الفصل 525: الفصل 524 - وقتٌ مع سيلفي
كانت سيلفي في طريق عودتها بعد مشاهدة مباريات طلاب السنة الثالثة؛ إذ ذهبت لدراسة تحركاتهم، وفهم الفوارق بين القتال داخل الحلبة ومواجهة الخطر الحقيقي.
رأت بعض الطلاب يقاتلون بتهور، باذلين قصارى جهدهم، أما النخبة بينهم فقد أظهروا ضبطاً عالياً للنفس، فكانت حركاتهم سريعة ودقيقة؛ لا خطوات زائدة، ولا حركات لا طائل منها.
أما القلة الذين اعتبرتهم متفوقين حقاً، فلم يكونوا مهتمين بتفريغ إحباطهم أو التغلب على خصومهم بسرعة، بل ركزوا بدلاً من ذلك على استنزاف الوقت، والتحكم في وتيرة النزال، والحفاظ على قدرتهم على التحمل.
في غضون أيام قليلة، ستخوض هي التقييم ذاته، وكان لزاماً عليها استحضار هذه التفاصيل قبل أن تطأ قدماها تلك الساحة.
"أتمنى فقط أن يكون الأستاذ أدريان شريكي في المبارزة."
انتشرت حمرة خفيفة على خديها بينما تلاقت كلمتا "أدريان" و"شريك" في مخيلتها. كانت سيلفي تكنّ له الإعجاب منذ فترة طويلة، وما بدأ كإعجاب خفيّ تحول تدريجياً إلى مشاعر أعمق وأكثر جدية. لم يعد الأمر مجرد إعجاب مراهقة عابر يكفيها فيه رؤيته مرة واحدة في اليوم؛ بل أصبحت الآن تتوق للمزيد، تمنت أن تقف قريبة منه، وأن تتحدث معه لفترة أطول، وربما حتى أن تمد يدها وتلمسه إذا ما امتلكت الشجاعة يوماً ما.
لكنها كانت تدرك مدى صعوبة ذلك؛ فلديه بالفعل ثلاث عشيقات، ثم هناك إيلانا، زميلته الأكبر سناً، تلك الفتاة التي حاولت تقليص المسافة بينهما لسنوات، وحتى الآن، رغم أنها تقف أقرب إليه قليلاً من بقية الطلاب، إلا أنها لم تحجز لنفسها مكاناً في قلبه بعد.
إن معرفة ذلك جعلت آمال سيلفي تبدو هشة، بل وسخيفة، ومع ذلك رفضت تلك الآمال أن تتلاشى.
في تلك اللحظة بالذات، وكأن أفكارها قد استدعته، رأت شخصية مألوفة تنعطف عند زاوية الممر على مسافة ما. تجمدت سيلفي في مكانها، فرؤيته فجأة جعلت قلبها يخفق بشدة، وبعد تردد قصير، استعدت لتحيته كي لا تبدو فظة، لكنها توقفت فجأة؛ فقد تعثرت خطواته، وتمايل جسده بشكل غير مستقر، كما لو أن ثقلاً خفياً يرهقه.
عندما كاد أن ينهار، اندفعت سيلفي إلى الأمام دون تفكير وأمسكت بكتفه: "يا أستاذ؟"
أصدر أدريان همهمة خافتة ونظر إليها بعينين شبه ذابلتين: "سيلفي... اعذريني، ولكن هل يمكنكِ مساعدتي لأجلس في مكان ما؟"
أومأت برأسها على الفور وقادته نحو مقعد قريب في الحديقة. وبمجرد أن جلس، أطلق أدريان زفيراً عميقاً، فارتسم القلق على وجه سيلفي: "ماذا حدث يا سيدي؟"
أجاب بهدوء: "أنا مُرهَقٌ فحسب، شكراً لكِ على إنقاذي، فلو سقطتُ على وجهي لربما استيقظتُ من نومي، لكني فضّلتُ تجنب الألم."
"هل أتصل بالطبيب؟ أم أحضر لك شيئاً لتأكله؟ تبدو شاحباً جداً."
ثم وكأنها تذكرت شيئاً، انتفضت قليلاً ومدت يدها بسرعة إلى حقيبتها: "تفضل، خذ هذا من فضلك."
أمال أدريان رأسه نحو قطعة الحلوى المغلفة بالورق التي قدمتها له، وسأل: "ما هذه؟"، لكنه قبلها وقربها منه، فاستنشق رائحة دافئة ومألوفة. رفع حاجبه مستغرباً: "قهوة؟ هل لديكِ لوح طاقة بنكهة القهوة؟"
ابتسمت سيلفي ابتسامة صغيرة خجولة: "إنه يساعد على التركيز."
