الفصل 468: أظن أنني وقعت في الحب
في غضون ثوانٍ معدودة ، غمرت البتلات المتوهجة المبنى الضخم بالكامل ، وصبغت أضواؤها ما فى الجوار بلون وردي قاني. وحين تلاشت تلك البتلات ، تلاشى معها كل أثرٍ للوجود داخل المبنى.
خارج حدود المدينة حيث تمركز الجيش ، ظهر مئات الأشخاص فجأة في السماء من العدم ، تحيط بهم بتلات لولبية. وعلى الرغم من ظهورهم على ارتفاعات متفاوتة فوق الأرض ، تراوحت بين خمسين ومئة متر إلا أن أحداً منهم لم يسقط بفعل الجاذبية ؛ بل راحت أجسادهم تهبط ببطء ، موجهةً برفق نحو الأرض بأزهار البرقوق التي ما إن لامست قدما أحدهم الأرض حتى اختفت.
"مـ.. ماذا حدث للتو ؟ " هتف "جيري " وهو من فئة "الموقظين " (مستيقظ) من الرتبة "ب " بذهولٍ شديد بعد أن شهد كل شيء من نافذة مبنى مجاور. حيث كان يرتدي نظارات استشعار حراري تتيح له الرؤية عبر الجدران ، وقد رأى للتو ، أمام عينيه مباشرة ، قراءات مئات الأشخاص وهي تتلاشى وكأنهم لم يكونوا قط داخل ذلك المبنى.
"يا جيري ، لا وقت لدينا لهذا! فقد اجتاح الـ(ترول) بالفعل عشرين بالمئة من المدينة. علينا التوغل أكثر والتحقق من وجود أي مواطنين ما زالون عالقين " صاح "توم " وهو "موقظ " آخر من الرتبة "ب " منتشلاً إياه من حالة شروده.
"هـ.. مهلاً ، هل تصادف أنك تعرف أي موقظة جميلة من الرتبة "أ " ذات شعر وردي ؟ " سأل جيري ، وعيناه لا تزالان معلقتين بـ "أومي " المحلقة في الجو. "أظن أنني وقعت في الحب ".
تمتم توم وهو يضع يده على وجهه "ليس هذا أوان الهزل يا أحمق ". اختلس نظرة سريعة إلى "أومي " قبل أن يتابع "لقد درست ملامح كل موقظ من الرتبة "أ " في أمريكا ، وهي لا تبدو من هنا ؛ فإما أن تكون من بلدٍ آخر أو عميلة سرية تابعة للجمعية ".
ضغط على الكاميرا الصغيرة المدمجة في خوذته الواقية وقال بابتسامة خبيثة "أياً كانت ، فسنعرف الحقيقة حالما أرفع هذا المقطع على "يوتيوب " غداً ".
سارع الاثنان إلى إخراج من تبقى من الناس من المبنى قبل أن يتوغلا أكثر في أعماق المدينة ، بحثاً عن أي ناجين قد يكونون محاصرين في مكان ما. ومن الطوابق العليا للمباني المتقدمة داخل المدينة تمكنا من رؤية الدمار الذي ألحقه الـ(ترول).
كانت أعمدة الدخان الكثيف تملأ السماء ، والمباني تشتعل ، والطرقات الواسعة قد استحالت ركاماً وحطاماً متفحماً ، والمركبات التي كانت تعبرها تمزقت إرباً. و كما شوهد بعض الـ(ترول) وهم يحطمون أعمدة الإنارة ويقتلعون الأسلاك الكهربائية ، بينما كانت ضحكاتهم المدوية تتردد في الأرجاء.
"هـ.. هذه الوحوش... " تمتم جيري وهو يشد قبضتيه. فقد كانت "مدينة الخليج " إحدى مفاخر أمريكا ، تُدمر بوحشية أمام أعينهما.
قال توم وهو يضع يده على كتفه "جيري ، علينا التركيز على ما يمكننا فعله ". أومأ جيري برأسه وأدار قرص التحكم في نظارته ، فتوهجت العدسات باللون الأخضر الساطع ، مما أتاح له مسح المكان بحثاً عن أي وجود حي في الجوار.
