم ينطق ببنت شفة.
لم يدرك "لياو شينغيانغ" خطورة الموقف، وظن حين رأى رجاله يحيطون بـ "هونغ جي شين" أن "شو هي" سيتعامل معها أولاً، فوقف جانباً يترقب بزهو.
كان "شو هي" اسماً يتردد صداه في عالم الجريمة، ليس فقط في بلدة "هونغيون"، بل حتى في أرجاء المقاطعة كلها؛ إذ كان الجميع يبدون له الاحترام والرهبة.
أما الآن، وأمام هذا "النجم الصاعد" المرعب، فقد تملكه ذعر خفي.
ومع ذلك، لم يشأ أن يظهر بمظهر الجبان أمام أتباعه الصغار، فاستجمع قواه وسحب نفساً عميقاً، محاولاً كبت مخاوفه، وشد على أسنانه ليرسم تعبيراً من القسوة المصطنعة على وجهه.
ساد المطعم صمت مطبق، حتى كأن المرء يمكنه سماع وقع الإبرة إذا سقطت.
كان التوتر يخيم على كل زاوية، والجو مشحوناً برائحة الصدام الوشيك، وكلا الطرفين يتربص بالآخر على أحر من الجمر.
وعندما رأى "لو يانغ" أن "آن يوينغ" والفتيات الأخريات يرتجفن كعصافير بللها المطر، تقدم نحوهن وأمسك بأيديهن مطمئناً، مشيراً إليهن بأنه لا داعي للقلق أبداً.
تعرف البلطجية على وجه "لو يانغ"؛ فانتابهم رعب شديد وجمدوا في أماكنهم لا يدرون أيؤدون له الولاء أم يفرون بجلودهم.
استفسر "لو يانغ" من "هونغ جي شين" عما حدث، وبعدما أحاط علماً بكل التفاصيل، التفت نحو "شو هي" بعينين كالصقر.
وقال "لو يانغ" بنبرة باردة تقشعر لها الأبدان: "اركعوا جميعاً!"
عند سماع هذا الأمر، ذُهل "لياو شينغيانغ" وتسمر في مكانه من شدة المفاجأة.
فـ "شو هي" هو أحد العمالقة الخمسة لعائلة "لين"، وهو رجل تهتز له بلدة "هونغيون".
والآن، يجرؤ هذا الشاب المبتدئ على مطالبته بالركوع بكل بساطة؟
"أهذا ضرب من الجنون، أم تراه حلم بعيد المنال؟" هكذا فكر "لياو شينغيانغ".
ارتجفت عضلات وجه "شو هي" بشكل لا إرادي، وبدت عيناه حادتين وجسده يرتعش قليلاً بينما برزت عروق جبهته من شدة الغضب الممزوج بالخوف، وبدا كوحش محاصر يوشك على الانفجار.
سخر "لياو شينغيانغ" ببرود قائلاً: "هل تدري مع من تتحدث؟ ألا تعرف قدر الأخ 'هي'؟ لقد جنيت على نفسك، أنت في عداد الموتى!"
لكن ثمة أمر غريب استرعى انتباه "لياو شينغيانغ"؛ فالأخ "هي" المعروف بمزاجه الناري كان من المفترض أن يسحق "لو يانغ" في لمح البصر، لكنه وقف هناك شاخصاً بصرُه، لم يحرك ساكناً ولم يأمر رجاله بالهجوم.
*طاخ!*
دون أن يلحظ أحد حركة يده، هوت صفعة مفاجئة ومدوية من "لو يانغ" على خد الأخ "هي" الأيسر، فمال رأسه بقوة وانداحت خيوط من الدم القاني من زاوية فمه.
"أتجرؤ على ضربي…"
وقبل أن يتمم جملته، عاجله "لو يانغ" بصفعة أخرى على خده الأيمن.
من قوة الضربة الأولى ارتمى رأسه يميناً، ومن شدة الثانية ارتد يساراً.
كانت الدماء تسيل من فم الأخ "هي" بغزارة حتى بدا كمن شرب لتوّه دماً بشرياً، وارتسمت آثار الأصابع متورمة على وجنتيه كأنها نقوش بارزة.
"سأقتلك!"
استشاط الأخ "هي" غضباً وأحكم قبضتيه، وهمّ بالانقضاض على "لو يانغ".