دون تردد، مزق أدريان الغلاف وقضم منه قضمة كبيرة، فسمع قرمشة خفيفة، وذاق حلاوة لطيفة ممتزجة بنكهة قهوة قوية بقيت عالقة في فمه.
همس قائلاً: "ممتاز، لم أتذوق شيئاً بهذه الروعة من قبل."
استرخى كتفاه وهو يأخذ قضمة أخرى ببطء، متلذذاً بها، وكأنه لا يريد لهذه اللحظة أو النكهة أن تنتهي سريعاً.
احمرّت وجنتا سيلفي وهي تسأل بهدوء: "سمعتُ أن الأستاذ أدريان لا يحب الحلويات؟"
ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة: "ليست حلوة بشكل مفرط، بل مذاقها متوازن تماماً، سَلِمَت يدا من صنعها على هذا الابتكار الرائع."
احمرّ وجهها من رقبتها حتى أطراف أذنيها، وكان قلبها يخفق بشدة لدرجة خشيت معها أن يسمع دقاته. خفضت رأسها وعبثت بأصابعها، تكافح لكبح مشاعرها.
همهم أدريان بتفكير قبل أن يسأل: "هل كنتِ ذاهبة إلى مكان ما؟ يمكنكِ تركي هنا إن كان لديكِ عمل."
هزت سيلفي رأسها على الفور: "لا شيء عاجل، كنتُ سأراجع دروسي فقط."
ابتسم أدريان وأشار إليها لتجلس بجانبه. ظل هذا الجزء من الحرم الجامعي هادئاً على غير العادة، حيث خرج معظم الطلاب من الساحة عبر البوابة الأمامية، فبدت الحديقة منعزلة وكأنها بمعزل عن العالم الخارجي. بالنسبة لسيلفي، بدا الأمر وكأنهما الشخصان الوحيدان في الوجود.
استجمعت شجاعتها وجلست قربه، في مسافة لم تفصلها يوماً عن أي رجل آخر، حتى كادت أكتافهما تتلامس.
"لم أخبركِ بهذا من قبل يا سيلفي،" بدأ أدريان حديثه فجأة "لكنكِ واحدة من ألمع الطلاب الذين قابلتهم."
اتسعت عيناها ذهولاً، فتابع: "أنتِ تسهلين الأمور عليّ؛ ففي كثير من الأحيان، بعد مغادرتي الفصل، تبادرين بشرح ما لم يفهمه الآخرون، وتجمعين الواجبات، وتتأكدين من أن كل شيء يسير على ما يرام."
خفضت سيلفي نظرها، وارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها: "لم أكن أعلم أنك تلاحظ ذلك."
ضحك أدريان بخفة: "بالطبع لاحظت، قد لا أثني على طلابي علناً كثيراً، لكن هذا لا يعني أنني لا أرى جهودهم."
رفع يده ووضعها برفق على رأسها، يداعب شعرها بدفء وهدوء: "أنتِ فتاة طيبة يا سيلفي."
ارتجفت أنفاسها، واقتربت منه دون وعي حتى تلامست أكتافهما، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة راضية، وضاقت عيناها قليلاً من فرط السعادة، واسترخى جسدها تحت وطأة حنانه. للحظة وجيزة، سمحت لنفسها بالاستغراق في ذلك الشعور، ثم سحب أدريان يده ونهض عن المقعد.
قال بخفة: "شكراً لكِ يا سيلفي، أشعر بتحسن كبير الآن."
نهضت سيلفي بسرعة هي الأخرى، وبعد تردد قصير، تحدثت بصوت حذر: "أستاذ... أعلم أنه قد لا يكون من حقي قول هذا، ولكن هل يمكنك أن تهوّن على نفسك قليلاً؟"
أصدر أدريان همهمة خفيفة، مشيراً لها بالاستمرار، فقالت وهي تشبك أصابعها بعصبية: "لا أعرف ما الذي يدفعك إلى إرهاق نفسك، ولكن كلما أجبرتُ نفسي على الدراسة وأنا منهكة، تكون النتيجة عكسية؛ فالعمل الذي يمكن إنجازه في دقائق بذهن صافٍ، ينتهي به الأمر ليستغرق ساعة كاملة."
صمت أدريان، فقد فهم ما كانت تلمح إليه، فخفضت سيلفي رأسها، وانخفض صوتها إلى همس خافت: "أرجو أن تعتني بنفسك يا أستاذ."
°°°°°°°°°
ملاحظة من الكاتب: شكراً لكم على القراءة، وإذا أعجبتكم القصة حتى الآن، فشاركونا بتعليقاتكم.