قال جيري مشيراً نحو مركز تجاري بعيد كان يظهر فيه اثنان من الـ(ترول) وهما يتجولان "هناك أربعة أشخاص يختبئون في المقهى داخل (ستونستون جاليريا) ".
تمتم توم وهو يثبت خطافاً معدنياً صغيراً في قفازه كان متصلاً بسلك متين مثبت عند خصره "تباً ، علينا الإسراع ".
بضغطة زر واحدة على معداته ، انطلق الخطاف نحو المبنى التالي. وفي اللحظة التي استقر فيها ، قفز توم ومعه جيري عن الحافة ، متأرجحين في قوس عريض كالبندول. وعند وصولهما إلى أعلى نقطة في الأرجوحة ، ضغط على الزر مجدداً ليسحب الخطاف قبل أن يطلقه نحو المبنى الذي يليه. وفي غضون دقائق معدودة ، هبط الاثنان على سطح المركز التجاري.
قال توم وهو يعدل قفازاته "أخرج الناجين إلى السطح بسرعة ، سأراقب الـ(ترول) ". أومأ جيري برأسه وانطلق مسرعاً نحو درج السلالم المؤدي إلى الداخل.
في غضون دقائق ، وصل إلى الجدار الذي كان الناس يختبئون خلفه. حيث كان المدخل من الخارج ، ولكن لتجنب لفت انتباه الـ(ترول) كان دخول المقهى من الباب الأمامي أمراً مستحيلاً. لذا شد قبضتيه ووجه سلسلة من اللكمات السريعة إلى الجدار حتى حطمه.
وما إن استقر الغبار حتى طارت طفاية حريق باتجاه وجهه ، لتصيبه في أنفه مباشرة.
شهقت الناجية ، وهي امرأة في منتصف العمر "مت أيتها الوحوش... أوه ، إنه بشري! "
أنّ جيري وهو يضم أنفه "هاه ، لست متأكداً إن كانت مهمة الإنقاذ ضرورية حقاً مع هذه القوة في ذراعك يا آنسة ".
تمتمت المرأة وهي تجهش بالبكاء "مـ.. موقظ ". ومن خلفها ، خرج طفلان ورجل مسن ببطء.
قالت المرأة بنحيب "شـ.. شكراً لقدومكم من أجلنا. ظننت أننا سنلقى حتفنا ".
أمسك الطفلان بيدي جيري ونظرا إليه بابتسامات واسعة تملؤها الراحة "شكراً لك أيها البطل ".
قال جيري بنبرة حازمة وهو يداعب شعرهما "أنتم الأبطال الحقيقيون لصمودكم حتى الآن ". كان قد تمنى دائماً قول هذه العبارة ، وها هو اليوم ينطق بها أخيراً للمرة الأولى.
عبر سماعة الأذن ، جاء صوت توم ملحاً "جيري! ".
ضغط جيري على السماعة وأجاب "لقد وجدت الناجين ، سأكون— ".
قاطعه توم صائحاً "أخرجهم وتحرك فوراً! ثلاثة من الـ(ترول) اندفعوا للتو نحو المقهى. عليك المغادرة فوراً! ".
"لماذا لم تحذرني أبـ... "
تلاشت كلماته في حنجرته حين شد الطفلان على كم قميصه ، وقد بدت عليهما ملامح الذعر المطلق ، وأجسادهما ترتجف بعنف. حيث كان الخوف يسيطر عليهما لدرجة أنهما لم يستطيعا نطق كلمة واحدة ، واكتفيا بالإشارة بأصابعهما نحو مدخل المقهى.
تبع جيري نظراتهما ، ليجد ثلاثة أزواج من العيون المتوهجة و كل عين منها بحجم وجهه ، وهي تحدق بهم من المدخل. حيث كانت أنياب الـ(ترول) الضخمة تلقي بظلالها على الأرض بطول جسده بالكامل.