لكنه لم يدرك أن "لو يانغ" قد أطلق ركلة خاطفة غير مبالية، أطاحت به ليصطدم بالحائط ثم ينهار جاثياً على ركبتيه، وهو يتقيأ دماً داكناً وقد فارقته القوة تماماً.
في تلك اللحظة، بدأ الشك يتسرب إلى قلب "لياو شينغيانغ" بأن "لو يانغ" أقوى بكثير مما تخيل، بل وأقوى من الأخ "هي" نفسه.
حتى السيجارة التي كان يمسكها سقطت من بين أصابعه المرتجفة، وامتقع لونه وتصّبب عرقاً غزيراً وهو يرتعد كالسعفة في مهب الريح.
لم يلتفت "لو يانغ" إلى "لياو شينغيانغ" مطلقاً، بل وجّه نظره الحاد نحو بقية الصعاليك.
"اصطفوا هنا!" أشار "لو يانغ" بيده.
انحنى الأوباش برؤوسهم في ذل، وشكلوا صفاً مطيعاً وهم يقتربون منه بخطى متعثرة.
*طاخ!*
صفع "لو يانغ" الشاب الذي كان في المقدمة صفعة أطاحت به أرضاً وكاد يفقد وعيه.
"ازحف إلى الخارج!" أمر "لو يانغ" ببرود.
ظل الشاب يترنح من الصدمة، وحاول الوقوف فلم تسعفه قدماه، فما كان منه إلا أن زحف على يديه وركبتيه باتجاه الباب ذليلاً.
"التالي!"
*طاخ!*
"التالي!"
*طاخ!*
تلقى كل واحد من هؤلاء الرعاع نصيبه من صفعات "لو يانغ"، ودون استثناء، سقطوا جميعاً وزحفوا على الأرض كفئران مذعورة، يخرجون من المطعم واحداً تلو الآخر في مشهد مخزٍ.
في تلك اللحظات، كانت أسنان "لياو شينغيانغ" تصطك من شدة الرعب، وخارت قواه فجأة، فانحنت ركبتاه وركع أمام "لو يانغ".
"أيها الأخ الأكبر، لقد كنت أعمى البصيرة ولم أعرف قدرك العالي. أرجوك ارحمني واصفح عني!" تمتم "لياو شينغيانغ" بصوت متهدج.
رد "لو يانغ" بنبرة جادة وهو يداعبه بسخرية: "يجب أن أعترض بشدة؛ فالعظماء لا يُشبهون بالجبال الصماء التي تسكنها القرود، فهل تراني قرد الغابة حتى تشبهني بالجبال؟"
رغم الجو المشحون بالخوف الذي جعل "لياو شينغيانغ" يشعر وكأن روحه قد بلغت الحلقوم، إلا أن "آن يوينغ" والجميلات الأخريات لم يستطعن تمالك أنفسهن من الضحك على هذه الدعابة المفاجئة.
قال "لياو شينغيانغ" بذعر: "أيها الأخ الأكبر، لم أقصد ذلك أبداً. أنا مجرد أحمق غبي تاه عنه الصواب، وأستحق الضرب على فعلي".
وبدأ يصفع وجهه بنفسه اعتذاراً وطلباً للصفح.
تردد صدى صفعاته الذاتية في أرجاء المطعم الصامت.
"يا حاج لياو، انهض، نحن معارف قدامى؛ لا تكن هكذا. ما زال لدينا عمل لنناقشه. فقط حدد سعرك وبع لي هذا المطعم. لا تستعجل، خذ وقتك وفكر جيداً قبل أن تعطيني جوابك"، قال "لو يانغ" وهو يساعده على الوقوف بلطف مصطنع.
وقف "لياو شينغيانغ" شاحباً، غارقاً في عرقه، ووجهه يفيض بالعجز والكسر.
"انتظر لحظة، دعني أتحدث إليه أولاً"، قال "لو يانغ" وهو يربت على كتف "لياو شينغيانغ".
ولم يملك "لياو شينغيانغ" إلا أن يهز رأسه موافقاً بخضوع تام.
وبعد رحيل رجاله مهزومين، لم يبقَ في المكان سوى الأخ "هي"، ذلك الشاب الذي صار وحيداً ومنكسراً، متكئاً على الحائط بضعف، وصدره ملطخ بالدماء التي فاحت منها رائحة المعدن النفاذة.